ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

مناجم الفحم المهجورة تخفي ثروة جديدة.. عناصر نادرة تدعم مستقبل الطاقة النظيفة

من عصر الفحم إلى عصر الطاقة النظيفة.. مخلفات المناجم تحمل عناصر ثمينة

تخفي بقايا صناعة الفحم القديمة في جنوب ولاية إلينوي الأمريكية موردًا قد يصبح ذا قيمة متزايدة في عصر الطاقة النظيفة، إذ يعمل باحثون في جامعة جنوب إلينوي كاربونديل على تطوير طريقة لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة من تصريفات المناجم المهجورة.

وتعد العناصر الأرضية النادرة، المعروفة اختصارًا بـ REEs، مكونات أساسية في عدد كبير من التقنيات الحديثة، خاصة المنتجات المرتبطة بالطاقة المتجددة والتكنولوجيات المتقدمة.

ويقود المشروع جيا ليو، الأستاذ المشارك في كلية الهندسة المدنية والبيئية وهندسة البنية التحتية، بدعم من منحة لمدة عامين تبلغ قيمتها نحو 200 ألف دولار من وزارة الداخلية الأمريكية.

ويهدف البحث إلى تطوير طريقة اقتصادية وصديقة للبيئة لاستعادة هذه العناصر القيمة من مياه وتصريفات المناجم المهجورة المنتشرة في منطقة جنوب إلينوي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد نفايات متبقية من صناعة الفحم التي ازدهرت في المنطقة لعقود.

باحثون في جامعة جنوب إلينوي كاربونديل على تطوير طريقة لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة من تصريفات المناجم المهجورة.
باحثون في جامعة جنوب إلينوي كاربونديل على تطوير طريقة لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة من تصريفات المناجم المهجورة.

لماذا تحظى العناصر الأرضية النادرة بكل هذه الأهمية؟

توجد العناصر الأرضية النادرة بتركيزات صغيرة للغاية وفي مواقع جيولوجية محددة حول العالم، لكنها تدخل في تصنيع أكثر من 200 منتج يستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات.

وتبرز أهميتها بصورة خاصة في الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية والهجينة وتوربينات الرياح والألواح الشمسية، ما يجعلها مكونات مهمة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة.

ولا تقتصر استخداماتها على التطبيقات المدنية، إذ تدخل أيضًا في عدد من الأنظمة الدفاعية، بما في ذلك شاشات العرض الإلكترونية وأنظمة التوجيه وأجهزة الليزر والرادار والسونار.

لكن الحصول على هذه العناصر ليس أمرًا سهلًا، سواء بسبب ندرتها أو صعوبة الوصول إلى مصادرها واستخلاصها.

وتوجد نحو 13% من احتياطيات العناصر الأرضية النادرة عالميًا في الولايات المتحدة، ولذلك يمثل اكتشاف مصادر جديدة لهذه العناصر هدفًا مهمًا للمستهلكين والحكومة على حد سواء.

من مياه المناجم إلى العناصر النادرة

يعرف العلماء منذ عقود أن التصريفات الحمضية الناتجة عن المناجم يمكن أن تحتوي على كميات متفاوتة من العناصر الأرضية النادرة.

لكن الاهتمام بتحويل هذه التصريفات إلى مصدر عملي لهذه العناصر ازداد مع تطور التقنيات الحديثة، وارتفاع الطلب على العناصر النادرة، إلى جانب العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية التي دفعت الباحثين إلى البحث عن مصادر غير تقليدية لها.

وهنا يأتي مشروع جامعة جنوب إلينوي، الذي يسعى إلى تطوير تقنية تمكن من التقاط العناصر الأرضية النادرة من هذه المياه ثم فصلها واستعادتها.

 

باحثون في جامعة جنوب إلينوي كاربونديل على تطوير طريقة لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة من تصريفات المناجم المهجورة.
تقنية هجينة تجمع الأحياء الدقيقة والكهرباء

تركز ليو في مشروعها على تطوير نظام كهروكيميائي حيوي هجين مصمم خصيصًا لهذا الغرض.

ويعتمد النظام على حجرات كاثودية تحتوي على أغشية حيوية مكونة من بكتيريا مختارة بعناية، تتشكل حول الأقطاب الكهربائية.

وتُعرف قدرة هذه البكتيريا على التقاط العناصر من الوسط المحيط باسم الامتزاز الحيوي (Biosorption).

وترى ليو أن الجمع بين الامتزاز الحيوي والتحفيز الكهروكيميائي يمكن أن يزيد من كفاءة عملية استخلاص العناصر الأرضية النادرة.

وبعد التقاط العناصر على الأغشية الحيوية، تستخدم العملية الأحماض لفصل العناصر عن هذه الأغشية واستعادتها.

ويستهدف المشروع استخلاص 16 عنصرًا أرضيًا نادرًا مختلفًا، من بينها عناصر أقل شيوعًا مثل:

  • السكانديوم
  • الإيتريوم
  • اللانثانوم
  • السيريوم

إضافة إلى عناصر أخرى.

وكانت اختبارات سابقة أجرتها ليو باستخدام تقنية الامتزاز الحيوي قد حققت معدلات استرداد للعناصر الأرضية النادرة بلغت نحو 50%، ما يمنح الباحثة أملًا في تحقيق كفاءة أعلى من خلال النهج الهجين الجديد.

وقالت ليو إن الفريق يسعى إلى تقديم إثبات مفهوم مختبري للعملية والتقنية المبتكرة، موضحة أنه في حال نجاحها، يمكن أن توفر الطريقة مسارًا مستدامًا وصديقًا للبيئة لاستعادة هذه الموارد ذات القيمة.

البداية من مناجم الفحم المهجورة

بدأت ليو وطلابها بالفعل العمل ميدانيًا، من خلال جمع عينات من أربعة مناجم فحم مهجورة في المنطقة.

ويقوم الباحثون بقياس عدد من الخصائص في كل عينة، من بينها درجة الحموضة وكمية الأكسجين الذائب.

كما يقيس الفريق التوصيلية الكهربائية لكل عينة، وهي خاصية يمكن أن تعطي مؤشرًا على كمية العناصر الذائبة القادرة على توصيل الكهرباء داخل المياه.

وستنتقل العينات بعد ذلك إلى مختبرات جامعة جنوب إلينوي، حيث سيعمل الباحثون على تطوير التقنية وتحسينها، بما في ذلك تحديد المدة المثلى للمعالجة ومستويات الحموضة المناسبة.

وتُعد هذه الخطوة ضرورية لمعرفة أفضل الظروف التي تسمح بالتقاط العناصر الأرضية النادرة وفصلها بكفاءة، مع تقليل التكلفة والأثر البيئي للعملية.

تحويل إرث الفحم إلى مورد للطاقة النظيفة

إذا نجح المشروع، فقد يتجاوز أثره مجرد تطوير تقنية مخبرية جديدة، إذ يمكن أن تصبح الطريقة نموذجًا لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة من مجموعة متنوعة من مواقع المناجم المهجورة.

وهذا يفتح الباب أمام فكرة لافتة في مجال الاقتصاد الدائري: تحويل أحد مخلفات عصر الوقود الأحفوري إلى مورد يخدم تقنيات الطاقة النظيفة.

فبدلًا من اعتبار تصريفات المناجم المهجورة مشكلة بيئية فقط، يمكن النظر إليها باعتبارها مصدرًا محتملًا لمواد تدخل في صناعة السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والألواح الشمسية وغيرها من التقنيات الحديثة.

ولا يزال المشروع في مرحلة البحث والتطوير، ولذلك فإن النتائج النهائية المتعلقة بالكفاءة والتكلفة وقابلية تطبيق التقنية على نطاق واسع لم تُحسم بعد.

لكن الباحثين يأملون في إثبات إمكانية إنشاء مسار جديد لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة يكون مستدامًا وأقل تأثيرًا على البيئة واقتصاديًا في الوقت نفسه.

وقالت ليو إن الفريق يأمل في إثبات وجود مسار جديد واقتصادي لاستعادة الموارد القيمة من العناصر الأرضية النادرة، مع الحفاظ على الطابع المستدام والصديق للبيئة للعملية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة