هل تزيد موجات الحر تلوث الأرز بالزرنيخ؟ دراسة ميدانية تكشف الحقيقة.. حرارة التربة وحدها لا تلوث الأرز
خلال موجات حر قياسية.. كيف يحمي الأرز نفسه من المعادن السامة؟
ماذا يحدث للأرز عندما تصبح التربة شديدة السخونة؟
عندما تضرب موجات الحر حقول الأرز، يتبادر إلى الأذهان القلق من تأثير هذه الحرارة المرتفعة على سلامة الغذاء، وما إذا كانت ستدفع المزيد من الملوثات إلى الحبوب التي يستهلكها البشر.
ويرتبط الأرز بالفعل بعلاقة معقدة مع الزرنيخ وبعض المعادن الثقيلة، ومع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، تصاعدت المخاوف من أن تؤدي سخونة التربة إلى تفاقم هذه المشكلة.
غير أن دراسة ميدانية جديدة تشير إلى أن هذا الافتراض قد يكون مبالغًا فيه. إذ أظهرت النتائج أن تسخين التربة وحده لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادة تركيز الزرنيخ أو المعادن السامة في حبوب الأرز، حتى في ظل ظروف حرارية قصوى، حيث حافظ المحصول إلى حد كبير على مستويات التلوث تحت السيطرة.
الدراسة، التي قادتها الباحثة شا تشانج من الأكاديمية الصينية للعلوم، أُجريت خلال موجات الحر القياسية التي شهدتها الصين عام 2022، ما أتاح للعلماء فرصة نادرة لمراقبة الأرز تحت ظروف واقعية شديدة، بدلًا من الاعتماد على تجارب مخبرية محكومة.

الفصل بين حرارة التربة وحرارة الهواء
اعتمدت تحذيرات سابقة بشأن تأثير الاحترار المناخي على تلوث الأرز على تجارب ترتفع فيها حرارة الهواء والتربة معًا، وهو ما يجعل من الصعب التمييز بين تأثير الإجهاد الحراري على النبات والتغيرات الكيميائية داخل التربة.
أما هذه الدراسة، فقد سعت إلى الفصل بين العاملين. وقالت شا تشانغ:
«تكشف دراستنا أن ارتفاع حرارة التربة وحده، بمعزل عن ارتفاع حرارة الهواء، لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة تراكم الزرنيخ أو المعادن الثقيلة في حبوب الأرز، وهو ما يوفر قدرًا من الطمأنينة بشأن سلامة الغذاء في ظل التطرف المناخي».
تجربة ذكية في حقول الأرز
أُجريت التجربة في مدينة سوتشو الصينية باستخدام خزانات خارجية كبيرة تحاكي حقول الأرز. وامتلأت الخزانات بتربة محلية منخفضة التلوث في الأساس، لتسهيل رصد أي تغيرات ناتجة عن الحرارة.
واحتوى كل خزان على جانب جنوبي معرض للشمس وآخر شمالي مظلل، ما خلق تدرجًا طبيعيًا في حرارة التربة بفعل أشعة الشمس فقط. وبلغ متوسط الفرق في درجة الحرارة نحو 5.65 درجات مئوية على عمق يتراوح بين 5 و10 سنتيمترات، بينما ظلت حرارة الهواء فوق النباتات متساوية، ما يعني أن التغير اقتصر على التربة دون تعريض النبات لإجهاد حراري مباشر.
لماذا كان أرز «الراتون» اختبارًا أكثر صعوبة؟
زرع الباحثون نوعًا من الأرز يُعرف بأرز الراتون، الذي يسمح بحصاد محصولين من زراعة واحدة. ويُعد هذا النظام مهمًا لأنه يطيل فترة المراقبة إلى 143 يومًا، كما أن المحصول الثاني ينمو غالبًا في أواخر الصيف تحت درجات حرارة أعلى.
ويحظى هذا النوع باهتمام خاص في جنوب الصين، حيث يتزامن المحصول الثاني مع ذروة الحر، ما يجعله اختبارًا مثاليًا لرصد أي زيادة محتملة في التلوث.

ماذا كشفت موجات الحر؟
تعرض الموسم الزراعي لثلاث موجات حر شديدة تجاوزت خلالها درجات الحرارة 36 درجة مئوية لعدة أيام. ورغم ذلك، لم تُسجل فروق ذات دلالة إحصائية في تركيز الزرنيخ بمياه مسام التربة بين المناطق الساخنة والمناطق المرجعية.
وسُجل تغير موسمي ملحوظ بين الحصادين، حيث ارتفع الزرنيخ في مياه التربة من 6.9 إلى 576.6 ميكروغرام لكل لتر، لكن هذا الارتفاع الكبير لم ينعكس بنفس الحدة على حبوب الأرز، التي ارتفع فيها التركيز بشكل محدود من 89.8 إلى 123.7 ميكروغرام لكل كيلوجرام.
استقرار معظم العناصر
شملت التحاليل 16 عنصرًا، من بينها معادن ثقيلة مثل الكادميوم والرصاص، إلى جانب عناصر غذائية كالمغنيسيوم والزنك. ولم تُظهر النتائج زيادة ملحوظة في معظم المعادن الثقيلة داخل الحبوب.
وأوضح الباحث المشارك تشنغ تشن أن «الظروف المغمورة بالمياه عملت كحاجز طبيعي ضد التأثيرات قصيرة المدى للحرارة، بينما لعبت فسيولوجيا الأرز دورًا وقائيًا».
ولوحظ تراجع في تركيز المغنيسيوم فقط، بينما ظلت بقية العناصر الغذائية مستقرة.
لماذا تختلف هذه النتائج عن دراسات سابقة؟
ترى الدراسة أن كثيرًا من الأبحاث السابقة خلطت بين تأثير حرارة التربة وحرارة الهواء، أو اعتمدت على تجارب مخبرية لا تعكس تعقيد الحقول المغمورة بالمياه.
وتؤكد النتائج الجديدة أهمية دفاعات النبات الداخلية والتوقيت الموسمي في التحكم بانتقال الملوثات.
ما الخطوة التالية؟
يدعو الباحثون إلى تطوير نماذج المخاطر المناخية بحيث تميز بين تسخين التربة وتسخين الهواء، وإجراء دراسات متعددة المواقع والسنوات، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من ارتفاع مستويات الزرنيخ.
ورغم أن الدراسة لا تقلل من خطورة المشكلة عالميًا، فإنها تشير إلى أن ارتفاع حرارة التربة وحده لا يعني بالضرورة إنتاج أرز أكثر سمية، وأن النبات نفسه يمتلك آليات حماية أكثر فاعلية مما كان يُعتقد.





