ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

تسعير الكربون جماعيًا.. خطة تستهدف الحديد والأسمنت والألومنيوم والأسمدة.. يمكن جمع 186 مليار دولار سنويًا

ضريبة كربون موحدة بين الدول.. مكاسب مناخية بمئات الملايين من الأطنان سنويًا

في الوقت الذي تكافح فيه الحكومات لخفض الانبعاثات الناتجة عن الصناعات الثقيلة، تظل هناك مشكلة سياسية واقتصادية أساسية:

ماذا يحدث عندما تفرض دولة تكلفة على انبعاثات مصانعها بينما لا تفعل الدول المنافسة الشيء نفسه؟

قد ترتفع تكلفة الإنتاج، فتفقد الشركات قدرتها التنافسية، وقد تنتقل بعض الأنشطة الصناعية إلى دول ذات قواعد مناخية أقل صرامة.

لكن دراسة اقتصادية جديدة تطرح حلًا مختلفًا: بدلًا من انتظار اتفاق جميع دول العالم، يمكن لمجموعة من الدول أن تتفق على حد أدنى مشترك لسعر الكربون.

ويشير النموذج الذي طوره فريق من الاقتصاديين إلى أن مثل هذا التحالف يمكن أن يخفض نحو 830 مليون طن من غازات الدفيئة سنويًا، أي ما يعادل قرابة 1.5% من الانبعاثات العالمية، مع إمكانية جمع نحو 186 مليار دولار سنويًا من عائدات تسعير الكربون.

لكن هذه الأرقام نتائج نموذج اقتصادي وليست قياسات فعلية لتحالف قائم.

لماذا تبدأ الخطة من 4 صناعات؟

يقترح الباحثون التركيز في البداية على أربع صناعات كثيفة الانبعاثات:

وتنتج هذه القطاعات مجتمعة نحو 20% من انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، بينما تمثل أقل من 5% من الناتج الاقتصادي العالمي.

كما تتميز هذه السلع بكونها شديدة الارتباط بالتجارة الدولية.

فوفق النموذج، يُستهلك نحو 25% من إنتاج الصلب و40% من الألومنيوم خارج الدول التي تنتجه.

وهذا يجعل تسعير الكربون قضية تتجاوز الحدود الوطنية؛ لأن فرض تكلفة على مصنع في دولة واحدة دون منافسيه في دولة أخرى قد يغير مسارات التجارة والاستثمار.

تسعير الكربون

ماذا يعني «الحد الأدنى لسعر الكربون»؟

الفكرة الأساسية بسيطة نسبيًا.

تتفق الدول المشاركة على حد أدنى مشترك لسعر الانبعاثات الناتجة مباشرة من هذه الصناعات، إضافة إلى الانبعاثات المرتبطة بالكهرباء التي تستخدمها.

لكن الدول لا تحتاج إلى تطبيق النظام نفسه.

فيمكن لدولة أن تستخدم ضريبة الكربون، بينما تستخدم دولة أخرى نظام تداول الانبعاثات، بشرط أن يكون السعر الفعلي للكربون عند مستوى الحد الأدنى المتفق عليه أو أعلى منه.

بهذه الطريقة، لا يكون الهدف فرض قانون واحد على جميع الدول، وإنما خلق أرضية مشتركة للتكلفة الكربونية.

وماذا عن المنتجات المستوردة؟

هنا يأتي الجزء الأكثر أهمية في المقترح.

إذا أنتجت دولة خارج التحالف الحديد أو الأسمنت أو الألومنيوم أو الأسمدة دون تحمل تكلفة كربونية مماثلة، فإن المنتج المستورد سيدفع رسومًا حدودية تعادل مستوى سعر الكربون المتفق عليه.

أما التجارة بين الدول الأعضاء في التحالف، فلا تُفرض عليها رسوم إضافية من هذا النوع.

ويُفترض أن تعتمد الرسوم على الانبعاثات الفعلية للمنتج عندما تكون البيانات متاحة.

أما إذا لم تتوفر بيانات موثوقة، فيمكن استخدام قيمة افتراضية.

وفي المقابل، تستطيع منشأة أجنبية منخفضة الانبعاثات إثبات أدائها البيئي ودفع رسوم أقل إذا كانت قواعد النظام تسمح بذلك.

والهدف هو الحد من ظاهرة تعرف باسم تسرب الكربون، حيث تنتقل عمليات الإنتاج من دول ذات سياسات مناخية صارمة إلى دول ذات تكلفة كربونية أقل.

العالم لديه بالفعل تجارب لتسعير الكربون

الفكرة ليست جديدة بالكامل.

فبحسب بيانات البنك الدولي الواردة في الدراسة، كان هناك في عام 2025 نحو 80 نظامًا لتسعير الكربون في 50 موقعًا، تغطي هذه الأنظمة قرابة 28% من الانبعاثات العالمية وتجمع أكثر من 100 مليار دولار سنويًا.

وهذا يعني أن البنية الأساسية لتسعير الكربون موجودة بالفعل في عدد كبير من الاقتصادات.

كما أن قواعد منظمة التجارة العالمية تسمح في ظروف معينة باستخدام تدابير تجارية لأغراض بيئية، مع وجود ترتيبات ومعاملة أكثر مرونة للدول النامية في بعض الحالات.

لكن التحدي يكمن في توحيد الحد الأدنى الفعلي للتكلفة الكربونية بين مجموعة واسعة من الدول والأنظمة المختلفة.

النموذج يتوقع خفض 830 مليون طن

بنى الباحثون نموذجهم اعتمادًا على بيانات تفصيلية عن المنشآت الصناعية والتجارة الدولية.

وانطلق السيناريو من الاتحاد الأوروبي وشركائه التجاريين، ثم توسع ليشمل دولًا كبيرة مثل:

أستراليا، والبرازيل، وكندا، والصين، والهند، وإندونيسيا، وتايلاند، إلى جانب عشر دول أفريقية.

وعند مقارنة السيناريو بتحول مرجعي يستمر فيه نظام الاتحاد الأوروبي بينما تقوم معظم الدول الأخرى بإجراءات محدودة، قدر النموذج أن التحالف يمكن أن يخفض نحو:

830 مليون طن من غازات الدفيئة سنويًا، أي نحو 750 مليون طن متري، أو قرابة 1.5% من الانبعاثات العالمية.

لكن الرقم يظل توقعًا ناتجًا عن النموذج وليس كمية تم خفضها بالفعل.

تسعير الكربون

186 مليار دولار سنويًا

لم تتوقف نتائج النموذج عند خفض الانبعاثات.

فقد قدر الباحثون أن نظام الحد الأدنى لسعر الكربون يمكن أن يجمع نحو 186 مليار دولار سنويًا.

واللافت أن الجزء الأكبر من هذه الإيرادات يأتي من تسعير الانبعاثات داخل الدول الأعضاء نفسها، وليس من الرسوم المفروضة على المنتجات المستوردة.

وتشير النتائج إلى أن الرسوم الحدودية ستجمع أقل من مليار دولار.

وبالتالي، فإن النظام المقترح يختلف عن التعريف التقليدي للرسوم الجمركية؛ فالقيمة الأساسية تأتي من تحميل الصناعات المحلية تكلفة انبعاثاتها الكربونية.

الأسعار سترتفع.. فمن يدفع الفاتورة؟

لا يمكن فرض سعر للكربون على صناعات كثيفة الانبعاثات دون أن يظهر أثره في الأسعار.

ويقدر النموذج ارتفاع أسعار المنتجات داخل دول التحالف بنحو:

  • 11% للألومنيوم
  • 4% للصلب
  • 5% للأسمنت
  • 10% إلى 13% للأسمدة

وهنا تظهر القضية السياسية الأصعب: من سيتحمل هذه الزيادة؟

فالتكلفة لن تكون موزعة بالتساوي بين الدول.

سعر موحد أم أسعار متدرجة؟

اختبر الباحثون سيناريو يفرض سعرًا موحدًا يبلغ 50 دولارًا لكل طن من ثاني أكسيد الكربون.

وفي هذه الحالة، قد تتحمل الدول منخفضة الدخل خسارة تعادل نحو 2.2% من ناتجها الاقتصادي.

لكن نموذجًا آخر اقترح أسعارًا متدرجة حسب مستوى الدخل:

25 دولارًا، و50 دولارًا، و75 دولارًا للطن.

وفي هذا السيناريو، ينخفض الأثر على الدول منخفضة الدخل إلى نحو 0.6% من الناتج، بينما يظل خفض الانبعاثات قريبًا جدًا من السيناريو ذي السعر الموحد.

وهذا يجعل القضية في جوهرها ليست فقط قضية مناخية، وإنما أيضًا قضية عدالة اقتصادية بين الدول.

تسعير الكربون وحده لن يكفي

تؤكد كاثرين وولفرام، عالمة اقتصاد الطاقة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأحد المشاركين في الدراسة، أن تسعير الكربون آلية مهمة لكنه ليس الأداة الوحيدة لمواجهة تغير المناخ.

ويشير الباحثون إلى ضرورة توفير حوافز إضافية للدول منخفضة الدخل حتى تنضم إلى التحالف، مثل التمويل المدعوم لمشروعات إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة.

وهذه النقطة مهمة، لأن بعض التقنيات اللازمة لخفض الانبعاثات في الأسمنت والصلب والأسمدة والألومنيوم تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وقد لا تكون مجدية اقتصاديًا في الدول التي تعاني من ارتفاع تكلفة التمويل.

ماذا يحدث للإنتاج؟

بحسب النموذج، ينخفض الإنتاج داخل دول التحالف بنحو 1.5% إلى 4%، بينما يرتفع الإنتاج في الدول خارج التحالف بنسبة تتراوح بين 0.5% و4%.

وهذه الزيادة تمثل جزءًا من مشكلة تسرب الكربون التي يحاول النظام الحد منها من خلال الرسوم الحدودية.

أي أن الهدف ليس فقط تقليل إنتاج الصناعات الملوثة في الدول المشاركة، وإنما منع انتقال هذا الإنتاج إلى دول أخرى دون أن ينخفض إجمالي الانبعاثات العالمية.

تسعير الكربون

الواقع أكثر تعقيدًا من النموذج

يعترف الباحثون بأن التطبيق الفعلي سيكون أكثر تعقيدًا من السيناريو الاقتصادي.

فالعديد من أنظمة تسعير الكربون الحالية تتضمن استثناءات أو إعفاءات أو حصصًا مجانية.

وتستخدم بعض الأنظمة، مثل تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي وكاليفورنيا وجنوب أفريقيا، حصصًا مجانية لبعض القطاعات، بينما تعتمد أستراليا وكندا والصين على حدود أو معايير مرجعية في بعض آليات التسعير.

كما تعفي المكسيك وتشيلي بعض أنواع الوقود أو المنشآت الصغيرة.

وهذا يطرح سؤالًا مهمًا:

متى يمكن اعتبار نظام دولة ما متوافقًا بالفعل مع الحد الأدنى المشترك لسعر الكربون؟

ويحتاج هذا الأمر إلى قواعد واضحة للاعتراف المتبادل بين الأنظمة المختلفة.

النموذج قد يقلل من حجم الخفض أو يبالغ فيه

هناك أيضًا نقطة منهجية مهمة.

فالسيناريو المرجعي المستخدم في النموذج يفترض أن دولًا خارج الاتحاد الأوروبي وشركائه ستتخلى عن بعض خططها لتسعير الكربون أو تقترب من سعر صفري.

لكن دولًا مثل أستراليا والبرازيل وكندا والصين والهند وإندونيسيا تتحرك بالفعل في اتجاه سياسات مناخية وتسعير للكربون بدرجات مختلفة.

وهذا يعني أن خط الأساس المستخدم قد يكون أكثر تشاؤمًا بشأن الإجراءات المناخية المستقبلية مما قد يحدث في الواقع.

وبالتالي، فإن كمية الانبعاثات التي يمكن أن يخفضها التحالف فعليًا قد تختلف عن تقديرات النموذج.

هل يمكن أن يتوسع التحالف؟

يرى الباحثون أن نجاح الفكرة لا يتطلب انضمام العالم كله منذ البداية.

بل يمكن أن يبدأ التحالف بعدد محدود من الاقتصادات الكبيرة والمنتجين والمستهلكين الرئيسيين للسلع الصناعية، إلى جانب دول من الجنوب العالمي.

وهذه المشاركة الأخيرة مهمة لضمان ألا تتحول سياسات الكربون إلى عبء إضافي على الاقتصادات الأقل دخلًا.

كما أن وجود الدول النامية داخل التحالف قد يساعد على صياغة قواعد تأخذ في الاعتبار اختلاف مستويات التنمية والقدرة على تمويل التحول الصناعي.

محادثات دولية تمهد الطريق

يشير الباحثون إلى وجود منصة دولية يمكن أن توفر مساحة لهذه المناقشات، وهي الائتلاف المفتوح بشأن أسواق الكربون المتوافقة، الذي طُرح خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ لعام 2025، وحظي بتأييد البرازيل والاتحاد الأوروبي والصين.

لكن هذا لا يعني أن الدول المشاركة تبنت بالفعل التصميم المقترح في الدراسة.

فالفكرة لا تزال في مرحلة النقاش والتفاوض والنمذجة الاقتصادية.

والاختبار الحقيقي لن يكون في النموذج الحاسوبي، وإنما عندما يتعين على الحكومات أن توافق فعليًا على سعر كربون، وتلتزم بالحفاظ عليه، وتقبل الآثار الاقتصادية والسياسية المترتبة عليه.

مناخ بلا اتفاق عالمي شامل؟

تكمن جاذبية المقترح في أنه يحاول تجاوز أحد أكبر عوائق العمل المناخي:

الحاجة إلى انتظار موافقة جميع الدول.

فإذا تمكنت مجموعة من الاقتصادات الكبرى من الاتفاق على حد أدنى مشترك لتكلفة الانبعاثات، مع حماية الدول الأقل دخلًا وتمويل تحولها الصناعي، فقد يصبح تسعير الكربون أداة أكثر فاعلية في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها.

لكن نجاح الفكرة سيتوقف على عدة عوامل: عدالة توزيع التكلفة، دقة قياس الانبعاثات، منع تسرب الكربون، توافر التمويل، تنافسية الصناعات، وموافقة الحكومات على قواعد مشتركة طويلة الأجل.

والأهم أن رقم 830 مليون طن لا يمثل إنجازًا تحقق بالفعل؛ بل هو تقدير لسيناريو افتراضي بناه الباحثون.

وقد نُشرت الدراسة كاملة في دورية Science.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة