د.خالد فواز: حكاية البلاستيك.. كيف تحوّل من ابتكار عبقري إلى تهديد عالمي؟
مدرس مساعد قسم اقتصاد دولي
مدخل إلى البلاستيك وأهميته الصناعية
يُعد البلاستيك من أهم المواد التي غيّرت حياة الإنسان خلال القرن العشرين، فهو مادة قابلة للتشكيل عند تسخينها، ثم تُصب في قوالب مختلفة، وبعد تبريدها تحتفظ بالشكل الجديد.
ويُصنع البلاستيك أساسًا من البوليمرات، وهي سلاسل طويلة من الجزيئات الكيميائية المترابطة، تُشتق في الغالب من النفط والغاز الطبيعي، وتُمنح خواصًا مختلفة بإضافة مواد كيميائية أخرى، مما يجعلها مناسبة لآلاف الاستخدامات الصناعية والطبية والغذائية والمنزلية.
الأثر الاقتصادي والثورة الصناعية للبلاستيك
وقبل التعرف على مراحل تطور البلاستيك، ينبغي الإشارة إلى أنه أحدث ثورة صناعية واقتصادية كبيرة؛ إذ ساهم في تقليل الاعتماد على كثير من الموارد الطبيعية، وخفض تكاليف الإنتاج، ودخل في معظم الصناعات الحديثة، مما أدى إلى زيادة الإنتاج، وتحقيق قيمة اقتصادية مضافة، ورفع معدلات النمو في العديد من دول العالم.
المخلفات البلاستيكية والتحديات البيئية
ورغم هذه المزايا، فقد أصبحت المخلفات البلاستيكية من أخطر التحديات البيئية في العصر الحديث، نظرًا لأن معظمها لا يتحلل بسهولة. وحتى الأنواع القابلة للتحلل قد تتحول إلى جزيئات دقيقة تُعرف باسم الميكروبلاستيك، التي تنتشر في التربة والمياه والهواء، وقد تدخل إلى جسم الإنسان والحيوان، مسببة أضرارًا صحية وبيئية متزايدة.
البدايات الأولى لصناعة البلاستيك
وتبدأ قصة البلاستيك بمحاولة إيجاد بديل للعاج المستخدم في صناعة كرات البلياردو، بعدما أدى الاعتماد على عاج الأفيال إلى زيادة عمليات الصيد والتهديد المستمر لهذه الحيوانات. وفي عام 1863 أُعلنت مسابقة لإيجاد مادة بديلة للعاج، واستطاع جون ويسلي هايات، بعد سنوات من التجارب، تطوير مادة السيلولويد اعتمادًا على السليلوز، وهو مركب طبيعي يوجد في الخشب والنباتات.
وقد استُخدمت هذه المادة كبديل للعاج والصدف والمرجان في العديد من الصناعات، إلا أنها كانت شديدة الاشتعال.
ظهور البلاستيك الصناعي الحديث
ومع استمرار التطور، ظهر عام 1907 أول بلاستيك صناعي بالكامل، وهو “الباكالايت”، الذي اخترعه العالم ليو بايكلاند، ودخل في صناعة الهواتف والأجهزة الكهربائية بسبب قدرته على تحمل الحرارة والعزل الكهربائي.
توسع استخدامات البلاستيك عالميًا
وبعد ذلك توالت الاكتشافات، فظهرت أنواع متعددة من البلاستيك، مثل البوليسترين، والبولي إيثيلين، والنايلون، وغيرها من البوليمرات الصناعية، وأصبحت تدخل في مختلف الصناعات، مثل الملابس، والتغليف، والأجهزة الكهربائية، وقطع السيارات، والأدوات المنزلية، والأجهزة الطبية.
دور البلاستيك في الحرب العالمية الثانية
كما لعب البلاستيك دورًا مهمًا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث استُخدم في تصنيع المظلات العسكرية، والخوذ، وسترات النجاة، ومكونات الطائرات والمعدات العسكرية، وهو ما ساهم في زيادة الاعتماد عليه بصورة كبيرة، ثم انتشر استخدامه بعد الحرب في جميع أنحاء العالم.
الاعتماد على النفط والغاز في الإنتاج
ومع مرور الوقت، أصبحت معظم أنواع البلاستيك تُنتج من مشتقات النفط والغاز الطبيعي، من خلال عمليات كيميائية معقدة تؤدي إلى تكوين البوليمرات، التي أصبحت أساسًا لصناعة ملايين المنتجات المستخدمة يوميًا.
تصاعد أزمة المخلفات البلاستيكية عالميًا
إلا أن هذا التطور صاحبه تزايد مستمر في كميات المخلفات البلاستيكية، مما دفع المنظمات الدولية إلى التحذير من خطورة استمرار الوضع الحالي.
فقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن العالم أنتج نحو 353 مليون طن من المخلفات البلاستيكية عام 2019، مع توقعات بارتفاع الكميات بصورة كبيرة بحلول عام 2060 إذا استمرت معدلات الإنتاج والاستهلاك الحالية.
تحديات الدول النامية في إدارة المخلفات
كما أوضح البنك الدولي أن الدول النامية تواجه تحديات كبيرة في إدارة المخلفات البلاستيكية، وأوصى بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسية، وهي: تحسين جمع المخلفات ومنع تسربها إلى البيئة، وفصل المخلفات من المصدر، والتوسع في إعادة الاستخدام وإعادة التدوير، إلى جانب تطوير بدائل أكثر استدامة للبلاستيك، والحد من التلوث في الأنهار والبحار والمكبات.
البلاستيك كفرصة اقتصادية في الاقتصاد الدائري
ورغم ما تمثله المخلفات البلاستيكية من مشكلة بيئية، فإنها في الوقت نفسه تمثل موردًا اقتصاديًا يمكن الاستفادة منه إذا أُحسن التعامل معه. فبدلًا من دفنها أو حرقها أو إلقائها في المجاري المائية، يمكن تحويلها إلى مواد خام تدخل في صناعات جديدة، مما يحقق قيمة اقتصادية، ويوفر فرص عمل، ويقلل من استيراد المواد الخام، ويعزز الاقتصاد الدائري.
أهمية الابتكار في إعادة التدوير
ومن ثم، فإن التعامل مع البلاستيك لم يعد يقتصر على كونه مشكلة بيئية، بل أصبح فرصة اقتصادية واستراتيجية تستوجب تطوير تقنيات حديثة لإعادة التدوير، والاستثمار في الابتكار، وتحويل المخلفات إلى مورد يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ على البيئة في الوقت نفسه.
مقترحات بحثية لتطوير إعادة التدوير
توجد العديد من الحلول التي يمكن الاستفادة منها في تطوير منظومة إعادة تدوير المخلفات البلاستيكية، بما يسهم في تعظيم العائد الاقتصادي، وتوفير المواد الخام اللازمة للصناعات المختلفة، وإنشاء مراكز متخصصة لتجميع وفرز المخلفات، بما يتيح إعادة استخدامها محليًا أو تصديرها إلى الخارج.
ويساعد ذلك في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، كما يتيح للدولة تكوين مخزون استراتيجي من المواد الخام يمكن الاستفادة منه في أوقات الأزمات والكوارث.
أنواع البلاستيك وإمكانية إعادة تدويرها
وتُعد بعض أنواع البلاستيك، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، من المواد التي يسهل نسبيًا إعادة تدويرها، في حين توجد أنواع أخرى أكثر تعقيدًا، مثل بعض أنواع البوليسترين والمواد المركبة المستخدمة في عبوات رقائق البطاطس، وأجزاء السيارات، وبعض الرضاعات، وذلك بسبب احتوائها على الكلور أو الألومنيوم أو غيرها من المواد التي تجعل عملية إعادة التدوير أكثر صعوبة.
مقترحات..
معالجة البلاستيك المحتوي على الكلور
أولًا: دراسة إمكانية استخدام هيدروكسيد الصوديوم (الصودا الكاوية) تحت ظروف تشغيل محددة، للمساهمة في معالجة بعض المنتجات البلاستيكية المحتوية على الكلور، مثل خراطيم المياه والمواسير وبعض المنتجات البلاستيكية الأخرى، وذلك بعد تقطيعها إلى أجزاء صغيرة وإخضاعها لدرجات حرارة مناسبة داخل مفاعل مخصص، بهدف دراسة إمكانية خفض محتوى الكلور وتحسين قابلية إعادة تدوير المادة، مع الاستفادة من مكونات البلاستيك الناتجة في صناعات جديدة، على أن يتم التحقق من ذلك من خلال التجارب والتحاليل الكيميائية.
فصل البلاستيك عن الألومنيوم
ثانيًا: دراسة إمكانية معالجة المواد البلاستيكية المركبة المحتوية على الألومنيوم، مثل عبوات رقائق البطاطس وبعض أجزاء السيارات، باستخدام هيدروكسيد الصوديوم (الصودا الكاوية) ضمن ظروف تشغيل تجريبية تتراوح مبدئيًا بين 60 و80 درجة مئوية، مع تطبيق دورات متتابعة من التسخين والتبريد ورفع درجة الحرارة تدريجيًا، بهدف بحث إمكانية فصل البلاستيك عن الألومنيوم وإعادة استخدام كل منهما في صناعات جديدة، مع تقييم كفاءة العملية عمليًا.
إعادة تدوير الفوم والبلاستيك أحادي الاستخدام
ثالثًا: دراسة إعادة تدوير مخلفات الفوم وأطباق الطعام البلاستيكية من خلال معالجتها باستخدام هيدروكسيد الصوديوم (الصودا الكاوية) عند درجات حرارة تتراوح بين 60 و70 درجة مئوية لمدة تقارب ساعة، ثم غسل المادة الناتجة وتجفيفها، وإعادة إدخالها مع الألياف العذراء المستخرجة من لب الخشب لإنتاج مواد جديدة قابلة للاستخدام. كما يمكن دراسة استخدام بعض المواد المساعدة، مثل كربونات الكالسيوم لملء الفراغات وتحسين خواص المنتج، والنشا كمادة رابطة لتحسين جودة الطباعة والتشكيل، مع تقييم الخصائص النهائية للمنتج.
أهمية التجارب والتطبيق الصناعي
وتتطلب هذه المقترحات إجراء تجارب معملية وصناعية للتحقق من كفاءتها وإمكانية تطبيقها على نطاق واسع، بما يسهم في تطوير قطاع إعادة التدوير وتحويل المخلفات إلى موارد اقتصادية ذات قيمة مضافة.
نحو اقتصاد مستدام قائم على الابتكار
وفي الختام، فإن تطوير منظومة إعادة تدوير المخلفات لا يتحقق إلا من خلال تعاون الدولة مع القطاعين العام والخاص، والاستفادة من الخبرات الفنية والبحثية، وتشجيع المشروعات الابتكارية في هذا المجال.
ومن شأن ذلك توفير مواد خام استراتيجية، وخلق صناعات جديدة، وزيادة فرص العمل، وتعزيز الاقتصاد الوطني، خاصة في أوقات الأزمات. فالدول التي تستثمر في الابتكار هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل اقتصادي قوي، فمن لا يملك التطور لا يصنع التطور.
Yoshioka, T., et al. (2008). Dechlorination of poly(vinyl chloride) using NaOH in ethylene glycol under atmospheric pressure.
Kameda, T., et al. (2009). Kinetics of the dehydrochlorination of poly(vinyl chloride) in the presence of NaOH and various diols as solvents.
The role of NaOH in the hydrothermal dehydrochlorination of polyvinyl chloride. (2023).
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky





