وجهات نظر

د.فوزي يونس: رحلة الكربون الخفية.. كيف تتعامل الأرض مع انبعاثات البشر؟

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

تخيل أن الغلاف الجوي لكوكبنا هو حوض استحمام والانبعاثات الكربونية هي الصنبور المفتوح دون توقف. لسنوات طويلة ظللنا نملأ هذا الحوض بمعدلات متصاعدة، دون أن نفتح بالكامل مصرف التصريف. هذا التشبيه البسيط يعكس بدقة أزمة المناخ التي نعيشها اليوم فمنذ بداية الثورة الصناعية ضخ البشر أكثر من 2.5 تريليون طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ومع ذلك لم نشعر بعدُ بالتأثير الكامل لهذه الانبعاثات.

فالطبيعة بكرمها المذهل تمتص نحو 38% منها سنويا عبر مصارفها الطبيعية، مؤدية دور “الإسفنجة” التي تخفف عنا وطأة الاحترار العالمي. لكن هذا الكرم له حدود، وهذه المصارف تترنح تحت وطأة الجشع البشري.

في هذا المقال نأخذك في رحلة استقصائية لتتبع مصير انبعاثاتنا الكربونية ونكشف أين تذهب فعليا ولماذا أصبح توسيع نطاق هذه المصارف هو السبيل الوحيد لتحقيق الحياد الكربوني المنشود بحلول 2050.

وبذلك فمصير الانبعاثات: أرقام حاسمة

توزع الانبعاثات العالمية على النحو التالي – 62% من الانبعاثات تبقى في الغلاف الجوي مساهمة بشكل مباشر في ظاهرة الاحتباس الحراري وزيادة تركيز الجسيمات بينما يمتص كوكب الأرض 38% منها مؤديا دور “إسفنجة الكربون” الهائلة.

المصارف الطبيعية الثلاثة للكربون

تمتص النظم البيئية البرية (الكتلة الحيوية والغابات والتربة) 21% من الانبعاثات – تحتوي الغابات وحدها على أكثر من نصف الكربون المتبقي في الغطاء النباتي البري والتربة، أي حوالي 1200 مليار طن من الكربون. تبتلع محيطاتنا 17% من الانبعاثات في صورة كربون محلول، لكن هذه العملية تسبب بالفعل تحمض المحيطات ومع ارتفاع درجة الحرارة، تتناقص قابلية ذوبان ثاني أكسيد الكربون في الماء فتحرره المحيطات مجددًا. أما باطن الأرض فيمثل أكبر خزان للكربون عبر الوقود الأحفوري لكن استخراجه وحرقه هو جوهر المشكلة. بدون هذه المصارف الطبيعية الثلاثة، لكانت أزمة المناخ اليوم أشدّ بمرتين مما نشهده حاليًا.

الخرافة: “زيادة ثاني أكسيد الكربون = أفضل للأشجار”

يظن البعض أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون مفيد لنمو النباتات لكن هذا تبسيط مفرط وخطير – فالحقيقة أن كفاءة المصارف الكربونية تتراجع لأسباب عدة، منها إزالة الغابات التي ساهمت في الثمانينات بربع مجموع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وبين عامي 2001 و2020، قلت مساحة تغطية الغابات العالمية بنسبة 10% (411 مليون هكتار) مما أدى إلى إطلاق 165 جيجا طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

كما تحول مناطق مثل غابات الأمازون المطيرة من مصرف كربون إلى مصدر للكربون بسبب حرائق الغابات والجفاف بينما لا تزال أقل من 15% من الغابات على الصعيد العالمي سليمة، وتم تطهير 50% أو تدهورها. لقد وصلت الطبيعة إلى أقصى طاقتها الاستيعابية.

مسارات التوسع في مصارف الكربون:

لسنا بحاجة إلى إعادة اختراع العجلة ولكننا بحاجة إلى إصلاحها وتعزيزها عبر مسارين أساسيين.

١- عمليات الإزالة القائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions):

تشمل التدخلات البشرية التي تعزز الآليات الطبيعية مثل إعادة التحريج الاستراتيجي واسع النطاق حيث يمكن للغابات المدارية وحدها عزل كميات هائلة من الكربون إذا تمت حمايتها واستعادتها وتتوفر 1.5 مليار هكتار من المناظر الطبيعية للغابات المناسبة للاستعادة.

وتشمل أيضًا حماية الكربون الأزرق من خلال أشجار المانغروف ومروج الأعشاب البحرية التي تمتص كميات كبيرة من الكربون مع ضرورة حماية هذه النظم البيئية الساحلية للحفاظ على التنوع البيولوجي ودعم المجتمعات المحلية بالإضافة إلى تجديد التربة الزراعية عبر إعادة الكربون العضوي إلى التربة عبر ممارسات زراعية مستدامة مما يزيد من خصوبتها وقدرتها على تخزين الكربون.

بين الطبيعة والهندسة: كيف نوسع مصارف الكربون لمواجهة أزمة المناخ؟
بين الطبيعة والهندسة: كيف نوسع مصارف الكربون لمواجهة أزمة المناخ؟

٢- عمليات الإزالة الهندسية (Engineered Removals):

حيث يلتقي الابتكار بالضرورة وتشمل الفحم الحيوي (Biochar) الذي يحول الكتلة الحيوية إلى فحم نباتي يظل محبوسا في التربة لقرون وتجوية الصخور المعززة (Enhanced Rock Weathering) من خلال نشر صخور سيليكاتية مطحونة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون واحتجاز الكربون مباشرة من الهواء (Direct Air Capture – DAC) مثل مشروع Ucaneo في برلين الذي بدأ تشغيل أكبر محطة في ألمانيا بطاقة 150 طنًا من ثاني أكسيد الكربون سنويا مع خطة للتوسع التجاري بحلول 2027 وإزالة الكربون من البيئة البحرية (Ocean-based CDR).

أسواق الكربون: جسر التمويل للوصول إلى الحياد الكربوني 2050

أسواق الكربون ليست مجرد آلية لتداول الانبعاثات بل هي ركيزة أساسية لتحقيق التحول المنشود.

آلية عمل أسواق الكربون:

تعمل أسواق الكربون وفق مبدأ العرض والطلب حيث يعادل رصيد الكربون الواحد طنا واحدا من ثاني أكسيد الكربون تم تقليله أو إزالته – يأتي الطلب من الشركات والأفراد الذين يسعون لتعويض انبعاثاتهم بينما يأتي العرض من مشاريع مؤهلة مثل الطاقة المتجددة أو إعادة التشجير.

الأنواع الرئيسية للأسواق:

تشمل أسواق الامتثال (Compliance Markets) التي تنشئها الحكومات وتنظمها لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الملزمة قانونًا، وأسواق الكربون الطوعية (Voluntary Carbon Markets) التي تعمل بشكل مستقل والمشاركة فيها اختيارية – وقد اكتسبت زخما كبيرا في منطقة الخليج العربي حيث أطلقت دول مثل السعودية (شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمي) والإمارات (بورصة أبوظبي لتداول أرصدة الكربون)، والكويت والبحرين وعُمان منصات ومبادرات خاصة بها.

ربط رأس المال بمشاريع المناخ:

في هذا السياق تبرز شركة Planet2050 كحلقة وصل بين العمل المناخي وأسواق المال حيث تعمل كمنصة رقمية (Climate FinTech) تستثمر استراتيجيا في حلول مناخية عالية التأثير وتدعم الشركات والحكومات في تحقيق أهداف صافي الانبعاثات الصفري من خلال أرصدة كربونية متحقق منها. هذا وتستند إستراتيجية Planet2050 إلى مسارين – تعزيز المصارف الطبيعية من خلال تمويل مشاريع تعزز مصارف الكربون الطبيعية التي تحمي التنوع البيولوجي وتدعم المجتمعات المحلية اليوم وتسريع الابتكارات الهندسية عبر الاستثمار في ابتكارات إزالة الكربون التي تخلق سلاسل قيمة جديدة وتجعل الجهود قابلة للتوسع غدا مثل مشاريع الإزالة الدائمة (Permanent Removals) والفحم الحيوي واحتجاز الكربون المباشر.

مع تزايد الطلب على أرصدة الكربون عالية الجودة تشير التقديرات إلى أن سوق الكربون قد يصل إلى 250 مليار دولار بحلول 2030 وتخطط Planet2050 للاكتتاب العام في 2026 لإتاحة الفرصة لكل من المستثمرين المؤسسيين والأفراد للمشاركة المباشرة في توسيع نطاق حلول المناخ العالمية.

الحياد الكربوني 2050.. كيف تقود الأسواق والتقنيات السباق المناخي؟
الحياد الكربوني 2050.. كيف تقود الأسواق والتقنيات السباق المناخي؟

التوجهات التنظيمية الداعمة

تتطور الأطر التنظيمية بسرعة لدعم أسواق الكربون – فآلية تعديل الكربون عند الحدود (CBAM) من الاتحاد الأوروبي تفرض رسومًا على الواردات كثيفة الكربون ولكنها تسمح بخصم يصل إلى 10% من قيمة أرصدة الكربون المؤهلة التي يشتريها المصدرون مما يعزز تكامل أنظمة الكربون العالمية. كما أن معيار SBTi للصافي الصفري v2.0 ينص على أنه بدءا من 2035 سيصبح استخدام الإزالة الدائمة (Durable Removals) إلزاميًا للشركات الكبيرة، مما يحولها من خيار إلى ضرورة استراتيجية.

الخلاصة: الطريق إلى 2050

إن الانتقال إلى صافي انبعاثات صفري ليس مجرد واجب أخلاقي بل هو أكبر فرصة استثمارية في جيلنا – ولكي نحقق الحياد الكربوني بحلول 2050 يجب أن نعمل على مسارين متوازين الأول خفض الانبعاثات بشكل جذري من خلال كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة والتحول الأخضر والثاني توسيع نطاق مصارف الكربون سواء الطبيعية أو الهندسية وتمويلها عبر آليات سوقية شفافة وعادلة.

كما تؤكد الشراكة بين جامعة الأزهر ومركز الاستدامة والبصمة الكربونية في المدرسة الصيفية لسفراء المناخ 2026 فإن بناء جيل واع بقضايا المناخ وقادر على قيادة مسارات التنمية المستدامة هو المدخل الحقيقي لاستدامة الموارد وحماية مستقبل الأجيال – فالمعرفة البيئية مقترنة بالاستثمار الذكي والتقنيات المبتكرة هي مفتاحنا لعالم يساهم فيه كل يورو بشكل فعال في إصلاح غلافنا الجوي والوصول إلى الحياد الكربوني المنشود.

من الغلاف الجوي إلى الغابات والمحيطات: القصة الكاملة لمصير الكربون
من الغلاف الجوي إلى الغابات والمحيطات: القصة الكاملة لمصير الكربون

وختاما وفي نهاية هذه الرحلة الاستقصائية يتضح لنا أن مصير انبعاثاتنا الكربونية ليس مجرد رقم في تقرير بيئي بل هو قصة معقدة عن توازن هش بين تدخلات البشر وكرم الطبيعة. فالكوكب ما زال يصمد بفضل مصارفه الطبيعية التي تمتص أكثر من ثلث انبعاثاتنا لكن هذا الصمود له سقف لا يمكن تجاوزه والغابات والمحيطات تئن تحت وطأة التغيرات المناخية التي نسببها.

الطريق إلى الحياد الكربوني 2050 ليس خيارا بل ضرورة وجودية وهو يتطلب إستراتيجية مزدوجة تجمع بين خفض الانبعاثات بشكل جذري وتوسيع مصارف الكربون عبر حلول طبيعية وهندسية مبتكرة مع تسخير أدوات تمويلية مثل أسواق الكربون لتحويل هذا التحدي إلى أكبر فرصة استثمارية في عصرنا.

وكما تؤكد رؤية مصر 2030 والحوارات المفتوحة لتغير المناخ والمدارس الصيفية لسفراء المناخ فإن المعرفة البيئية (بناء القدرات) والإرادة السياسية والاستثمار الذكي هي الركائز الثلاث التي ستنقلنا من مرحلة الإساءة للغلاف الجوي إلى مرحلة إصلاحه، ليصبح كل جهد وكل يورو مستثمرا بشكل فعال في مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.

وبذلك يمون السؤال الآن ليس “أين تذهب انبعاثاتنا؟” بل “ماذا سنفعل اليوم لضمان أن يذهب جزء منها إلى حيث يجب – أي إلى العدم أو إلى مصارف آمنة دائمة؟” والإجابة بين أيدينا والفعل يبدأ الآن.

أين تذهب انبعاثاتنا؟ رحلة الكربون بين الغلاف الجوي ومصارف الأرض
أين تذهب انبعاثاتنا؟ رحلة الكربون بين الغلاف الجوي ومصارف الأرض

أهم المصادر:

· موقع Planet2050: https://planet2050.earth/
· ملف الشركة على LinkedIn: https://www.linkedin.com/company/planet-2050
· تقرير مجلس الخليج عن أسواق الكربون: https://mecouncil.org/ar/publication/أسواق-الكربون-في-الخليح-ركيزة-التحوّل-إلى-اقتصادات-منخفضة-الكربون/
· معلومات عن مصارف الكربون من منظمة الأغذية والزراعة (FAO): https://www.fao.org/4/y0900a/y0900a10.htm
· نظرة عامة من IBM عن الحياد الكربوني: https://www.ibm.com/ae-ar/think/topics/carbon-neutral

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة