أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

من المسؤول عن الكارثة؟.. متى يمكن القول إن تغير المناخ تسبب فعلاً في الظواهر المتطرفة؟

فيضانات مدمرة وحرارة متصاعدة.. متى يصبح تغير المناخ سببًا مباشرًا للكوارث؟

في أسبوع واحد، ضربت كارثتان طبيعيتان منطقتين مختلفتين تمامًا، لكنهما تشابهتا في مشهد الدمار المفاجئ الذي خلفته المياه والفيضانات.

في 26 أغسطس، اجتاح تدفق هائل من المياه والحطام واديًا بمنطقة الهيمالايا على الحدود بين نيبال والتبت، متسببًا في مقتل أكثر من ألف شخص، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين. وأظهرت مقاطع مصورة التقطها سكان وكاميرات مراقبة جدارًا بطيئًا من المياه والطين يندفع نحو التجمعات السكنية، ويرتفع إلى أسطح المنازل ويجرف مباني بأكملها.

وفي بعض المناطق، ارتفع منسوب المياه بنحو 30 قدمًا، أي قرابة 9 أمتار، خلال 30 دقيقة فقط.

وبعد أيام، شهد منتزه جراند كانيون الوطني في ولاية أريزونا الأمريكية مشهدًا مشابهًا. فقد تحولت السماء المشمسة إلى أمطار غزيرة هطلت بمعدل وصل إلى بوصة واحدة خلال 30 دقيقة، وضربت مياه الأمطار تضاريس جافة أنهكها الجفاف خلال أغسطس، وانحدرت فوق منطقة تعرضت مؤخرًا لحريق، قبل أن تتجمع سريعًا في نهر كولورادو.

وأدت السيول المفاجئة إلى تدمير معظم الجسور المخصصة للمشاة في مخيم برايت أنجل، أحد أشهر مواقع التخييم في الوادي، كما ألحقت أضرارًا بالغة بخط مياه رئيسي. وأُعلن عن مقتل شخصين وفقدان آخر.

بعد فيضانات العام الماضي.. كارثة جديدة تضرب نيبال والتبت وتحذيرات من فيضان ثانٍ
بعد فيضانات العام الماضي.. كارثة جديدة تضرب نيبال والتبت وتحذيرات من فيضان ثانٍ

كارثتان.. وتفسيرات متعددة

في أعقاب الكارثتين، بدأ الخبراء ووسائل الإعلام البحث عن أسباب الدمار، من ذوبان الجليد والجفاف والحرارة إلى أنماط الطقس الطبيعية، فيما ربطت تغطيات إعلامية أخرى الأحداث بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتغير المناخ.

لكن هنا يظهر سؤال علمي وإعلامي بالغ الأهمية:

متى يصبح من الدقيق القول إن تغير المناخ تسبب في كارثة بعينها، ومتى يكون دوره مجرد زيادة احتمالات وقوعها أو تعزيز شدتها؟

الفارق ليس لغويًا فقط، بل يرتبط بطريقة فهم الجمهور للعلم، وبكيفية تفسير أسباب الكوارث الطبيعية دون تبسيط مخل أو مبالغة.

فيضانات نيبال.. الانهيار الأرضي هو الشرارة الأولى

في حالة كارثة نيبال، تحرك العلماء سريعًا لتحديد ما حدث.

وبحسب تحليل أجراه أكثر من 85 باحثًا متخصصًا في المخاطر الطبيعية، جرى خلاله فحص بيانات الزلازل وصور الأقمار الصناعية وبيانات الطقس، خلص الباحثون إلى أن انهيارًا أرضيًا ضخمًا أدى إلى دفع كميات هائلة من جليد أحد الأنهار الجليدية إلى الوادي، ما أطلق موجة مدمرة من المياه والصخور والطين.

ووصف أحد العلماء حجم الطاقة الناتجة عن الانهيار بأنه تجاوز الطاقة التي أطلقتها القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما، فيما قدر باحثون أن الكارثة كانت أكبر بنحو عشرة أضعاف من كارثة تشامولي في الهند عام 2021، التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص وألحقت أضرارًا بمنشأتين للطاقة الكهرومائية.

لكن وجود تغير المناخ في الخلفية لا يعني بالضرورة أنه كان السبب المباشر للانهيار.

فالانهيارات الأرضية ظاهرة قديمة قدم الجبال نفسها، وقد وقعت في جبال الهيمالايا قبل العصر الصناعي بوقت طويل.

غير أن ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ يؤدي إلى ذوبان الأنهار الجليدية وإذابة التربة الصقيعية، التي تساعد في الظروف الطبيعية على تثبيت الصخور والجليد معًا.

وبالتالي، يمكن أن يؤدي الاحترار إلى جعل بعض المناطق أكثر عرضة للانهيارات، خصوصًا مع تراجع الأنهار الجليدية.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين القول إن تغير المناخ يزيد احتمالات حدوث الانهيارات الأرضية، والقول إنه تسبب مباشرة في انهيار محدد.

زلزال محتمل وراء الكارثة.. انهيار جليدي وصخري يفجر فيضانات مدمرة على حدود نيبال والتبت
فيضانات نيبال تكشف مخاطر فقدان الجليد

علم «إسناد» الكوارث.. كيف يحدد العلماء دور تغير المناخ؟

هنا يأتي دور ما يعرف علميًا باسم علم إسناد الظواهر المناخية المتطرفة.

ويحاول هذا المجال الإجابة عن سؤال محدد: هل أدى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية إلى تغيير احتمالية حدوث ظاهرة معينة أو زيادة شدتها؟

وللإجابة، يستخدم العلماء نماذج مناخية وإحصائية متقدمة تقارن بين عالم افتراضي تأثر بتركيزات غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري، وعالم آخر لم تتعرض فيه المنظومة المناخية لهذا التأثير.

ومن خلال المقارنة، يستطيع الباحثون تقدير مدى تأثير الاحترار العالمي في احتمالية وقوع حدث متطرف أو في شدته.

لكن قوة الأدلة تختلف من ظاهرة إلى أخرى.

ففي موجات الحرارة الشديدة، تشير الدراسات بصورة شبه متسقة إلى وجود تأثير بشري واضح. أما في حالات الجفاف والأمطار الغزيرة، فإن النتائج تكون أكثر تفاوتًا، بينما يظل تحديد تأثير تغير المناخ على بعض العواصف المدارية أكثر تعقيدًا.

ولهذا، فإن إسناد حدث مناخي إلى تغير المناخ لا يعني البحث عن «متهم» بالمعنى الحرفي، بل محاولة فصل تأثير الاحترار العالمي عن التقلبات الطبيعية التي تحدث في النظام المناخي.

الكوارث الطبيعية
فيضانات مدمرة وحرارة متصاعدة.. متى يصبح تغير المناخ سببًا مباشرًا للكوارث؟

جراند كانيون.. عندما تتداخل العوامل

في فيضانات جراند كانيون، كان المشهد أكثر تعقيدًا.

فقد أشارت التقارير إلى دور ظاهرة إل نينيو في أنماط الطقس التي شهدتها المنطقة، بالتزامن مع موجة حر بحرية، بينما ساهم تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري في تعزيز بعض الظروف المناخية التي سبقت الفيضانات.

وهذا النوع من الأحداث يوضح لماذا يصعب أحيانًا اختزال الكارثة في سبب واحد.

فالظاهرة قد تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل، بعضها طبيعي وبعضها مرتبط بالاحترار العالمي.

وفي حالة غرب الولايات المتحدة، فإن انخفاض موارد نهر كولورادو لا يمكن تفسيره فقط بكون الشهر هو أغسطس، بل يرتبط أيضًا بأزمة مائية طويلة الأمد تفاقمت بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء الثلجي وتغير أنماط الهطول.

وبالتالي، فإن تغير المناخ قد لا يكون هو الذي «خلق» العاصفة، لكنه قد يكون جعل البيئة التي ضربتها العاصفة أكثر هشاشة وأكثر عرضة للضرر.

هل أصبحت عبارة «تغير المناخ» تفسيرًا لكل شيء؟

هذه المسألة لا تتعلق بالعلم وحده، وإنما بالإعلام أيضًا.

ففي الماضي، كان تغير المناخ والاحتباس الحراري موضوعين يتعامل معهما بعض وسائل الإعلام بحذر شديد، إلى درجة منح الآراء التي تنكر الأساس العلمي للاحترار العالمي مساحة مساوية تقريبًا للعلماء والخبراء.

لكن المشهد تغير مع تراكم الأدلة العلمية، وأصبح من الطبيعي أن تشير التغطية الصحفية إلى تغير المناخ عندما يكون له تأثير مثبت على الظاهرة محل النقاش.

غير أن المشكلة الأخرى ظهرت عندما أصبح الربط بين أي حدث مناخي متطرف وتغير المناخ يتم بصورة آلية، حتى قبل اكتمال الأدلة العلمية الخاصة بالحدث.

وهنا يحذر منتقدون من أن استخدام تغير المناخ كتفسير شامل لكل ظاهرة قد يؤدي paradoxically إلى إضعاف الرسالة نفسها.

فإذا أصبح كل فيضان وكل موجة حر وكل عاصفة وكل جفاف «دليلًا مباشرًا» على تغير المناخ، فقد يفقد الجمهور القدرة على التمييز بين ما أثبته العلم فعلًا وما يزال في نطاق الاحتمال.

كوارث المناخ في أمريكا
حرائق غابات وأمطار وفيضانات وذوبان جليدي تجسد التداعيات المتفاقمة لارتفاع حرارة الأرض وتغير المناخ.

بين الإنكار والمبالغة.. الصحافة أمام اختبار صعب

المشكلة لا تكمن في الإشارة إلى تغير المناخ، بل في كيفية الإشارة إليه.

فالصحافة المناخية مطالبة بتقديم صورة ملموسة لتأثير الاحترار العالمي، من خلال الخسائر الزراعية، وارتفاع تكاليف الكهرباء، وتراجع المياه، وغمر المنازل، وتغير احتمالات وقوع الكوارث.

لكنها مطالبة في الوقت نفسه بعدم القفز إلى استنتاجات قبل اكتمال الأدلة.

وفي هذا السياق، فإن انتظار دراسات الإسناد المناخي قد يكون أكثر أهمية من تقديم تفسير سريع وجذاب للكارثة.

فالقول إن تغير المناخ «سبب» حدث ما يختلف علميًا عن القول إنه «زاد احتمالية حدوثه»، أو «جعله أكثر شدة»، أو «هيأ الظروف التي جعلت آثاره أكثر تدميرًا».

تغير المناخ قد لا يكون السبب الوحيد.. لكنه ليس بريئًا من المشهد

العودة إلى كارثة نيبال توضح هذا الفارق.

لقد حدد الباحثون الانهيار الأرضي باعتباره الشرارة المباشرة التي أطلقت الكارثة. وهذا لا يعني أن تغير المناخ غير ذي صلة.

ففي المناطق التي تتراجع فيها الأنهار الجليدية، تشير الأدلة إلى أن الانهيارات الأرضية قد تحدث بوتيرة متزايدة.

وبعبارة أخرى، قد لا يكون الاحترار العالمي هو الذي أسقط الجبل في ذلك اليوم تحديدًا، لكنه قد يكون غيّر البيئة الجيولوجية والمناخية المحيطة به بطريقة تجعل مثل هذه الأحداث أكثر احتمالًا في المستقبل.

وهذه الإجابة أقل بساطة من عنوان صحفي يقول: «تغير المناخ تسبب في الكارثة».

لكنها، في المقابل، أكثر دقة وفائدة.

لماذا يهم هذا التمييز؟

لأن فهم العلاقة بين تغير المناخ والكوارث لا يتعلق بالمصطلحات فقط، بل بكيفية استعداد المجتمعات للمستقبل.

إذا كان الاحترار العالمي يزيد احتمال موجات الحرارة، أو يفاقم الجفاف، أو يقلل الغطاء الثلجي، أو يزيد من هشاشة المناطق الجليدية، فإن هذه المعرفة تساعد الحكومات والمجتمعات على التخطيط والبنية التحتية وإدارة المياه والإنذار المبكر.

أما إذا جرى اختزال كل كارثة في عبارة واحدة، فقد تضيع التفاصيل التي يحتاجها صانعو القرار لفهم المخاطر الحقيقية.

وفي النهاية، لا يحتاج الجمهور إلى رواية أكثر إثارة، بل إلى رواية أكثر دقة.

فتغير المناخ لا يحتاج إلى أن يكون سبب كل كارثة حتى يكون أخطر تحدٍ يواجهه العالم؛ يكفي أن نعرف أين يزيد احتمالات الخطر، وأين يضاعف شدته، وأين تكون الأدلة العلمية غير حاسمة بعد.

وهنا تحديدًا تصبح الدقة العلمية جزءًا من مواجهة تغير المناخ، وليست عائقًا أمامها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة