أخبارالمدن الذكيةابتكارات ومبادرات

ناطحة سحاب من الخشب.. هل تعيد الأخشاب تشكيل مدن المستقبل؟

مبانٍ شاهقة من الأخشاب بدلًا من الخرسانة والصلب.. تجربة نرويجية تفتح الطريق أمام مدن أقل انبعاثًا

من «برج ميوسا» في النرويج إلى مشروعات عملاقة في اليابان والسويد وأستراليا.. الأخشاب الهندسية تفتح طريقًا جديدًا لتقليل الاعتماد على الخرسانة والصلب، لكن التوسع فيها يطرح تحديات تتعلق بالتكلفة واستدامة الغابات وتغير المناخ

في وقت يمثل فيه قطاع البناء أحد أكبر مصادر الانبعاثات عالميًا، تتجه الأنظار إلى الأخشاب الهندسية باعتبارها بديلًا محتملًا للخرسانة والصلب في تشييد المباني، حتى ناطحات السحاب. وتجسد النرويج هذه الفكرة من خلال «برج ميوسا»، البالغ ارتفاعه 84 مترًا والمكون من 18 طابقًا، والذي أصبح نموذجًا لإمكانية بناء أبراج شاهقة بهياكل خشبية. وتكمن جاذبية الخشب في قدرته على تخزين الكربون الذي امتصته الأشجار، لكن هذا الحل ليس بلا ثمن؛ إذ تظل تكلفته مرتفعة، كما أن التوسع في استخدامه يتطلب إدارة دقيقة للغابات وضمان تجددها في ظل الضغوط المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ.

من الخرسانة إلى الخشب

لعقود طويلة، اعتمدت المدن الحديثة على الخرسانة والصلب في بناء المنازل والمكاتب والجسور والأبراج. وأسهم هذا النمو العمراني الهائل في زيادة الطلب على المواد الخام والطاقة، ورفع البصمة الكربونية لقطاع البناء.

وتشير تقديرات واردة في التقرير إلى أن المباني وعمليات البناء واستخدام الطاقة المرتبطة بها تمثل نحو 37% من الانبعاثات العالمية، بينما تمثل صناعة الخرسانة وحدها نحو 7% إلى 8% من إجمالي الانبعاثات.

كما تضاعف استخدام الخرسانة في قطاع البناء عشرة أضعاف منذ عام 1960، في وقت يعتمد إنتاجها على كميات ضخمة من الرمال والمواد الخام والطاقة.

أمام هذه المعادلة، تبدو الأخشاب خيارًا جذابًا؛ فالأشجار تمتص ثاني أكسيد الكربون أثناء نموها وتخزنه في أنسجتها، وعندما تتحول إلى أخشاب تستخدم في البناء، يظل جزء من هذا الكربون مخزنًا داخل المبنى بدلًا من عودته إلى الغلاف الجوي.

بديل الخرسانة والصلب.. الخشب يدخل سباق ناطحات السحاب منخفضة الكربون

«برج ميوسا».. تجربة تثبت إمكانية البناء بالخشب

في بلدة بروموندال النرويجية، على ضفاف بحيرة ميوسا، يقف برج يبلغ ارتفاعه 84 مترًا ويتكون من 18 طابقًا، ويضم مكاتب وشققًا وفندقًا.

المبنى، المعروف باسم Mjøstårnet، يعتمد بصورة أساسية على الأخشاب الهندسية، ومن بينها الخشب الرقائقي الملصق «Glulam»، الذي يتم تصنيعه من طبقات وقطع خشبية تُقطع بدقة، ثم تُضغط وتُلصق معًا لتكوين عناصر إنشائية ضخمة تتمتع بقدرة عالية على التحمل.

وبذلك لم يعد الخشب مجرد مادة للتشطيبات أو الأثاث، بل تحول إلى عنصر أساسي في هيكل مبنى شاهق.

بدأ المشروع بفكرة بسيطة رسمها المطور النرويجي آرثر بوخاردت على منديل عام 2015، بعدما دفعه الاهتمام المتزايد بأزمة المناخ إلى التساؤل عن إمكانية بناء مبانٍ مرتفعة باستخدام كميات أقل من الخرسانة والصلب.

وكان الهدف يتجاوز بناء برج مختلف؛ إذ أراد المشروع إثبات أن الخشب يمكن أن يدخل إلى عالم المباني الشاهقة.

مبانٍ تخزن الكربون بدلًا من إطلاقه

تكمن إحدى أهم مزايا البناء بالأخشاب في العلاقة بين الغابات والكربون.

فالشجرة تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي طوال فترة نموها، وعندما تتحول إلى أخشاب وتدخل في المباني، يمكن أن يظل الكربون مخزنًا فيها لسنوات أو عقود.

وبحسب المقارنات الواردة في التقرير، يمكن أن ينتج بناء مبنى متوسط الارتفاع باستخدام الصلب والخرسانة نحو 1500 إلى 2000 طن من ثاني أكسيد الكربون خلال عملية التشييد، بينما يمكن لمبنى مماثل مصنوع من الخشب أن يخزن ما بين 600 و1000 طن من ثاني أكسيد الكربون.

وهذا يطرح تصورًا جديدًا للمدن، تتحول فيه بعض المباني من مصادر للانبعاثات إلى مخازن للكربون.

لكن تحقيق ذلك على نطاق واسع يتطلب أكثر من مجرد استبدال مادة بأخرى.

التكلفة.. العقبة الأولى

رغم المزايا البيئية، لا يزال البناء باستخدام الأخشاب الهندسية أكثر تكلفة في كثير من الحالات.

بلغت تكلفة بناء «برج ميوسا» نحو 100 مليون جنيه إسترليني، بينما كان من الممكن تشييد برج مماثل باستخدام الصلب والخرسانة بتكلفة أقل بنحو 10 إلى 15 مليون جنيه إسترليني.

لكن أنصار البناء منخفض الكربون يرون أن السعر المباشر للبناء لا يعكس التكلفة الحقيقية للآثار البيئية والصحية الناتجة عن إنتاج الخرسانة والمواد الأخرى كثيفة الانبعاثات.

ومع زيادة أهمية البصمة الكربونية في قرارات الاستثمار والاستهلاك، قد تصبح المباني منخفضة الانبعاثات أكثر قدرة على المنافسة مستقبلًا.

«غابة في السماء».. كيف يمكن للخشب تحويل المباني إلى مخازن للكربون؟
«غابة في السماء».. كيف يمكن للخشب تحويل المباني إلى مخازن للكربون؟

كيف يمكن للخشب تحمل ناطحة سحاب؟

كان وزن الخشب الخفيف نسبيًا مقارنة بالخرسانة والصلب أحد أكبر التحديات الهندسية.

فكلما ارتفع المبنى، أصبحت تأثيرات الرياح والحركة الأفقية أكثر وضوحًا، ما قد يؤدي إلى اهتزازات يشعر بها الأشخاص في الطوابق العليا.

ولمعالجة هذه المشكلة، استخدم المهندسون طبقات من الخرسانة في أرضيات الطوابق العليا لزيادة وزن المبنى وتقليل حركته.

كما جرى تصنيع مئات الأعمدة والعوارض والهياكل الخشبية بدقة تصل إلى مستوى المليمتر، ثم نقلها إلى موقع البناء وتركيبها مباشرة.

وأصبح البرج أشبه بـ«طقم بناء عملاق»، إذ جرى تجميع أجزائه طابقًا بعد آخر بسرعة وصلت إلى نحو طابق واحد أسبوعيًا، ومن دون الحاجة إلى سقالات خارجية تقليدية.

وماذا عن الحرائق؟

ربما يكون السؤال الأكثر شيوعًا عند الحديث عن ناطحات السحاب الخشبية هو: ماذا يحدث إذا اندلع حريق؟

أخضع المهندسون الأخشاب المستخدمة في «برج ميوسا» لاختبارات حريق مكثفة.

وأظهرت الاختبارات أن الأخشاب الضخمة تحترق على سطحها، لكن الطبقة المتفحمة يمكن أن تشكل حاجزًا يحمي الجزء الداخلي من العنصر الخشبي ويبطئ فقدانه لقوته الإنشائية.

ويؤكد المهندسون أن تصميم المبنى واختبارات السلامة والأنظمة الهندسية جعلت البرج قادرًا على تحقيق معايير السلامة المطلوبة.

كما أن إحدى أكبر شركات التأمين في النرويج تؤمن المبنى وتشغل جزءًا من مكاتبه، وهو ما يمثل اختبارًا عمليًا للثقة في هذه التكنولوجيا.

ناطحات السحاب الخشبية تفتح طريقًا جديدًا لخفض انبعاثات البناء

هل تتحول الغابات إلى ضحية للمدن الخضراء؟

رغم الصورة البيئية الجذابة، تظهر مشكلة أخرى: إذا أصبحت الأخشاب مادة البناء المفضلة عالميًا، فكم عدد الأشجار التي ستحتاج المدن إلى قطعها؟

استُخدمت أخشاب أكثر من 16 ألف شجرة من أشجار التنوب والصنوبر في بناء «برج ميوسا».

ومع استمرار فقدان الغابات حول العالم، فإن زيادة الطلب على الأخشاب قد تتحول إلى مشكلة بيئية إذا لم تكن عمليات القطع مرتبطة بإدارة مستدامة للغابات وإعادة التجدد.

ولهذا يشدد المتخصصون على أن الأخشاب لن تكون حلًا مناخيًا حقيقيًا إذا جرى استنزاف الغابات أو قطع الأشجار بوتيرة تتجاوز قدرتها على النمو.

وفي المنطقة التي يأتي منها خشب «برج ميوسا»، تستغرق الشجرة نحو 80 عامًا للنمو، بينما يجري حاليًا حصاد نحو 30% فقط من النمو السنوي للغابات، وفق التقرير.

بديل الخرسانة والصلب.. الخشب يدخل سباق ناطحات السحاب منخفضة الكربون
بديل الخرسانة والصلب.. الخشب يدخل سباق ناطحات السحاب منخفضة الكربون

سباق عالمي نحو المدن الخشبية

نجاح التجربة النرويجية شجع دولًا أخرى على تبني مشروعات أكثر طموحًا.

في السويد، يجري تطوير «Stockholm Wood City»، وهو مشروع عمراني يمتد على نحو 250 ألف متر مربع ويضم مساكن ومكاتب ومتاجر.

وفي سويسرا، يجري التخطيط لبرج خشبي بارتفاع 100 متر.

أما في أستراليا، فهناك مشروع لبرج يبلغ ارتفاعه نحو 191 مترًا، مع الاعتماد على الخشب في جزء كبير من الهيكل.

لكن الطموح الأكبر يأتي من اليابان، حيث تخطط شركة Sumitomo Forestry لبناء ناطحة سحاب خشبية يبلغ ارتفاعها 350 مترًا، ومن المتوقع اكتمالها في حدود عام 2041.

وإذا اكتمل المشروع، فسيصبح أطول مبنى خشبي في العالم، ومن أطول المباني في اليابان.

350 مترًا من الخشب.. اليابان تخطط لأطول ناطحة سحاب خشبية في العالم
350 مترًا من الخشب.. اليابان تخطط لأطول ناطحة سحاب خشبية في العالم

تغير المناخ يهدد الأشجار التي نعتمد عليها

المفارقة أن تغير المناخ الذي يدفع قطاع البناء إلى البحث عن الأخشاب بوصفها مادة أكثر استدامة، يضغط في الوقت نفسه على الغابات التي توفر هذه المادة.

ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة مخاطر حرائق الغابات والانهيارات الأرضية، كما يساهم في انتشار أنواع جديدة من الحشرات والآفات التي يمكن أن تلحق أضرارًا واسعة بالغابات.

وفي النرويج، بدأت خطوط الأشجار تتحرك إلى ارتفاعات أكبر على سفوح الجبال مع ارتفاع درجات الحرارة، بينما تتزايد في الوقت نفسه مخاطر الحرائق والانهيارات الأرضية.

وهكذا فإن مستقبل البناء الخشبي يعتمد ليس فقط على قدرة المهندسين على تشييد أبراج أطول، وإنما على قدرة المجتمعات على إدارة الغابات باعتبارها موردًا متجددًا، وليس مخزونًا لا ينفد.

ناطحة السحاب الخشبية «برج ميوسا» في النرويج
ناطحة السحاب الخشبية «برج ميوسا» في النرويج

هل يكون الخشب جزءًا من حل أزمة البناء؟

لا تعني تجربة «برج ميوسا» أن المدن ستتخلى غدًا عن الخرسانة والصلب، ولا أن الخشب يمثل حلًا سحريًا لأزمة المناخ.

لكنها تثبت أن المواد المتجددة يمكن أن تلعب دورًا أكبر في العمارة الحديثة، وأن التكنولوجيا قادرة على تحويل الخشب من مادة تقليدية إلى عنصر إنشائي قادر على حمل مبانٍ شاهقة.

المستقبل قد لا يكون للمدن المصنوعة بالكامل من الخشب، بل لمدن تستخدم مزيجًا أكثر ذكاءً من المواد، وتقلل الاعتماد على المواد الأعلى انبعاثًا، وتحسب الكربون منذ لحظة استخراج المادة الخام وحتى تشغيل المبنى ونهاية عمره.

وفي النهاية، تطرح تجربة ناطحات السحاب الخشبية سؤالًا أكبر من كيفية بناء برج جديد: هل تستطيع المدن أن تتوقف عن النظر إلى الطبيعة باعتبارها مصدرًا للمواد فقط، وتبدأ في تصميم مبانيها بحيث تكون جزءًا من دورة الكربون والموارد بدلًا من أن تكون مصدرًا متزايدًا لاستنزافها؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة