أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الجفاف لم يعد ينتهي قبل الفيضان.. تغير المناخ يضغط على العالم بفواصل زمنية أقصر

من الجفاف إلى الفيضان في أسابيع.. تغير المناخ يسرّع «التقلب الهيدرولوجي»

دراسة تكشف تقلص الفاصل بين الظواهر المتطرفة مع ارتفاع الحرارة.. والمجتمعات منخفضة الدخل تواجه أسرع زيادة نسبية في التعرض للمخاطر

لم يعد تغير المناخ يعني فقط مزيدًا من موجات الجفاف أو الفيضانات كل على حدة، بل يبدو أنه يدفع بعض المناطق نحو نمط أكثر تعقيدًا وخطورة، يتمثل في التعاقب السريع بين الجفاف والفيضانات، بحيث لا تحصل المجتمعات على وقت كافٍ للتعافي من كارثة قبل أن تواجه الأخرى.

وكشفت دراسة جديدة أجريت على الصين أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية يمكن أن يؤدي إلى تقلص الفاصل الزمني بين موجات الجفاف والفيضانات المتعاقبة، مع زيادة تواتر هذه الأحداث واتساع نطاق المناطق المتأثرة بها.

والأكثر إثارة للقلق أن أعباء هذا التغير لن تتوزع بالتساوي؛ فبينما تسجل المناطق الغنية أكبر حجم مطلق من التعرض بسبب ارتفاع عدد السكان وقيمة النشاط الاقتصادي فيها، تواجه الفئات منخفضة الدخل أسرع زيادة نسبية في تعرضها للمخاطر البشرية والاقتصادية.

ونُشرت الدراسة في دورية PNAS Nexus.

عندما يأتي الفيضان قبل انتهاء آثار الجفاف

ركزت غالبية الدراسات التقليدية للمخاطر المناخية على الجفاف والفيضانات باعتبارهما خطرين منفصلين.

لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا.

فالمجتمع الذي يتعرض لجفاف شديد ثم يواجه فيضانًا قبل أن يتمكن من استعادة موارده الزراعية والمائية والاقتصادية، يواجه سلسلة من الأضرار المتراكمة تختلف عن تأثير أي من الظاهرتين بمفردها.

وقد تؤدي هذه التحولات السريعة إلى إجهاد المحاصيل، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وتضرر البنية التحتية، وتقليص قدرة الأسر والمؤسسات على الاستعداد للكارثة التالية.

وتطلق الأبحاث على هذه الظاهرة مفهوم «التقلب الهيدرولوجي»، في إشارة إلى الانتقال السريع بين حالتين متطرفتين من الجفاف والرطوبة.

تقلص الفاصل بين الظواهر المتطرفة مع ارتفاع الحرارة
تقلص الفاصل بين الظواهر المتطرفة مع ارتفاع الحرارة

ثلاثة أنماط للظواهر المتعاقبة

درس فريق البحث، بقيادة وي تشي وبمشاركة باحثين من جامعة قوانغدونغ للتكنولوجيا، ومعهد الصين لموارد المياه وأبحاث الطاقة الكهرومائية، ومعهد نانجينغ للبحوث الهيدروليكية، ثلاثة أنماط رئيسية:

  • التعاقب بين الجفاف والفيضانات بصورة عامة
  • الانتقال من الجفاف إلى الفيضان
  • الانتقال من الفيضان إلى الجفاف

وتم تحليل كيفية تغير هذه الظواهر مع ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض من 1.5 درجة مئوية إلى 4.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

الفاصل بين الجفاف والفيضان يتقلص

أظهرت النتائج أن الفترة الزمنية الفاصلة بين الظواهر المتطرفة تتراجع مع ارتفاع درجات الحرارة.

ففي الظروف المناخية التاريخية، كان متوسط الفترة بين الجفاف والفيضان التالي، أو بين الفيضان والجفاف الذي يليه، يزيد قليلًا على 30 يومًا.

لكن عند سيناريو ارتفاع الحرارة بمقدار 4.5 درجة مئوية، انخفض متوسط الفاصل إلى نحو 24 يومًا.

ووفقًا للتحليل، تراجع الفاصل الزمني بنحو 1.44% مقابل كل زيادة إضافية قدرها 0.5 درجة مئوية في الاحترار.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية كبيرة لأن الأيام الفاصلة بين الكوارث ليست مجرد فترة زمنية على التقويم، بل تمثل نافذة للتعافي وإعادة بناء المخزونات الزراعية والمائية وإصلاح البنية التحتية والاستعداد للحدث التالي.

كلما تقلصت هذه النافذة، أصبح التعافي أكثر صعوبة.

الظواهر تصبح أكثر تكرارًا واتساعًا

لم يقتصر تأثير ارتفاع الحرارة على تقليص الفاصل الزمني بين الظواهر المتطرفة.

فقد وجد الباحثون أن معدل تكرار أحداث التعاقب بين الجفاف والفيضانات يرتفع بمتوسط 10.09% مقابل كل زيادة قدرها 0.5 درجة مئوية في الاحترار.

كما زادت مساحة المناطق المتأثرة بهذه الأحداث بمتوسط بلغ 9.22% لكل 0.5 درجة مئوية إضافية من الاحترار.

وكان الانتقال من الجفاف إلى الفيضان هو الأكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة بين الأنماط الثلاثة التي درستها الأبحاث، بينما استجاب الانتقال من الفيضان إلى الجفاف بصورة أكثر تدريجية.

وهذا يعني أن الاحترار لا يغيّر فقط شدة بعض الظواهر المتطرفة، وإنما قد يغيّر أيضًا السرعة التي تنتقل بها المناطق من حالة مناخية متطرفة إلى أخرى.

زيادة الاحترار قد تعني ليس فقط مزيدًا من الظواهر المتطرفة، وإنما وقتًا أقل للاستعداد والتعافي بينها.

الصين أمام بؤر ساخنة للمخاطر

ظهرت حوض نهر اليانغتسي وسهل شمال الصين باعتبارهما من أبرز بؤر الخطر في الدراسة.

وتتميز المنطقتان بكثافة سكانية مرتفعة وأهمية اقتصادية وزراعية كبيرة، ما يجعل تعرضهما المتزايد لهذه التقلبات المناخية ذا تداعيات تتجاوز الخسائر المحلية.

وتزداد خطورة الأمر عندما تحدث الظواهر المتطرفة بصورة متقاربة، لأن الأضرار الناتجة عن الحدث الأول يمكن أن تجعل السكان والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية أكثر هشاشة أمام الحدث الثاني.

27.4 تريليون دولار معرضة للتعرض

تظهر أهمية الخطر أيضًا عند النظر إلى الجانب الاقتصادي.

فقد ارتفع حجم الناتج المحلي الإجمالي المعرض لأحداث التعاقب بين الجفاف والفيضانات من نحو 9 تريليونات دولار في الظروف التاريخية إلى حوالي 27.4 تريليون دولار عند ارتفاع الحرارة إلى 4.5 درجة مئوية، وفق تقديرات الدراسة.

ولا يعني ذلك أن هذه القيمة ستتحول بالضرورة إلى خسائر مالية، وإنما تشير إلى حجم النشاط الاقتصادي الموجود في المناطق المعرضة لهذه الظواهر.

لكن ارتفاع قيمة الأصول والنشاط الاقتصادي الواقع ضمن نطاق الخطر يعني أيضًا أن أي زيادة في تواتر الأحداث أو اتساع نطاقها يمكن أن تكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة.

الفقراء يواجهون الزيادة النسبية الأكبر

تكشف الدراسة عن جانب آخر يتعلق بـ العدالة المناخية.

فالمناطق الأكثر ثراءً وتطورًا اقتصاديًا قد تسجل أعلى مستويات التعرض المطلق، نتيجة تركّز السكان والثروة والأصول الاقتصادية فيها.

لكن عند قياس التغير النسبي في التعرض وفق مستويات الدخل، تظهر صورة مختلفة.

إذ وجد الباحثون أن السكان منخفضي الدخل يواجهون أكبر الزيادات النسبية في التعرض لهذه التقلبات الهيدرولوجية السريعة، سواء من الناحية البشرية أو الاقتصادية.

وهذا فارق مهم؛ لأن حجم التعرض المطلق لا يعكس بالضرورة قدرة المجتمع على تحمل الصدمة.

فالمجتمعات التي تمتلك موارد مالية ومؤسسات وبنية تحتية أكثر قدرة على الاستجابة يمكنها، في بعض الحالات، تحمل خسائر أكبر وإعادة بناء ما تضرر بسرعة أكبر.

أما المجتمعات الأقل دخلًا، فقد يؤدي تكرار الكوارث في فترات زمنية قصيرة إلى استنزاف قدرتها على التعافي قبل وصول الكارثة التالية.

بعد فيضانات العام الماضي.. كارثة جديدة تضرب نيبال والتبت وتحذيرات من فيضان ثانٍ
المشكلة ليست في الكارثة فقط.. بل في ضيق الوقت بينها

المشكلة ليست في الكارثة فقط.. بل في ضيق الوقت بينها

تضع النتائج مفهومًا جديدًا نسبيًا للمخاطر المناخية في دائرة الاهتمام: الوقت المتاح بين الكوارث نفسه أصبح عامل خطر.

فعندما يضرب الجفاف منطقة ثم يتبعه الفيضان خلال فترة قصيرة، لا يحصل المزارعون أو الأسر أو السلطات المحلية على الوقت الكافي لاستعادة قدرتهم على العمل.

وقد يكون المحصول لا يزال متضررًا من نقص المياه عندما تضرب السيول، أو قد تكون شبكات المياه والبنية التحتية لم تُصلح بالكامل قبل أن تواجه المنطقة موجة جفاف جديدة.

وبذلك تتحول الظواهر المتطرفة المنفصلة إلى سلسلة متصلة من الضغوط.

تحدٍ جديد أمام التكيف المناخي

تشير النتائج إلى ضرورة إعادة التفكير في خطط إدارة الكوارث التي تتعامل مع كل خطر على حدة.

فخطط مواجهة الجفاف وحدها، أو خطط التعامل مع الفيضانات وحدها، قد لا تكون كافية في المناطق التي تزداد فيها سرعة الانتقال بين الظاهرتين.

وتحتاج استراتيجيات التكيف إلى الاستعداد ليس فقط للفيضان أو الجفاف، وإنما لعملية الانتقال نفسها بين الحالتين.

ويشمل ذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز قدرة البنية التحتية على التعامل مع ظروف متباينة خلال فترات زمنية قصيرة، إلى جانب بناء قدرة المجتمعات الأكثر هشاشة على التعافي.

تحذير يتجاوز حدود الصين

ورغم أن الدراسة ركزت على الصين، فإن القضية التي تطرحها تتجاوز حدودها.

فكلما ارتفعت درجات الحرارة العالمية، يصبح تقليص الفترات الفاصلة بين الظواهر المناخية المتطرفة عاملًا مهمًا في تحديد حجم المخاطر المستقبلية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للدول والمناطق التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة أو الموارد المائية، أو التي تمتلك قدرات محدودة على تمويل إعادة الإعمار والتكيف.

وتشير الدراسة إلى أن زيادة الاحترار قد تعني ليس فقط مزيدًا من الظواهر المتطرفة، وإنما وقتًا أقل للاستعداد والتعافي بينها.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج تغير المناخ: أن المشكلة قد لا تكون في شدة الكارثة وحدها، بل في أن الكارثة التالية قد تصل قبل أن ينتهي العالم من التعامل مع الأولى.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة