أخبارصحة الكوكب

ليس كل بروتين متساويًا.. الحرارة الشديدة تقلل إتاحة الأحماض الأمينية في الصويا

كمية البروتين لا تكفي للحكم على قيمته الغذائية.. دراسة تكشف دور المعالجة الحرارية

كشفت دراسة جديدة أن التعرض الشديد للحرارة قد يغيّر القيمة الغذائية الفعلية للبروتين، حتى عندما تظل كمية البروتين الإجمالية الموجودة في الغذاء متقاربة، بعدما أظهرت تجارب على بروتين الصويا أن المعالجة الحرارية القاسية جعلته أكثر صعوبة في الهضم، وخفضت كمية الأحماض الأمينية التي أصبحت متاحة في دم الفئران.

وتشير النتائج إلى أن قياس كمية البروتين الموجودة في الغذاء لا يكفي وحده لتحديد قيمته الغذائية، إذ يمكن للحرارة المرتفعة أن تغيّر البنية الكيميائية للبروتين وبعض أحماضه الأمينية، بما يؤثر في قدرة الجسم على الاستفادة منه.

الحرارة الشديدة تغيّر خصائص بروتين الصويا

ركز فريق بحثي بقيادة الدكتورة توموكو تي. أسائي من جامعة كيوتو اليابانية على عازل بروتين الصويا، وهو مكوّن غذائي مركز يحتوي على نسبة مرتفعة من البروتين.

وخلط الباحثون البروتين بالماء ثم عرّضوه لدرجة حرارة بلغت 121 درجة مئوية لمدة 20 دقيقة، وهي ظروف تحاكي بعض عمليات التعقيم الحراري مرتفعة الحرارة المستخدمة لإطالة مدة حفظ بعض الأغذية.

ونُشرت الدراسة في دورية npj Science of Food.

وبعد المعالجة، ظل محتوى البروتين من النيتروجين قريبًا من مستواه قبل التسخين، وهو مؤشر يستخدم عادة لتقدير إجمالي كمية البروتين.

لكن المفاجأة كانت أن كمية الأحماض الأمينية القابلة للاستخلاص انخفضت بنحو 10% بعد التسخين.

وتشير النتيجة إلى أن البروتين لم يختفِ ببساطة، وإنما تعرض لتغيرات كيميائية وبنيوية نتيجة الحرارة، ما قد يؤثر في قدرة الجهاز الهضمي على تفكيكه والاستفادة من مكوناته.

الحرارة الشديدة تغيّر خصائص بروتين الصويا
الحرارة الشديدة تغيّر خصائص بروتين الصويا

تغيرات كيميائية بعد التسخين

أظهرت التحاليل المخبرية أن البروتين تعرض لعدد من التغيرات الكيميائية بعد المعالجة الحرارية.

كما رصد الباحثون تغيرات في بعض السكريات والأمونيا، وهي مؤشرات على حدوث تفاعلات كيميائية مرتبطة بالتعرض الشديد للحرارة.

ومع ذلك، لم يتمكن الفريق من تحديد جميع المركبات الجديدة التي تشكلت نتيجة هذه التفاعلات، وبالتالي لا يمكن الجزم حتى الآن بأي تغير كيميائي محدد كان المسؤول بصورة مباشرة عن انخفاض إتاحة الأحماض الأمينية.

البروتين أصبح أكثر مقاومة للهضم

اختبر الباحثون بعد ذلك قدرة الإنزيمات الهاضمة على تفكيك بروتين الصويا المعالج حراريًا مقارنة بالبروتين غير المعالج.

وأصبح بروتين الصويا غير المسخن قابلًا للذوبان بالكامل خلال عملية الهضم التجريبية، بينما ترك البروتين الذي تعرض للحرارة نحو 53 مليجرامًا من المواد غير القابلة للذوبان لكل جرام من بروتين الصويا، وكانت هذه المواد لا تزال تحتوي على بروتين.

كما أنتج البروتين المعالج حراريًا كمية أكبر من أجزاء بروتينية صغيرة قاومت المزيد من التفكيك بواسطة إنزيمات هاضمة إضافية.

وهذا يعني أن بعض الأحماض الأمينية ظلت موجودة بالفعل داخل البروتين، لكنها أصبحت محاطة أو مرتبطة بمواد يصعب على الإنزيمات الهاضمة تفكيكها بكفاءة.

بروتين الصويا تحت تأثير الحرارة الشديدة داخل مختبر
بروتين الصويا تحت تأثير الحرارة الشديدة داخل مختبر

انخفاض الأحماض الأمينية في دم الفئران

للتحقق من تأثير هذه التغيرات داخل الجسم، أعطى الباحثون فئرانًا ذكورًا تبلغ من العمر 12 أسبوعًا جرعة واحدة من بروتين الصويا المعالج حراريًا أو غير المعالج، بعد صيام استمر 18 ساعة.

وجمع الباحثون عينات دم بعد 30 و60 و120 دقيقة من تناول البروتين.

وأظهرت النتائج انخفاض مستويات عدد من الأحماض الأمينية في دم الفئران التي تناولت بروتين الصويا المعالج بالحرارة.

وبحلول مرور 120 دقيقة، كان إجمالي الأحماض الأمينية الحرة في الدم أقل أيضًا مقارنة بالفئران التي تناولت البروتين غير المعالج.

وتشير هذه النتائج إلى أن التعرض الشديد للحرارة أدى، في هذه التجربة، إلى تقليل كمية الأحماض الأمينية التي أصبحت متاحة في مجرى الدم.

لكن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد ما إذا كان هذا الانخفاض ناتجًا بشكل أساسي عن ضعف عملية الهضم، أو انخفاض الامتصاص، أو تغيرات حدثت بعد امتصاص الأحماض الأمينية، أو مجموعة من هذه العوامل.

تغير محدود في السلوك الاجتماعي

لم يقتصر البحث على قياس هضم البروتين، إذ أراد الفريق معرفة ما إذا كان تناول البروتين المعالج حراريًا لفترة أطول قد يرتبط بتغيرات أخرى لدى الفئران.

ولمدة ستة أسابيع، تناولت فئران ذكور صغيرة أنظمة غذائية تحتوي على بروتين الصويا المعالج حراريًا أو غير المعالج، باعتباره مصدر البروتين الوحيد.

ولم تظهر فروق واضحة في معدل زيادة الوزن بين المجموعتين، كما لم يجد الباحثون فروقًا واضحة في اختبارات السلوك الشبيه بالقلق أو القدرة على التعرف على جسم جديد.

لكن ظهر اختلاف في أحد اختبارات السلوك الاجتماعي.

فقد أظهرت المجموعتان اهتمامًا بالوجود بالقرب من فأر آخر مقارنة بقفص فارغ، ما يشير إلى استمرار الاهتمام الأساسي بالتواصل الاجتماعي.

وعند تقديم فأر غريب جديد، أظهرت الفئران التي تناولت بروتين الصويا غير المعالج تفضيلًا للفأر الجديد، بينما لم يظهر هذا التفضيل بالوضوح نفسه لدى الفئران التي تناولت البروتين المعالج حراريًا.

التعرض الشديد للحرارة قد يغيّر القيمة الغذائية الفعلية للبروتين
التعرض الشديد للحرارة قد يغيّر القيمة الغذائية الفعلية للبروتين

السيروتونين يقدم خيطًا محتملًا

قاس الباحثون أيضًا مستويات السيروتونين، وهو ناقل كيميائي يشارك في عدد من وظائف الجسم.

وأظهرت الفئران التي تناولت بروتين الصويا المعالج حراريًا مستويات من السيروتونين في الدم تعادل تقريبًا نصف مستويات المجموعة المقارنة.

وفي المقابل، لم تختلف مستويات التربتوفان أثناء الصيام بصورة واضحة بين المجموعتين، وهو أمر مهم لأن التربتوفان أحد الأحماض الأمينية التي يستخدمها الجسم في إنتاج السيروتونين.

كما لم يجد الباحثون اختلافًا في إجمالي مستويات السيروتونين المقاسة في الدماغ.

وبناءً على ذلك، لم تقدم الدراسة دليلًا على حدوث انخفاض عام في مستوى السيروتونين داخل الدماغ.

وطرح الباحثون احتمال أن تكون أجزاء البروتين التي تغيرت بفعل الحرارة، أو مواد ناتجة عن تعامل ميكروبات الأمعاء معها، قد أثرت في إنتاج السيروتونين داخل الأمعاء.

لكن هذا التفسير لا يزال افتراضًا يحتاج إلى مزيد من البحث، إذ لم تقس الدراسة بصورة مباشرة ميكروبات الأمعاء أو الخلايا المعوية المنتجة للسيروتونين أو أجزاء محددة من الدماغ.

ماذا تعني النتائج للغذاء والتغذية؟

تسلط الدراسة الضوء على نقطة مهمة في علوم الغذاء والتغذية: وجود كمية معينة من البروتين في الغذاء لا يعني بالضرورة أن الجسم يستطيع الاستفادة من هذه الكمية بالكامل.

فالقيمة الغذائية للبروتين ترتبط بقدرته على الوصول إلى الجهاز الهضمي ثم تفكيكه إلى أحماض أمينية يمكن امتصاصها والاستفادة منها.

وبحسب الدراسة، فإن التعرض الشديد للحرارة يمكن أن يغير البنية الكيميائية للبروتين ويجعله أكثر مقاومة لعملية الهضم، وهو ما قد يقلل إتاحة بعض مكوناته الغذائية.

لكن النتائج لا تعني أن طهي الصويا ضار، ولا أن الأغذية المعالجة حراريًا تؤدي إلى تغيرات سلوكية لدى البشر.

فالتجربة استخدمت نوعًا محددًا من بروتين الصويا، ودرجة حرارة شديدة، كما أجريت أجزاء مهمة من الدراسة على أعداد صغيرة من الفئران الذكور.

كذلك، لا يمكن من هذه النتائج وحدها معرفة ما إذا كانت التأثيرات نفسها تحدث في الإنسان أو عند استخدام درجات حرارة وأزمنة معالجة مختلفة.

“البروتين الجديد”
وجود كمية معينة من البروتين في الغذاء لا يعني بالضرورة أن الجسم يستطيع الاستفادة من هذه الكمية بالكامل

وقال الباحثون إن النتائج تشير إلى أن تقييم القيمة الغذائية للأغذية يحتاج إلى النظر ليس فقط إلى كمية البروتين الموجودة فيها، ولكن أيضًا إلى مدى توافر هذا البروتين وقدرة الجسم على هضمه والاستفادة من أحماضه الأمينية.

وتدعو النتائج إلى إجراء دراسات إضافية لتحديد المركبات البروتينية التي تغيرت بفعل الحرارة، وفهم تأثير هذه التغيرات بصورة أكثر دقة، ومعرفة ما إذا كانت الظروف المختلفة لمعالجة الأغذية تؤدي إلى نتائج مشابهة لدى الإنسان.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة