النعناع يدخل عصر الهندسة الوراثية.. طفرة علمية لمواجهة الأمراض القاتلة
طفرة علمية في النعناع.. تعديل وراثي يقلل إنتاج المنثول بشكل حاد
يُعد النعناع الفلفلي من أكثر النكهات شهرة في العالم، إلا أن خلف هذا الطعم المميز تكمن قصة جينية غير عادية.
فمعظم النعناع المستخدم عالميًا اليوم يعود إلى نبات واحد فقط يُعرف باسم “بلاك ميتشام”، وهو نبات لا يُنتج البذور، بل يُكاثر عبر العقل النباتية.
هذا يعني أن جميع النباتات الحالية هي نسخ متطابقة وراثيًا من أصل واحد، ما يطرح تساؤلًا مهمًا: كيف يتطور نبات لا يتكاثر جنسيًا؟
نبات مستنسخ منذ قرون
شكّل هذا الصنف أساس صناعة النعناع عالميًا، حيث اعتمد عليه المزارعون لقرون بسبب قوة نكهته الغنية بالمنثول.
لكن هذا الاعتماد يجعله عرضة للخطر، إذ قد يؤدي مرض واحد إلى القضاء على المحصول بالكامل، ما دفع العلماء لدراسة كيفية تغيره وراثيًا رغم كونه مستنسخًا.
بنية نباتية طبقية
تتكون النباتات من ثلاث طبقات رئيسية في منطقة النمو: L1 وL2 وL3، لكل منها وظيفة مختلفة.
- الطبقة L1: تشكل السطح الخارجي والخلايا المنتجة للزيوت.
- الطبقة L2: مسؤولة عن الأنسجة الداخلية والخلايا التناسلية.
- الطبقة L3: تكوّن الجذور والأنسجة العميقة.
وتبقى هذه الطبقات منفصلة إلى حد كبير، ما يعني أن الطفرات لا تنتشر بينها بسهولة، بل تبقى محصورة في طبقة محددة.

إحداث طفرات مخبرية
أخضع الباحثون براعم النعناع للأشعة الكهرومغناطيسية (جاما) لإحداث طفرات عشوائية في الجينوم، وهي تقنية قديمة تُستخدم لدراسة الجينات.
شملت التجارب 550 برعمًا، وتمت تنقية 261 نباتًا مستقرًا يحمل طفرات مختلفة.
جينوم معقد
يمتلك النعناع ست نسخ من كل كروموسوم، ما يجعل تحليل جينومه معقدًا للغاية. وقد تمكن الباحثون من بناء خريطة جينية تضم أكثر من 100 مقطع رئيسي و1.8 مليار قاعدة DNA.
طفرات غير متساوية
كشفت النتائج عن أكثر من 1400 طفرة كبيرة، بمتوسط خمس طفرات لكل نبات، معظمها عمليات حذف جيني.
لكن اللافت أن هذه الطفرات لم تؤثر على جميع الخلايا، بل ظهرت بشكل جزئي يعكس طبيعة الطبقات النباتية.
تفسير طبقي للطفرات
أظهرت البيانات أن بعض المناطق الجينية انخفضت فيها الإشارات بنسبة 70% أو 30%، وهو ما يتوافق مع توزيع الخلايا بين الطبقات الثلاث.
كما أثبتت التجارب على الجذور أن الطفرات تظل محصورة في طبقات محددة دون انتقال كامل بينها.

الطبقة الخارجية الأكثر تغيرًا
سجلت الطبقة الخارجية (L1) معدل طفرات أعلى مقارنة بالطبقات الداخلية، ما قد يشير إلى آلية حماية للمواد الوراثية المسؤولة عن التكاثر.
تأثير مباشر على النكهة
أدت بعض الطفرات إلى انخفاض حاد في محتوى المنثول، من 42% في النبات الطبيعي إلى أقل من 5% في بعض العينات، نتيجة تعطّل جين واحد مسؤول عن المرحلة النهائية لإنتاج المنثول.
آفاق جديدة في الزراعة
تشير الدراسة إلى إمكانية استخدام هذه الآلية لتطوير محاصيل مقاومة للأمراض دون الاعتماد على التعديل الوراثي التقليدي، عبر استهداف طبقات محددة من النبات.





