هل يمكن التنبؤ بالطقس لأربعة أشهر؟ دراسة تكشف حدًا نظريًا يتجاوز 129 يومًا
علماء يعيدون رسم الحدود النظرية لتنبؤات الطقس.. علماء يعيدون رسم الحدود النظرية لتنبؤات الطقس
هل يعني ذلك أن الطقس نفسه لا يمكن التنبؤ به لأكثر من أسبوعين؟
دراسة جديدة تتحدى هذه الفكرة، وتقترح أن الحد النظري الأقصى لتنبؤات الطقس اليومية قد يصل إلى نحو 129 يومًا، أي أكثر من أربعة أشهر، إذا توافرت ظروف مثالية للغاية.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن نشرات الطقس ستتمكن غدًا من تحديد درجة الحرارة والأمطار في مدينة معينة بعد أربعة أشهر.
فالـ129 يومًا هي حساب نظري مبني على افتراض نموذج مثالي وحالة ابتدائية مثالية للغلاف الجوي، وليس نتيجة تجربة أثبتت إمكانية تقديم توقعات دقيقة لهذه المدة.
وقاد الدراسة وي تشانج، عالم المناخ في كلية روزنستيل للعلوم البحرية والغلاف الجوي بجامعة ميامي، بالتعاون مع زولتان توث، الباحث السابق في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA).
أسبوعان فقط.. أم أن هناك مساحة أكبر؟
تجاوزت توقعات الطقس اليومية المفيدة حاجز عشرة أيام خلال السنوات الأخيرة، كما تحسنت قدرتها بنحو يوم إضافي كل عقد تقريبًا.
لكن السؤال الذي شغل علماء الأرصاد لعقود هو: إلى أين يمكن أن تصل هذه القدرة في النهاية؟
منذ ستينيات القرن الماضي، ارتبط النقاش بفكرة «الفوضى» في الغلاف الجوي، والتي ارتبطت بأعمال عالم الأرصاد الأمريكي إدوارد لورينز.
فالتغير الصغير جدًا في الحالة الأولية للغلاف الجوي يمكن أن يتضخم مع مرور الوقت، بحيث يؤدي إلى مسار جوي مختلف تمامًا.
ولهذا، وصلت تقديرات سابقة إلى أن القدرة العملية على التنبؤ بالطقس قد تمتد بضعة أسابيع فقط.
لكن الباحثين في الدراسة الجديدة يقولون إن هذه التقديرات تعتمد على سؤال لم تتمكن العلوم من الإجابة عنه بصورة مباشرة:
ماذا يحدث عندما تكون الأخطاء في الحالة الابتدائية أصغر بكثير من حدود ما تستطيع أجهزة الرصد الحالية قياسه؟
المشكلة في معرفة «البداية» بدقة
حتى أفضل نموذج جوي في العالم يحتاج إلى نقطة بداية.
أي أنه يحتاج إلى معرفة درجة الحرارة والضغط والرطوبة والرياح وغيرها من المتغيرات في الغلاف الجوي لحظة بدء التنبؤ.
لكن لا يمكن لأجهزة الرصد أن تقيس حالة الغلاف الجوي في كل مكان وبدرجة دقة لا نهائية.
وتؤدي هذه الأخطاء الصغيرة إلى نمو تدريجي في عدم اليقين.
وعادةً ما تختبر نماذج التنبؤ هذه المشكلة من خلال إدخال تغييرات صغيرة جدًا في الحالة الأولية، ثم مراقبة مدى سرعة اختلاف النتائج.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن هذه الاختبارات لا تستطيع الوصول إلى مستويات من الدقة في الحالة الابتدائية لم يتمكن العلماء من رصدها أصلًا.
ومن هنا جاءت فكرة الدراسة الجديدة: بدلًا من محاكاة أخطاء ابتدائية غير قابلة للرصد، البحث عن حد نظري من منظور فيزيائي مختلف.

الشمس تكشف حدًا مفاجئًا
بدأ الباحثون من الطاقة التي يحملها الغلاف الجوي ومن معدل الطاقة التي تصله من الشمس.
فالغلاف الجوي لا يتحرك من تلقاء نفسه؛ بل تعتمد عملياته الجوية على الطاقة القادمة من الشمس.
وتصل هذه الطاقة على هيئة فوتونات، وهي الحزم الأساسية للضوء.
واعتبر الباحثون أن التفاصيل الدقيقة جدًا المتعلقة بهذه الفوتونات لا يمكن معرفتها بصورة كاملة من الأرض.
في البداية، تؤثر هذه التفاصيل في حركات جوية بالغة الصغر، خصوصًا عمليات الاضطراب والخلط التي تحدث على مقاييس تقل عن نحو سنتيمتر واحد.
لكن الغلاف الجوي ليس مجموعة من المقاييس المنفصلة.
فالطاقة تنتقل من الدوامات الصغيرة إلى حركات أكبر، ثم إلى أنظمة جوية محلية، وفي النهاية إلى أنماط يمكن أن تمتد عبر مساحات قارية ضخمة.
وبالتالي، يمكن لعدم اليقين الذي بدأ على أصغر المقاييس أن يتراكم تدريجيًا حتى يؤثر في التنبؤ بالطقس على نطاق واسع.
كم تبلغ الطاقة الموجودة في الغلاف الجوي؟
استخدم الباحثون رقمين أساسيين من ميزانية طاقة الغلاف الجوي.
الأول هو إجمالي الطاقة الموجودة في الغلاف الجوي، ويشمل الطاقة الحرارية في الهواء، وحركة الرياح، وبخار الماء، والطاقة المرتبطة بارتفاع الهواء فوق سطح الأرض.
وقدّرت الدراسة هذه الطاقة بنحو 2.45 مليار جول لكل متر مربع.
أما الرقم الثاني فهو معدل الطاقة الشمسية التي تصل إلى أعلى الغلاف الجوي، ويبلغ نحو 340 واطًا لكل متر مربع.
لكن ليس كل هذه الطاقة يبقى داخل النظام.
فالغيوم والأسطح شديدة السطوع تعكس جزءًا كبيرًا من الإشعاع إلى الفضاء، كما يهرب جزء من الحرارة الصاعدة من سطح الأرض إلى الفضاء عبر نافذة من الغلاف الجوي.
وبعد احتساب الطاقة التي تسهم فعليًا في تشغيل العمليات الجوية، قدر الباحثون التدفق الفعال بنحو 220 واطًا لكل متر مربع.
وعند قسمة مخزون الطاقة على معدل تجددها، يصل الحساب إلى نحو:
129 يومًا.
أي ما يزيد قليلًا على أربعة أشهر.
ماذا تعني الـ129 يومًا فعلًا؟
هنا تأتي أهم نقطة في الدراسة.
129 يومًا ليست توقعًا بأن العلماء يستطيعون غدًا التنبؤ بدرجة حرارة القاهرة أو نيويورك أو لندن بعد أربعة أشهر.
إنها حد نظري مبني على افتراضات مثالية.
لكن الباحثين يرون أن هذا الرقم يفتح مساحة نظرية أكبر بكثير من الحد العملي الحالي الذي يبلغ نحو أسبوعين للتنبؤات اليومية المفيدة.
وبحسب تصور الدراسة، إذا أمكن تحسين النماذج والأجهزة بصورة كبيرة، فقد تكون هناك إمكانية لاستخراج معلومات مفيدة من التنبؤات لفترات أطول مما هو متاح حاليًا.
نحو 57 يومًا إضافية قد تكون ذات قيمة
يقسم الباحثون المساحة النظرية المتبقية بين الحد الحالي والحد الأقصى المقترح إلى مراحل.
وبحسب تصورهم، قد تمثل أفضل هذه المساحة نحو 57 يومًا إضافيًا من القدرة المحتملة.
أي أن مهارة التنبؤ التي يمكن الحصول عليها اليوم بعد خمسة أيام، من الناحية النظرية، قد تظهر مستقبلًا بعد نحو 62 يومًا.
لكن هذا لا يعني أن توقعات اليوم الخامس ستصبح بنفس الدقة في اليوم الثاني والستين.

فالفائدة المتوقعة تتراجع تدريجيًا مع الزمن.
ومع الاقتراب من الحد الأقصى، تصبح الإشارات المتبقية ضعيفة للغاية، وقد تتعلق أكثر بالأنماط الجوية الكبيرة والبطيئة بدلًا من تفاصيل الطقس المحلي.
ماذا سيعرف العلماء بعد شهرين؟
إذا تحققت بعض هذه التحسينات، فلن تكون القيمة الأساسية في معرفة ما إذا كانت الأمطار ستسقط في حي معين في يوم محدد بعد شهرين.
فالأنماط الجوية واسعة النطاق والبطيئة التغير قد تظل قابلة لاستخراج بعض المعلومات عنها لفترة أطول من التفاصيل المحلية.
وهذا يعني أن الفائدة المحتملة ستكون أكبر للمتخصصين في مجالات مثل:
- إدارة الموارد المائية
- الزراعة
- الطاقة
- النقل
- التخطيط للكوارث
- إدارة المخاطر المناخية
- التنبؤات الجوية بعيدة المدى
أما بالنسبة للجمهور، فقد تظل التنبؤات اليومية التفصيلية محدودة بفقدان القدرة على معرفة التفاصيل الصغيرة مع مرور الوقت.
النماذج الحالية أقل تفاؤلًا بكثير
تقديرات النماذج الجوية التي تختبر تضخم الأخطاء في الحالة الابتدائية لا تصل عادةً إلى هذا الحد.
وبحسب الدراسة، فإن التحسين المتوقع في القدرة العملية لا يزال في حدود يوم واحد تقريبًا كل عقد.
كما أن بعض التقديرات المستندة إلى محاكاة الاضطرابات الجوية تشير إلى إضافة أيام قليلة فقط إلى نطاق التنبؤ المفيد الحالي.
وهنا تظهر الفجوة الكبيرة بين الحد النظري البالغ 129 يومًا وبين ما تستطيع أنظمة التنبؤ الحالية تحقيقه.
ويرى الباحثون أن هذه الفجوة قد تكون مرتبطة جزئيًا بحدود الرصد والنمذجة، وليس فقط بالفوضى الطبيعية للغلاف الجوي.
لكن الدراسة لا تثبت إمكانية التنبؤ لأربعة أشهر
هذه النقطة ضرورية عند قراءة النتيجة.
الدراسة حساب نظري وليست تجربة تنبؤ ناجحة.
فالباحثون افترضوا أن النموذج المستخدم مثالي، وأن الحالة الابتدائية للغلاف الجوي معروفة بصورة مثالية، وأن سلوك اليابسة والمحيطات يمكن معرفته بدقة كاملة.
لكن هذه الشروط غير متوافرة في العالم الحقيقي.
كما أن تقدير الطاقة الكلية للغلاف الجوي نفسه يحمل قدرًا من عدم اليقين، إذ اعتمدت الدراسة في جزء منه على تقدير اجتهادي بدلًا من قياس مباشر نهائي.
وبالتالي، لا ينبغي التعامل مع رقم 129 يومًا على أنه «موعد انتهاء» التنبؤات الجوية، وإنما باعتباره سقفًا نظريًا مقترحًا يحتاج إلى اختبارات مستقلة.

المحيطات والفصول.. خارج نطاق الحساب
ركزت الدراسة على نوع محدد من التنبؤات، وهو التنبؤ الجوي الذي يحاول تحديد تفاصيل الطقس في يوم معين ومكان معين.
أما التنبؤات الموسمية، فتعمل وفق منطق مختلف إلى حد كبير.
فدرجات حرارة المحيطات، على سبيل المثال، تتغير ببطء ويمكن أن تحمل إشارات تمتد لفترات أطول.
ولهذا لم يدخل هذا النوع من التنبؤات في الحساب الأساسي للدراسة.
وهذا يعني أن الرقم النظري الذي توصل إليه الباحثون لا يمكن استخدامه لوصف جميع أنواع التنبؤات المناخية والموسمية.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير المعادلة؟
يرى الباحثون أن تجاوز الحدود العملية الحالية سيحتاج إلى تطور كبير في أجهزة الرصد والنماذج الحاسوبية.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي أحد الأدوات التي تساعد على ذلك.
لكن الذكاء الاصطناعي وحده لن يلغي مشكلة الفوضى الجوية أو نقص المعلومات الأولية.
فإذا كانت البيانات التي تبدأ منها النماذج غير دقيقة أو ناقصة، فإن النموذج الأكثر تطورًا سيظل يعمل من نقطة بداية غير مثالية.
لذلك فإن تحسين شبكة الرصد، ورفع دقة القياسات، وتحسين تمثيل العمليات الفيزيائية في النماذج، وتطوير أساليب حسابية جديدة، كلها عوامل قد تكون ضرورية معًا.
أربعـة أشهر.. حلم علمي أم حد فيزيائي؟
تطرح الدراسة سؤالًا مثيرًا حول ما إذا كانت حدود التنبؤ بالطقس التي نواجهها اليوم تعكس بالفعل حدود الغلاف الجوي، أم أنها تعكس جزئيًا حدود أدواتنا في القياس والحساب.
فالرقم البالغ 129 يومًا لا يعني أن العلماء حصلوا على نشرة جوية تمتد إلى أربعة أشهر، لكنه يشير إلى أن الفجوة بين ما نفعله اليوم وما قد يكون ممكنًا نظريًا ربما تكون أكبر مما كان يُعتقد.
وفي المقابل، فإن تحويل هذا الحد النظري إلى توقعات موثوقة يتطلب تقدمًا كبيرًا في الرصد والنمذجة والحوسبة.
لذلك تبقى أسبوعان تقريبًا هي الحدود العملية للتنبؤات اليومية المفيدة في الوقت الراهن، بينما تمثل الـ129 يومًا سؤالًا بحثيًا مفتوحًا أكثر منها وعدًا للمستقبل.
الدراسة الكاملة نُشرت في دورية Advances in Atmospheric Sciences.





