على الطريق السريع في ولاية كونيتيكت، يمكن للسائقين رؤية مبنى خرساني مميز يعود إلى حقبة العمارة الحديثة في منتصف القرن العشرين، صممه المهندس المعماري مارسيل بروير.
لكن المبنى الذي كان في الماضي مقرًا لشركة «أرمسترونج رابر» للإطارات، وكان مهددًا بالهدم لإفساح المجال أمام مركز للتسوق، حصل على حياة جديدة بعد أكثر من عقدين، ليتحول إلى واحد من أكثر الفنادق اعتمادًا على الاستدامة في الولايات المتحدة.
وأصبح المبنى، الذي يضم تسعة طوابق وواجهة خرسانية مميزة، مقرًا لفندق Hotel Marcel في مدينة نيو هيفن بولاية كونيتيكت، وهو فندق خالٍ من الانبعاثات، يضم 165 غرفة، ومركزًا للمؤتمرات تزيد مساحته على 9 آلاف قدم مربعة، إضافة إلى مطعم متكامل الخدمات.
وفي عام 2020، اشترى المهندس والمطور العقاري بروس ريدمان بيكر المبنى، ليصبح مشروع الفندق أول تجربة فندقية له، واضعًا هدفًا رئيسيًا يتمثل في إنشاء منشأة مستدامة يمكن أن تقدم نموذجًا مختلفًا لقطاع الضيافة.
من مبنى مهدد بالهدم إلى نموذج للاستدامة
كان المبنى قد شُيد عام 1970 ليكون مقرًا لشركة أرمسترونج رابر، قبل أن تبيعه الشركة إلى شركة «بيريلي» عام 1988.
وبحلول عام 2000، انتقلت ملكية المبنى مرة أخرى، وكان مصيره يتجه نحو الهدم لإقامة مركز للتسوق مكانه.

لكن المشروع تغير جذريًا، إذ جرى الحفاظ على الهيكل الأصلي للمبنى وإعادة استخدامه بدلًا من هدمه وبناء منشأة جديدة.
ويعد هذا النهج في حد ذاته جزءًا من الاستدامة؛ إذ إن إعادة استخدام المباني القائمة يمكن أن تقلل الأثر البيئي المرتبط بأعمال البناء الجديدة، التي تمثل مصدرًا مهمًا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم.
ويقول بيكر إنه كان مهتمًا دائمًا بكيفية استخدام خبراته لتحويل المباني والأماكن إلى مشاريع ذات نتائج إيجابية، معتبرًا أن المبنى يمثل فرصة لإنشاء فندق يمكن أن يكون جزءًا من الحل لأزمة المناخ ونموذجًا للاستدامة البيئية.
فندق يعمل بالكهرباء المتجددة
لم تقتصر عملية التحول على الحفاظ على الهيكل الخارجي، بل أعيد تصميم الجزء الداخلي للمبنى باستخدام مجموعة من التقنيات التي تهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة.
ويعمل الفندق بالكهرباء المتجددة بنسبة 100% لتشغيل الإضاءة والتدفئة وتكييف الهواء وتسخين المياه.
ويعتمد الفندق على أكثر من 1000 لوح شمسي مثبتة على سطح المبنى ومظلات مواقف السيارات لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المنشأة.

كما استخدمت الإدارة نظام إضاءة يعرف باسم Power over Ethernet أو «الطاقة عبر الإيثرنت»، وهو نظام منخفض الجهد يساعد على خفض استهلاك الطاقة مقارنة بأنظمة التوصيل التقليدية.
ووفقًا لبيكر، أسهم نظام الإضاءة في تقليل استهلاك الطاقة المخصصة للإضاءة بأكثر من 30%.
كما جرى تركيب نوافذ ثلاثية الزجاج تتميز بمستويات مرتفعة من العزل الحراري، ما يقلل فقدان الحرارة ويخفض الحاجة إلى استهلاك الطاقة في التدفئة والتبريد.
ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على الجانب البيئي، إذ يقول بيكر إن تكاليف تشغيل الفندق أقل بكثير من متوسط تكاليف تشغيل الفنادق في مدينة نيو هيفن.
ويرى أن انخفاض تكاليف التشغيل يمكن أن يشكل حافزًا اقتصاديًا للمطورين وأصحاب الفنادق لتبني تصميمات وعمليات أكثر استدامة.

الحفاظ على المبنى التاريخي
رغم إعادة تصميم الفندق ليتوافق مع معايير الاستدامة الحديثة، حرص فريق المشروع على الحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري للمبنى.
وأضيف المبنى إلى سجل الأماكن التاريخية في ولاية كونيتيكت والسجل الوطني للأماكن التاريخية في عامي 2020 و2021 على التوالي.
وأدى ذلك إلى خضوع عملية التجديد لمراجعات دقيقة من هيئة المتنزهات الوطنية ومكتب الحفاظ على المواقع التاريخية في الولاية.
وعمل فريق Becker + Becker بالتعاون مع شركة التصميم الداخلي Dutch East Design على الحفاظ على العناصر المعمارية المميزة التي صممها مارسيل بروير.
ومن بين هذه العناصر السلالم الداخلية، التي أعيد ترميمها باستخدام جدران خرسانية ذات مظهر القوالب الخشبية، ودرابزين من خشب الماهوجني، ودرجات من التيرازو ذات الشكل شبه المنحرف.
كما أعيد استخدام بعض المواد الأصلية داخل المبنى، من بينها أحجار الجرانيت الموجودة في ردهة المبنى، ومصابيح جرى ترميمها وتعديلها لاستخدام إضاءة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
كما أعيد ترميم الجدران الخشبية داخل تسع غرف وأجنحة تطل على الواجهة المائية، وكانت هذه المساحات في الأصل مكاتب تنفيذية لشركة أرمسترونج رابر.

الاستدامة تمتد إلى الديكور والمطعم
لم تتوقف فكرة إعادة الاستخدام عند الهيكل والمواد الإنشائية، بل امتدت إلى الأعمال الفنية والديكور الداخلي.
وتعكس مجموعة الأعمال الفنية في الفندق التزامًا بالاستدامة إلى جانب تأثرها بتصميمات مدرسة «باوهاوس» الفنية والمعمارية.
وفي إحدى الغرف، توجد قطعة نسيجية يدوية أصلية معلقة على الحائط، صممها الفنان بروكلين كوري إيما سيجلر باستخدام عينات أقمشة كان من الممكن أن ينتهي بها المطاف في مدافن النفايات.
ويقدم مطعم الفندق مكونات غذائية يتم الحصول عليها من مصادر محلية قدر الإمكان، كما يصنع العاملون مكافآت صحية للكلاب من بقايا الطعام التي يعاد استخدامها من مخلفات المطبخ.
ويضم الفندق كذلك محطات لشحن السيارات الكهربائية، إضافة إلى حافلة نقل مخصصة للضيوف جرى إعادة استخدامها بعد تحويلها إلى مركبة تعمل بالطاقة الكهربائية.

نموذج جديد للسياحة والضيافة المستدامة
لا يمثل Hotel Marcel مجرد مبنى أعيد تأهيله بطريقة صديقة للبيئة، بل يقدم نموذجًا لكيفية الجمع بين الحفاظ على التراث والاستدامة وخفض استهلاك الطاقة داخل قطاع الضيافة.
ويندرج الفندق ضمن مجموعة Tapestry Collection by Hilton، ويعد جزءًا من استراتيجية «Travel with Purpose» التي تتبناها المجموعة بهدف دعم السفر والسياحة المسؤولين على مستوى العالم.
ويشير القائمون على الفندق إلى أن التقنيات المستخدمة في المشروع ليست بالضرورة حلولًا مكلفة أو معقدة، بل إن عددًا منها يمكن تطبيقه في مشروعات أخرى.
ويؤكد بيكر أن نموذج الفندق الكهربائي بالكامل والخالي من الانبعاثات يمكن تكراره، معتبرًا أن أهمية المشروع لا تتوقف عند حصوله على شهادات الاستدامة أو الجوائز البيئية، وإنما تمتد إلى تقديم نموذج قابل للتطبيق داخل صناعة الضيافة.
إعادة استخدام المباني.. حل بيئي واقتصادي
تكشف تجربة Hotel Marcel عن جانب مهم من التحول نحو السياحة المستدامة، يتمثل في أن تقليل الانبعاثات لا يبدأ بالضرورة من بناء منشآت جديدة باستخدام أحدث التقنيات، وإنما قد يبدأ أحيانًا من الحفاظ على مبنى قائم وإعادة استخدامه.
فبدلًا من هدم المبنى القديم والتخلص من مواده وبناء فندق جديد، جرى الاحتفاظ بالهيكل الأساسي وتطويره ليعمل بالكهرباء المتجددة، مع رفع كفاءة العزل والإضاءة، وإعادة استخدام عدد من عناصره الأصلية.
وبذلك يجمع المشروع بين تقليل الأثر البيئي للبناء الجديد، والحفاظ على التراث المعماري، وخفض استهلاك الطاقة، وتقليل تكاليف التشغيل.
وتقدم هذه التجربة نموذجًا يمكن أن تستفيد منه المدن والقطاع السياحي في إعادة توظيف المباني القديمة، وتحويلها من أصول مهددة بالهدم إلى منشآت اقتصادية وسياحية مستدامة، بدلًا من استهلاك موارد إضافية لبناء منشآت جديدة من الصفر.





