أهم الموضوعاتالتنمية المستدامةابتكارات ومبادرات

نباتات تعشق الملح.. قد تغيّر مستقبل الزراعة الساحلية مع ارتفاع مستوى البحار وتملّح التربة

كيف تتحول الأعشاب المالحة إلى محصول المستقبل؟ دخلت الأعشاب في أطباق البيتزا والحلويات حتى الآيس كريم

على ضفاف بحيرة البندقية، حيث تمتزج المياه المالحة بالأراضي الزراعية، يتردد صدى صراصير الليل فوق حقول تتعرض لتحدٍ متصاعد. بين أطراف الحقول المزروعة، تنتشر شجيرات خضراء فضية من نبات الشمر البحري، أحد أفراد مجموعة نباتية استثنائية تُعرف باسم «الهالوفيت»؛ وهي نباتات قادرة على النمو والازدهار في البيئات عالية الملوحة.

لطالما نُظر إلى هذه النباتات بوصفها أعشابًا برية هامشية، تنمو في المستنقعات المالحة والسواحل وأطراف البحيرات، لكن تغيّر المناخ يعيد اليوم النظر في قيمتها الزراعية والغذائية.

فمع ارتفاع مستويات سطح البحر، وازدياد درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، تتزايد ملوحة التربة، ما يهدد مستقبل الزراعة التقليدية في المناطق الساحلية حول العالم.

جزيرة سانت إيرازمو، التي كانت تُعرف قديمًا بسلة غذاء مدينة البندقية، تواجه هذا الواقع الجديد. فالمحاصيل التقليدية لا تحتمل ملوحة تتجاوز 1.2%، أي أقل بكثير من ملوحة مياه البحر. ورغم أن التربة المالحة قليلًا منحت الخرشوف البنفسجي الشهير نكهته ولونه المميزين، فإن أي زيادة إضافية قد تكون مدمّرة.

نباتات ملحية تنمو على أطراف الحقول في بحيرة البندقية

  10 % من أراضي العالم متأثرة حاليًا بالملوحة

وفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، فإن نحو 10% من أراضي العالم متأثرة حاليًا بالملوحة، وقد ترتفع هذه النسبة إلى ما بين 24% و32% بحلول العقود المقبلة نتيجة الأزمة المناخية.

يقول فيليبو غراسي، الباحث البيئي في مشروع «حديقة المدّ والجزر» البحثي في بحيرة البندقية، إن الهالوفيت «نباتات شبه معجزة»، مشيرًا إلى أن المنطقة تمثل مختبرًا طبيعيًا فريدًا تداخل فيه الإنسان والطبيعة عبر قرون طويلة.

يعمل المشروع على دراسة وزراعة عدد من هذه الأنواع الصالحة للأكل، مثل الساليكورنيا (السمفري البحري)، ولحية الراهب، والرجلة، وهي نباتات كانت تُجمع تقليديًا من البرية، لكنها لم تُعتمد يومًا كمحاصيل تجارية. ويؤكد الباحثون أن إعادة إحياء هذه النباتات تتطلب تغييرًا ثقافيًا بقدر ما تحتاج إلى دعم علمي.

وتوضح الباحثة لودوفيكا جوارنييري أن كثيرًا من المزارعين ما زالوا ينظرون إلى هذه النباتات باعتبارها «إشارة خطر»، إذ يدل ظهورها في الحقول على تدهور التربة وازدياد الملوحة، رغم قدرتها الفريدة على امتصاص الأملاح والتعايش معها.

«الهالوفيت» حل علمي وطهوي لمشكلة عالمية

إمكانات عملية واعدة

في المقابل، تكشف تجارب علمية في جامعة بيزا عن إمكانات عملية واعدة، حيث أظهرت دراسات أن زراعة الهالوفيت بالتناوب أو على أطراف الحقول المالحة يمكن أن تحسن خصوبة التربة وتزيد إنتاجية المحاصيل التقليدية مثل الطماطم، دون التضحية بالأراضي المخصصة للمحاصيل النقدية.

ومع تفاقم الأزمة، بدأ المزارعون يدركون حجم الخطر الاقتصادي، إذ تتراجع الإنتاجية كلما اقتربت الحقول من البحر، ما يدفعهم للبحث عن حلول غير تقليدية.

ولتعزيز قبول هذه النباتات، لجأ مشروع «حديقة المدّ والجزر» إلى التعاون مع الطهاة والفنانين والشعراء، لتحويل الهالوفيت من نباتات منسية إلى مكونات مألوفة في الثقافة الغذائية المحلية. فقد دخلت هذه الأعشاب في أطباق البيتزا، والحلويات، وحتى الآيس كريم.

«الهالوفيت» حل علمي وطهوي لمشكلة عالمية
نباتات ملحية

ويؤكد الشيف دوناتو أسكاني، أحد أبرز الطهاة في البندقية، أن هذه النباتات تمنح المطبخ المحلي نكهة فريدة تعكس روح المكان، مشيرًا إلى أن الطهاة، مثل المزارعين، باتوا مضطرين للتكيف مع تغير الفصول واضطراب المناخ.

في عالم لم يعد فيه التقويم كافيًا لتحديد المواسم، تبدو نباتات الهالوفيت رمزًا لقدرة الطبيعة على التكيف، وفرصة لإعادة التفكير في مستقبل الزراعة والغذاء في زمن تغيّر المناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading