أخبارالسياحة

منتجع فاخر بالمالديف يبتكر مختبرًا للاستدامة.. من النفايات إلى الأثاث والهدايا

هكذا تنقذ السياحة المستدامة جزر المالديف من البلاستيك.. مختبر مبتكر يحول المخلفات إلى أثاث ويزرع الشعاب المرجانية

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على المنتجعات السياحية حول العالم لتقليل بصمتها البيئية، تتجه بعض المنتجعات الفاخرة في جزر المالديف إلى تبني حلول مبتكرة للتعامل مع النفايات وحماية البيئة البحرية.

 

وفي منتجع Fairmont Maldives, Sirru Fen Fushi، الواقع في أتول شافِياني بالمالديف، لم تعد الاستدامة مجرد عبارة تستخدم في الحملات التسويقية، بل أصبحت جزءًا من العمليات اليومية، بداية من إدارة النفايات وصولًا إلى حماية الشعاب المرجانية والحياة البحرية.

 

ويضم المنتجع 120 فيلا، ويشرف مدير الاستدامة صامويل ديكسون على مجموعة واسعة من المبادرات البيئية، من بينها حماية الشعاب المرجانية المحيطة بالجزيرة، وتطبيق استراتيجيات لتوفير الطاقة، وإعادة تدوير المخلفات.

 

ويقول ديكسون إن المنتجع يشهد زيادة كبيرة في أعداد المسافرين المهتمين بالبيئة، خصوصًا في قطاع الضيافة الفاخرة، مشيرًا إلى أن النزلاء أصبحوا أكثر اهتمامًا بمعرفة ما يفعله المنتجع في مجالات ترميم الشعاب المرجانية، والحفاظ على السلاحف، وإعادة التدوير، واستخدام الطاقة الشمسية.

 

«مختبر الاستدامة» لمواجهة النفايات البلاستيكية

في أوائل عام 2022، افتتح المنتجع منشأة أطلق عليها اسم «مختبر الاستدامة»، وهي منشأة تقول إدارة المنتجع إنها الأولى من نوعها في المالديف.

 

ويقع المختبر بالقرب من رصيف الوصول إلى المنتجع، داخل مبنى جرى إنشاؤه باستخدام حاويات شحن أعيد استخدامها، ويضم مجموعة من المعدات المتخصصة التي تسمح بتحويل النفايات البلاستيكية إلى هدايا وأثاث ومستلزمات للمدارس المحلية.

 

ولا يقتصر الأمر على البلاستيك الناتج عن عمليات المنتجع، إذ يجري أيضًا إعادة تدوير ما يعرف باسم «شباك الصيد الشبحية»، وهي شباك يتخلى عنها الصيادون في البحر، ويمكن أن تشكل خطرًا كبيرًا على السلاحف والكائنات البحرية.

 

ويُعاد استخدام هذه الشباك من خلال تحويلها إلى أساور وبطاقات للأمتعة.

 

ويكشف المختبر بوضوح حجم المشكلة؛ إذ تصطف صناديق كبيرة تحتوي على قطع بلاستيكية صغيرة بألوان مختلفة، استعدادًا لإدخالها إلى الآلات الصناعية وصهرها وإعادة تشكيلها.

 

ويطغى اللون الأزرق على كميات البلاستيك الموجودة في المختبر، نتيجة كثرة أغطية زجاجات المياه البلاستيكية.

منتجع فاخر بالمالديف يبتكر مختبرًا للاستدامة
منتجع فاخر بالمالديف يبتكر مختبرًا للاستدامة

النفايات تأتي من المنتجع والبحر

لا تقتصر مصادر البلاستيك الذي يعاد تدويره داخل المختبر على النفايات الناتجة عن المنتجع، إذ يتم جمع المخلفات البلاستيكية من مواد التغليف التي تصل مع الإمدادات الغذائية الأسبوعية، إضافة إلى النفايات التي يتم جمعها من الفنادق المجاورة والمدارس المحلية.

 

كما يمثل البحر مصدرًا مستمرًا للمخلفات.

 

ويقول ديكسون إن العاملين يجمعون يوميًا ما بين 3 و5 كيلوجرامات من النفايات في الصباح من محيط المنتجع وحده، ويشكل البلاستيك نحو كيلوجرام إلى كيلوجرامين منها، كما يجمع العاملون النفايات من الجزر غير المأهولة القريبة.

 

وبعد جمع البلاستيك، يجري غسله لإزالة الأوساخ وبقايا المواد العالقة به، ثم يجرى تقطيعه إلى حبيبات صغيرة يمكن استخدامها في عمليات التصنيع.

 

ويستخدم المنتجع آلة بثق تقوم بصهر البلاستيك وإعادة تشكيله داخل قوالب ثلاثية الأبعاد لإنتاج منتجات مختلفة، من بينها مجسمات للسلاحف وخطافات ومستلزمات مدرسية مثل المساطر.

 

كما يستخدم المنتجع مكبسًا لتسطيح البلاستيك وتحويله إلى ألواح يمكن استخدامها بطريقة مشابهة للخشب.

 

وتستخدم فرق النجارة هذه الألواح في تصنيع قطع الأثاث، ويمكن للنزلاء طلب بعض هذه المنتجات وشحنها إلى منازلهم.

 

تحويل المشكلة البيئية إلى تجربة للنزلاء

ورغم أن كمية البلاستيك التي يعاد تدويرها داخل المنتجع لا تمثل سوى جزء صغير من حجم المشكلة العالمية للنفايات البلاستيكية، يرى ديكسون أن أهمية التجربة تتجاوز كمية المخلفات التي يجري معالجتها.

 

ويهدف المختبر إلى تعريف الزوار بالتحديات البيئية التي تواجهها المالديف، وإشراك المجتمعات المحلية في التعامل معها.

 

ويؤكد ديكسون، أن وجود عملية إعادة التدوير أمام النزلاء يجعل القضية أكثر وضوحًا، إذ لا يكتفي الزائر بسماع عبارة «الفندق يعيد تدوير البلاستيك»، وإنما يستطيع رؤية العملية بنفسه ومعرفة كيفية تحويل المخلفات إلى منتجات جديدة.

 

وتتبع إدارة المنتجع مجموعة أخرى من الإجراءات للحد من استخدام البلاستيك؛ فلا توجد زجاجات مياه بلاستيكية داخل المنتجع، وإنما تستخدم زجاجات زجاجية، ويحصل كل نزيل على زجاجة مياه قابلة لإعادة الاستخدام يمكن ملؤها من محطات المياه المنتشرة في الجزيرة، كما يمكنه الاحتفاظ بها كتذكار.

 

حتى مستلزمات تنظيف الأسنان لا تخلو من التغيير، إذ تأتي معجون الأسنان الموجود في أدوات العناية الشخصية داخل عبوات ورقية صغيرة.

 

عمل فني تحت الماء يتحول إلى شعاب مرجانية صناعية

لا تقتصر جهود المنتجع على معالجة النفايات، إذ يضم أيضًا مشروعًا بيئيًا تحت الماء يعرف باسم «كورالاريوم (Coralarium).

 

ويقع هذا العمل الفني على بعد عشرات الأمتار من الشاطئ الرئيسي، ويتكون من هيكل معدني كبير صُمم ليعمل في الوقت نفسه كحديقة للشعاب المرجانية وموئل للكائنات البحرية.

 

ويمكن للنزلاء الوصول إلى الهيكل والسباحة حوله باستخدام معدات الغطس، ما يوفر لهم فرصة لمشاهدة الحياة البحرية عن قرب.

 

ويقول ديكسون إن «كورالاريوم» صُمم ليكون مركزًا للتعليم والحفاظ على البيئة، واستخدمت في إنشائه مواد متعادلة الأس الهيدروجيني وغير سامة للكائنات البحرية ولا تحتوي على ملوثات ضارة.

 

كما صُمم الهيكل ليحاكي السطح الصلب للشعاب المرجانية، بحيث يمكن أن تستقر عليه يرقات المرجان خلال مواسم التكاثر، بما يساعد على نمو الشعاب المرجانية بصورة طبيعية.

 

وبمرور الوقت، تحول الهيكل إلى ما يشبه الشعاب المرجانية الصناعية، مع نمو المرجان الحي عليه.

 

ووفقًا للمنتجع، أصبحت المنطقة موطنًا لنحو 120 نوعًا من الأسماك، لتتحول إلى موئل مصغر للحياة البحرية، وفي الوقت نفسه إلى مساحة تعليمية يمكن للنزلاء من خلالها التعرف على البيئة البحرية.

 

جزيرة المياه السرية

يقع المنتجع على جزيرة يطلق عليها اسم «جزيرة المياه السرية»، وتحيط بها شعاب مرجانية تمتد لنحو 9 كيلومترات وتضم أكثر من 400 نوع من الكائنات البحرية.

 

وتقع الشعاب بالقرب من الجزيرة، ما يجعل استكشافها باستخدام معدات الغطس أمرًا متاحًا للنزلاء، بينما يمكن خلال الفترة الممتدة من ديسمبر إلى أبريل مشاهدة أسماك شيطان البحر العملاقة، المعروفة باسم «المانتا».

 

ولا يحتاج الزوار بالضرورة إلى الغوص في المياه لرؤية الحياة البحرية، إذ يمكن مشاهدة أسماك قرش الشعاب وهي تسبح في المياه المحيطة بالمطاعم المبنية فوق أعمدة داخل البحر، إلى جانب العديد من الأسماك الملونة.

 

ويقدم المنتجع مجموعة متنوعة من أماكن الإقامة، تشمل الفيلات فوق المياه والفيلات الشاطئية، إضافة إلى فيلات مصممة على هيئة خيام تتيح للنزلاء الاقتراب أكثر من الطبيعة.

 

كما يوفر المنتجع أنشطة للرياضات المائية والرحلات، ومنتجعًا صحيًا، وناديًا للأطفال، إلى جانب برنامج تعليمي يحمل اسم Generation Sea، يتيح للأطفال التعرف على جهود الحفاظ على البيئة من خلال زيارة «مختبر الاستدامة» و«كورالاريوم».

 

نموذج للسياحة المستدامة

تعكس تجربة المنتجع اتجاهًا متزايدًا داخل قطاع الضيافة العالمي، يقوم على دمج الاستدامة في تجربة السائح بدلًا من التعامل معها باعتبارها نشاطًا منفصلًا عن السياحة.

 

وفي حالة المالديف، تبدو أهمية هذه الخطوة أكثر وضوحًا؛ فالبلاد من أكثر دول العالم انخفاضًا عن مستوى سطح البحر، وتتكون من أكثر من ألف جزيرة موزعة على مساحة بحرية واسعة، ما يجعل البيئة البحرية موردًا أساسيًا للسياحة والاقتصاد، وفي الوقت نفسه شديدة الحساسية أمام التلوث والتغيرات البيئية.

 

وبالنسبة للمنتجع، لا تتوقف الاستدامة عند تقليل النفايات أو منع الزجاجات البلاستيكية، بل تمتد إلى إعادة استخدام المخلفات، وحماية الشعاب المرجانية، ودعم المجتمعات المحلية، وإشراك السائح نفسه في فهم المشكلات البيئية والمساهمة في مواجهتها.

 

وهكذا تتحول النفايات التي تصل إلى شواطئ الجزيرة أو تنتج عن الأنشطة السياحية من مشكلة بيئية إلى مادة يمكن إعادة استخدامها، بينما تتحول تجربة السائح من مجرد إقامة فاخرة وسط الطبيعة إلى فرصة للتعرف على كيفية الحفاظ عليها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة