وجهات نظر

د.ضحى عبد الحميد: الإعلام الاقتصادي في الحروب الهجينة.. مصر وجبهتها الداخلية

خبير سياسات اقتصادية دولي

في عام 1986، وصف الباحث الأمريكي فرانك هوفمان الحرب الهجينة بأنها “توليفة متزامنة من الأدوات التقليدية وغير التقليدية، ومن بينها الحرب الاقتصادية والمعلوماتية والنفسية، بهدف إنهاك الخصم دون مواجهة مباشرة”.

وحين تبنّى حلف الناتو هذا المفهوم رسمياً في وثيقته الاستراتيجية عام 2010، لم يكن يصف مستقبلاً افتراضياً، بل كان يُؤطّر واقعاً باتت تعيشه دول كثيرة. مصر اليوم ليست استثناءً.

ما يشهده الإقليم منذ أكتوبر 2023 ليس حرباً تقليدية بين جيوش متقابلة، بل منظومة متكاملة من الضغوط: ميدانية واقتصادية وإعلامية ونفسية في آنٍ واحد. وفي هذا السياق بالذات، يغدو السؤال الجوهري: كيف يؤدّي الإعلام الاقتصادي دوره في مواجهة هذه الحروب؟ وكيف يحمي الجبهة الداخلية لا بالصمت ولا بالمبالغة، بل بالمعلومة الدقيقة والتحليل الرصين والخطاب المُحصِّن؟

 

الاستهداف الاقتصادي لمصر.. ليس محض صدف

لمن يتأمل خريطة الضغوط الاقتصادية على مصر خلال العقود الأخيرة، يصعب عليه أن يراها مجزأة أو عشوائية. فسد النهضة الإثيوبي الذي ظلّت فيه دول أخري شريكاً في التمويل والتخطيط التقني منذ مراحل مبكرة، يُشكّل بحد ذاته نموذجاً على ما يُعرف بـ”الضغط الهيكلي”: أي استهداف الموارد الاستراتيجية بدلاً من الحدود.

ووفق تقديرات وزارة الري والموارد المائية المصرية، يتراوح الانخفاض المحتمل في منسوب المياه بين 12 و25 مليار متر مكعب سنوياً في المدى البعيد، وهو ما يُهدد ما يزيد على 80% من الأراضي الزراعية المروية.

على الجانب الآخر، جاءت حروب الشرق الأوسط لتضرب شرياناً اقتصادياً آخر. فقد بلغت إيرادات قناة السويس ذروتها بنحو 9.4 مليار دولار في العام المالي 2022-2023 (هيئة قناة السويس، 2023)، ثم تراجعت بشكل حاد إلى ما دون 4 مليارات دولار في 2024، وانتقلت لما هو أدني من ذلك مع اندلاع الحرب الأخيرة مع ايران 2026 جراء الاغلاق المتقطع والمخاطر التي تؤدي بين الحين والأخر الي تحويل الملاحية العالمية بعيداً عن البحر الأحمر تفادياً لتهديدات مضيقي باب المندب وهرمز.

وبما أن قناة السويس تُمثّل أحد المصادر الأربعة الرئيسية للنقد الأجنبي لمصر إلى جانب السياحة وتحويلات المصريين في الخارج والاستثمار الأجنبي المباشر، فإن هذا التراجع لا يُمثّل مجرد رقم في موازنة، بل زلزالاً في بنية التوازن الخارجي.

وتأتي هذه الضغوط في سياق دين خارجي وصل الي 162 مليار دولار إلى مستويات غير مسبوقة، وضغوط تضخمية تؤثر علي القوة الشرائية لشرائح واسعة. وهنا تحديداً تُطل الحرب الهجينة في وجهها الإعلامي: حين يكون المواطن قلقاً ومُنهكاً، يُصبح هشاً أمام كل رواية مُحكمة تُقدّم له تفسيراً جاهزاً للأزمة.

 

الحرب في الفضاء المعلوماتي: الاستراتيجيات والأدوات

لا تقوم الحرب المعلوماتية الاقتصادية على عدم سرد الحقائق، فذلك من السهل أن يُكشف. فهي تقوم بالأساس على ثلاث آليات أكثر دقةً وإضراراً:

أولاها انتقائية الحقائق:  حين ينشر رقم صحيح تماماً لكنه مقتلَع من سياقه. رقم التضخم دون ذكر المقارن الإقليمي، أو سعر الصرف دون الإشارة إلى تعافي الاحتياطيات، أو انخفاض إيرادات السويس دون ذكر الأسباب الإقليمية الواضحة. والمتلقي الذي لا يملك السياق لا يستطيع أن يُميّز الخبر من كونه أداة.

ثانيتها توظيف الأزمة الحقيقية لتصعيد الشعور بانعدام السيطرة:  حين يرتفع سعر السلع، تنتشر تغريدات لا تتحدث عن السبب بل تزرع سؤالاً واحداً: “إلى أين نحن ذاهبون؟” وهذا السؤال، حين يتكرر بلا إجابة، يُنتج يأساً اجتماعياً هو في حد ذاته هدف استراتيجي.

ثالثتها تضخيم الانقسام الداخلي:  تُضخَّم الخلافات الاجتماعية والطائفية والجيلية وتُوظَّف لإيهام الرأي العام بأن المجتمع ينهار من الداخل. وهي رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى المستثمر الأجنبي والسياحة والدائنين الدوليين في آنٍ واحد.

الإجابة على هذه الحرب لا تكون بالتكتم ولا بالنفي المجرد، بل بما يمكن تسميته الشفافية الاستباقية:  أن تكون الجهة الرسمية هي أولى من يُعلن الرقم الصعب، مقروناً بتحليله وسياقه وخطة التعامل معه. الرقم الذي تُعلنه الحكومة أولاً يُجرَّد من تحويله كأداه في يد الخصم.

غرفة العمليات.. نموذج الاستجابة في الزمن الفعلي

باتت الدول ذات الإعلام الاقتصادي الناضج تعتمد ما يُعرف بـ”غرف العمليات المعلوماتية”، وهي وحدات دائمة في مراكز دعم القرار تضم في تشكيلها خبراء اقتصاديين من القطاع الحكومي والخاص — ويستحسن أن يكون بينهم صوت مستقل ذو مصداقية عامة — إلى جانب متخصصين في مراقبة الفضاء الرقمي والصحفيين الاقتصاديين المدربين على الأزمات.

مهمة هذه الغرفة ليست إصدار البيانات بل قراءة المشهد المعلوماتي أولاً بأول: ما الشائعة الاقتصادية الدائرة الآن؟ أين نشأت؟ ما حجم انتشارها؟ ما الرد الأمثل وفي أي توقيت؟ فالاستجابة المتأخرة في الأزمة المعلوماتية تساوي تقريباً الصمت. وتتمتع مصر بغرفة عمليات اعلامية مميزة تستجيب لحظيا للشائعات من خلال منصات مركز دعم واتخاذ القرار.

الشفافية المعلوماتية.. من حق الدولة إلى واجبها

ثمة مسألة جوهرية طالما تأخرنا في معالجتها، وهي إعادة الاعتبار المهني لدور المستشار الإعلامي في الوزارات والمؤسسات الاقتصادية الأكثر تأثيؤا علي حياة المواطن.

ولا يكفي أن يُخبرنا هذا المستشار بأن “الوزير التقى الوفد الفلاني”، بل المطلوب أن يُجيب كل بيان صحفي عن ثلاثة أسئلة: ماذا قرّرنا؟ لماذا؟ وكيف يمسّ هذا القرار حياة المواطن اليومية؟ بل أن تخصص موازنة لعقد مؤتمرات صحفية واعلامية دورية.

الخبر الاقتصادي الحقيقي هو الذي يُربط فيه قرار رفع سعر الفائدة بأثره على القسط الشهري، وقرار دعم القمح بانعكاسه على سعر الرغيف، واتفاقية تجارية بما تعنيه للعامل في القطاع المعني. هذا ليس ترفاً صحفياً، بل هو جوهر ما تعنيه الشفافية المعلوماتية بوصفها سياسة مؤسسية.

ويزداد الأمر إلحاحاً حين ندرك أن غياب هذا الإعلام الوظيفي لا يُبقي الفضاء فارغاً، بل يملؤه الآخرون. لذلك تُصبح الحاجة ملحّة لتشريع واضح يُنظّم حق الوصول إلى المعلومة الاقتصادية بشفافية، ويُلزم الجهات الحكومية بالإفصاح الدوري وفق معايير موحدة، وهو ما تُطبّقه دول عديدة في المنطقة والعالم بنجاح لافت.

بناء الوعي الاقتصادي: الجبهة الداخلية الحقيقية

إذا كان الإعلام الاقتصادي في السلم يهدف إلى العمل علي تنوير القارئ، ففي زمن الحروب الهجينة يهدف إلى تحصينه من أدوات غسيل العقول. والتحصين لا يعني تخويفه بل تمكينه: تمكينه من قراءة الرقم، وفهم آلية التضخم، وإدراك الفرق بين الأزمة الظرفية والخلل الهيكلي، وإدراك أن ارتفاع سعر الدولار قد يكون قراراً سيادياً تصحيحياً لا مؤشر إفلاس.

وهنا يبرز دور منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الإعلام الاقتصادي وحماية المستهلك. فهي — حين تمكن من أن تُؤدي دورها كاملاً — تُمثّل حلقة الوصل التي تنقل هواجس المستهلك في الأسواق المادية أو الافتراضية إلى صانع القرار، وتوعي وتُراقب جودة الخطاب الإعلامي الاقتصادي،

وتُصحّح المعلومات المضللة في الفضاء العام بمصداقية مستقلة لا تملكها الجهة الحكومية مهما كانت كفاءتها. وفي أوقات الأزمات تحديداً، يُصبح صوت المجتمع المدني المهني والموثوق صمّام أمان يمنع الذعر الجماعي ويُقاوم الرواية المضادة.

ويرتبط بناء هذا الوعي ارتباطاً وثيقاً برفع كفاءة الصحفيين الاقتصاديين أنفسهم. فالصحفي الذي لا يفهم آليات الدين السيادي وارتباطه بقضايا التنمية وحياة المواطن لن يستطيع تفسيره للقارئ، والذي لا يُميّز بين العجز التجاري وعجز الموازنة سيخلط الأوراق بحسن نية. التدريب المستمر على الصحافة الاقتصادية التحليلية ليس رفاهية أكاديمية، بل استثمار في منظومة الأمن المعلوماتي الوطني.

لحظة مفصلية.. دلالات ما جرى في فبراير 2026

لا يمكن قراءة ما يجري في الفضاء الإعلامي المصري بمعزل عن المشهد السياسي. فإعادة إنشاء وزارة الإعلام في التشكيل الوزاري بتاريخ 12 فبراير 2026 لم تكن مجرد قرار تنظيمي إداري، بل إقرار صريح بأن الفضاء الإعلامي لا يمكن أن يُدار بأدوات السوق وحدها في هذه المرحلة الاستثنائية.

وتكتمل الصورة بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عقد حوار وطني سنوي للإعلام بدءاً من ديسمبر 2026، وهو ما يُؤسّس لمنهج جديد في العلاقة بين الدولة والمنظومة الإعلامية: منهج قائم على التشاور المؤسسي لا على التوجيه من أعلى، وعلى محاسبة الأداء لا على الرقابة المسبقة. ولمن يُراجع تجارب المحطات الكبرى في التاريخ المصري، يدرك أن قرارات كهذه لا تُتخذ في أوقات الاطمئنان.

الإعلام الاقتصادي ليس تعليقاً على الحرب — بل جزء منها

خلاصة القول أن الإعلام الاقتصادي في زمن الحروب الهجينة لم يعد حقلاً تخصصياً يُخاطب النخب الاقتصادية والمالية. بل أصبح ميداناً مباشراً من ميادين المواجهة،

ومن أكثرها حساسيةً لأنه يستهدف ثقة المواطن في دولته، وادارة شئونه، وأمله في مستقبله، وقدرته على التمييز بين الأزمة والمؤامرة.

المعادلة في نهاية المطاف بسيطة: إعلام اقتصادي دقيق وشفاف ومتاح يعني مواطناً أكثر صموداً أمام الحرب النفسية. ومواطن صامد هو الجدار الأول والأخير لأي مشروع وطني.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة