رائد الصعوب: الأمونيا الخضراء.. تكنولوجيا عمرها أكثر من قرن تعود إلى الواجهة مع التحول نحو الطاقة النظيفة
مستشار استراتيجي لصناعة الأسمدة والكيماويات .. الأمين العام السابق للاتحاد العربي للأسمدة
حين يعود الماضي ليقود المستقبل: القصة المنسية للأمونيا الخضراء
كيف أخرجها الغاز الرخيص من السوق؟ ولماذا يعيدها ثمن الكربون وأمن الطاقة إلى قلب الصناعة العالمية؟
يُقدَّم لنا اليوم مصطلح «الأمونيا الخضراء» وكأنه مولود جديد في مختبرات التحول الطاقي.
لكن الحقيقة أكثر إثارة:
الأمونيا الخضراء ليست اختراعًا مستقبليًا… بل صناعة عمرها أكثر من قرن، سبقت الغاز الطبيعي، ثم هزمها اقتصاديًا، وها هي تعود اليوم لتنافسه من جديد.
بدأت القصة في النرويج عام 1905، عندما تأسست شركة «نورسك هيدرو»، التي تمثل الجذور التاريخية لشركة «يارا». استُخدمت الكهرباء المولدة من الشلالات في عملية «بيركلاند–آيده» لتثبيت نيتروجين الهواء وإنتاج نترات الكالسيوم.
لم تكن تلك أمونيا بعد، لكنها كانت أول صناعة نيتروجينية كبرى تقوم على طاقة متجددة.
بعد نجاح هابر مختبريًا عام 1909، وتحويل بوش التفاعل إلى صناعة عام 1913، بدأت الأمونيا الاصطناعية رحلتها التجارية؛ وكان الهيدروجين في البداية يأتي أساسًا من الفحم.
ثم جاءت المفاجأة الإيطالية:
في عام 1921 أُقيم في تيرني أول مصنع تجاري معروف للأمونيا المتجددة، باستخدام الطاقة الكهرومائية، والتحليل الكهربائي للماء لإنتاج الهيدروجين، ثم تكنولوجيا كازالي لتصنيع الأمونيا.
وفي 1927–1928 انتقلت «نورسك هيدرو» في ريوكان من تثبيت النيتروجين بالقوس الكهربائي إلى إنتاج الهيدروجين بالتحليل الكهربائي وتصنيع الأمونيا.
وبحلول عام 1930، كان نحو 30% من إنتاج الأمونيا العالمي يعتمد على الهيدروجين الكهربائي!
أما عربيًا، فتستحق مصر مكانًا بارزًا في هذه القصة.
ففي عام 1960 شُيّد مصنع «كيما» في أسوان قرب محطة كهرومائية، لإنتاج الهيدروجين من الماء ثم تحويله إلى أمونيا وأسمدة نيتروجينية.
وبطاقة تقارب 400–500 طن أمونيا يوميًا، عُدَّ أكبر مصنع أمونيا متجددة بُني في عصره، واستمر هذا المسار لعقود، قبل توقف المصنع القديم عام 2019 والتحول إلى الغاز الطبيعي.
فماذا حدث؟
منذ الأربعينيات، ثم بصورة حاسمة في الستينيات، دخل الغاز الطبيعي الرخيص، وتطورت عملية الإصلاح البخاري، وظهرت مصانع عملاقة أحادية القطار، ذات كفاءة أعلى واقتصاديات حجم أقوى.
لم يهزم الغاز الأمونيا الخضراء لأنها فشلت كيميائيًا؛ بل لأنه تفوق عليها اقتصاديًا، في زمن لم يكن للكربون فيه سعر، ولا للانبعاثات فاتورة، ولا لأمن الطاقة الوزن الذي يحمله اليوم.
والآن تدور العجلة مرة أخرى:
- الكربون أصبح تكلفة.
- الغاز أصبح مخاطرة جيوسياسية.
- الطاقة المتجددة انخفضت كلفتها.
والأمونيا لم تعد سمادًا فقط، بل ناقلًا للهيدروجين، ووقودًا بحريًا، ووسيلة لتخزين الطاقة وتجارة الجزيئات الخضراء.
لذلك، ما نشهده ليس ولادة الأمونيا الخضراء، بل عودتها بنسخة أكثر كفاءة ومرونة وضخامة.
إنها تكنولوجيا من الماضي… يعود بها أمن الطاقة وثمن الكربون لتقود المستقبل.





