الأسمنت بالكهرباء بدل الوقود الأحفوري.. تقنية بلازما تصنعه في ثوانٍ
الأسمنت الأخضر يقترب.. بلازما كهربائية تستبدل لهب الوقود الأحفوري
الأسمنت موجود في الأرصفة والبيوت والجسور والطرق حول العالم، لكن صناعته واحدة من أكثر العمليات الصناعية استهلاكًا للطاقة وإطلاقًا لثاني أكسيد الكربون.
ولأكثر من قرنين، اعتمد إنتاج الأسمنت بصورة أساسية على أفران ضخمة تحرق الوقود لتوفير الحرارة اللازمة لتحويل الحجر الجيري والطين إلى مادة وسيطة تسمى «الكلنكر».
لكن باحثين في جامعة ستانفورد اختبروا مسارًا مختلفًا جذريًا: استبدال اللهب الناتج عن الوقود الأحفوري بـالكهرباء والبلازما.
وفي التجارب الأولية، تمكن الفريق من تسخين المواد الخام مباشرة إلى درجات حرارة مرتفعة للغاية، وإتمام عملية إنتاج الكلنكر في ثوانٍ بدلًا من الزمن المطلوب بالطريقة التقليدية.
والمفاجأة أن الأسمنت الناتج أظهر أيضًا قوة أعلى من الأسمنت التقليدي في الاختبارات الأولية، وهي خاصية لم تكن الهدف الأساسي من التجربة.
الأسمنت.. صناعة ضخمة وانبعاثات هائلة
تُطلق صناعة الأسمنت أكثر من 1.1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وفق الأرقام الواردة في المادة، وهو ما يقارب 8% من إجمالي الانبعاثات العالمية.
ويرجع جزء من هذه الانبعاثات إلى الطاقة اللازمة لتسخين المواد الخام، لكن هناك مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا:
الحجر الجيري نفسه يطلق ثاني أكسيد الكربون أثناء تحوله كيميائيًا.
وهذا يعني أن استبدال الوقود الأحفوري بالكهرباء لن يقضي بمفرده على جميع انبعاثات صناعة الأسمنت.
وهذه النقطة تحديدًا ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة التقنية الجديدة على تحويل الصناعة إلى قطاع منخفض الكربون.

البلازما بدل لهب الفرن
في الطريقة التقليدية، يتم تسخين الحجر الجيري والطين ومكونات أخرى داخل أفران تصل حرارتها إلى نحو 1400 درجة مئوية.
وتؤدي الحرارة إلى اندماج المواد وتكوين حبيبات الكلنكر، التي تُطحن بعد ذلك لإنتاج مسحوق الأسمنت الرمادي المعروف باسم أسمنت بورتلاند العادي (OPC).
لكن المشكلة أن قدرًا كبيرًا من الحرارة التي ينتجها الفرن لا يصل مباشرة إلى المادة الخام.
فالوقود يسخن الهواء داخل الفرن، ثم يقوم الهواء بنقل الحرارة إلى الصخور والمواد الأخرى.
ويضيف ذلك مراحل وسيطة وفاقدًا حراريًا كبيرًا.
الحل: تسخين المادة مباشرة
عمل تشي تشنغ (Qi Zheng)، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة ستانفورد، مع عالم المواد يي كوي (Yi Cui) والمهندس المدني باولو مونتيرو (Paolo Monteiro)، على طريقة مختلفة لتسخين المواد نفسها.
فعندما تمر كمية كافية من الكهرباء عبر غاز، يمكن أن يتحول الغاز إلى حالة من المادة تحتوي على جسيمات مشحونة قادرة على حمل التيار الكهربائي، وهي الحالة المعروفة باسم البلازما.
واستخدم الباحثون هذه البلازما لتوفير حرارة مباشرة للمواد الخام.
ووصلت درجة الحرارة في التجارب إلى أكثر من 2400 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 1000 درجة مئوية تقريبًا من درجة حرارة الفرن التقليدي.
لكن ارتفاع الحرارة ليس النقطة الأهم.
فالميزة الأساسية هي أن الحرارة تصل مباشرة إلى المادة بدلًا من الاعتماد على سلسلة من عمليات نقل الحرارة.
كفاءة حرارية تقترب من 80%
بحسب النتائج الأولية، تستخدم المنشآت التقليدية نحو 30% إلى 40% من الحرارة المنتجة فعليًا في عملية التسخين، بينما وصلت الاستفادة من الحرارة في التجارب الجديدة إلى نحو 80%.
كما استغرقت عملية دمج المواد الخام وتكوين الكلنكر ثوانٍ فقط، أي أسرع بنحو 100 مرة تقريبًا من العملية التقليدية وفق المقارنة التي قدمها الباحثون.
وهذا يفتح احتمالًا مهمًا لصناعة الأسمنت:
بدلًا من استخدام وقود لإنتاج الحرارة ثم نقلها عبر الهواء إلى المواد، يمكن استخدام الكهرباء لإيصال الطاقة الحرارية مباشرة إلى المادة الخام.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن مصانع الأسمنت تستطيع حاليًا استبدال أفرانها بهذه التقنية؛ فالتجارب لا تزال في نطاق المختبر.
المفاجأة: الأسمنت أصبح أقوى
كان الهدف الأساسي من التجربة هو تغيير طريقة التسخين وتقليل الفاقد والانبعاثات.
لكن عند فحص الكلنكر الناتج تحت المجهر الإلكتروني، اكتشف الباحثون أنه يحتوي على عدد كبير من العيوب المجهرية على مستوى البلورات.
وقد تكون هذه العيوب أحد أسباب سرعة تفاعل الأسمنت مع الماء، وبالتالي تغير طريقة تصلبه.
وفي الاختبارات الأولية، أدى ذلك إلى إنتاج أسمنت أظهر قوة ضغط أعلى من الأسمنت التقليدي.
وتقيس قوة الضغط قدرة المادة على تحمل الأحمال قبل أن تبدأ في الانهيار أو السحق.
عيوب بلورية.. لكنها مفيدة؟
المفارقة أن العيوب التي تبدو للوهلة الأولى نقطة ضعف في المادة قد تكون في هذه الحالة جزءًا من سبب أدائها الأفضل.
وقال تشنغ إن الباحثين فوجئوا بوفرة هذه العيوب مقارنة بأسمنت بورتلاند العادي، مرجحًا أن ظروف التسخين والتبريد شديدة السرعة أدت إلى تكوين بنية مختلفة للكلنكر.
لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن بشكل كامل:
ما أنواع العيوب البلورية التي تتكون؟
- كم عددها؟
- كيف تتوزع؟
وما تأثير كل نوع منها على تفاعل الأسمنت مع الماء وقوته النهائية؟
ولهذا استخدم الفريق تقنيات متعددة لفهم البنية المجهرية للمادة، من بينها الأشعة السينية الصادرة عن مسرع للجسيمات، إلى جانب المجهر الإلكتروني الذي يسمح بمراقبة التفاعلات أثناء حدوثها.
تحويل مخلفات الخرسانة إلى أسمنت جديد
لم يتوقف الباحثون عند المواد الخام التقليدية.
فقد اختبروا التقنية أيضًا باستخدام مخلفات الخرسانة القديمة القادمة من عمليات إعادة التدوير.
والنتيجة كانت الحصول على كلنكر استوفى مواصفات المنتج القياسي، كما حقق قوة ضغط مماثلة للأسمنت التجاري في الاختبارات التي أجريت.
وهذه النتيجة مهمة من زاوية أخرى، لأنها تربط بين إزالة الكربون والاقتصاد الدائري في قطاع البناء.
فبدلًا من أن تتحول الخرسانة القديمة إلى مخلفات، يمكن إعادة إدخال الأسمنت الموجود فيها في دورة إنتاج جديدة.
لكن استخدام مخلفات حقيقية على نطاق صناعي يمثل تحديًا مختلفًا تمامًا عن استخدام عينات محضرة داخل المختبر.
فالمخلفات الواقعية تختلف في:
- تركيبها الكيميائي،
- مستوى التلوث والشوائب،
- تاريخ استخدامها ومعالجتها،
- ونوعية المواد الداخلة في الخليط.
ولهذا بدأ الفريق العمل مع منشآت إعادة تدوير قريبة لاختبار عينات أكثر تنوعًا من المخلفات الحقيقية.
الكهرباء النظيفة شرط أساسي
رغم أن التقنية تستبدل الوقود الأحفوري بالكهرباء، فإن هذا لا يعني تلقائيًا أن الأسمنت الناتج سيكون منخفض الكربون.
فالنتيجة المناخية تعتمد بدرجة كبيرة على مصدر الكهرباء المستخدمة.
إذا جاءت الكهرباء من الفحم أو الغاز، فقد تنتقل الانبعاثات من الفرن إلى محطة توليد الكهرباء بدلًا من اختفائها.
أما إذا استُخدمت كهرباء منخفضة الكربون من الطاقة الشمسية أو الرياح أو مصادر أخرى منخفضة الانبعاثات، فقد تصبح فائدة التحول الكهربائي أكبر بكثير.
لكن هناك مشكلة لا تحلها الكهرباء وحدها.
نصف الانبعاثات تقريبًا لا يأتي من اللهب
وفق الأرقام التي أوردتها المادة، يرتبط نحو 34% من انبعاثات صناعة الأسمنت بحرق الوقود لتوفير الحرارة.
أما نحو 51% فيأتي من التفاعل الكيميائي نفسه، عندما يتحلل الحجر الجيري ويطلق ثاني أكسيد الكربون.
وهنا تظهر حدود التقنية الجديدة بوضوح.
فالكهرباء يمكنها أن تستبدل الجزء المرتبط بالاحتراق الحراري، لكنها لا توقف تلقائيًا ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تحلل الحجر الجيري.
وبالتالي، فإن الوصول إلى أسمنت منخفض الانبعاثات بدرجة كبيرة قد يحتاج إلى الجمع بين الكهرباء منخفضة الكربون وتقنيات أخرى، مثل التقاط ثاني أكسيد الكربون الناتج من العملية الكيميائية، أو استخدام مواد خام وتركيبات أسمنتية تقلل الاعتماد على الكلنكر.
من المختبر إلى المصنع.. الطريق ما زال طويلًا
رغم النتائج اللافتة، فإن التقنية لم تصل بعد إلى مرحلة يمكن عندها القول إن أفران الأسمنت التقليدية أصبحت على وشك الاختفاء.
فالباحثون لم يثبتوا حتى الآن تشغيل العملية على نطاق صناعي.
ويحتاج الفريق أولًا إلى إثبات إمكانية تشغيلها بصورة موثوقة عند مستوى طن واحد، ثم التوسع لاحقًا إلى كيلوطن.
كما يجب تصميم المعدات التي تستطيع:
- إدخال المواد الخام بصورة مستمرة،
- التحكم في الحرارة والبلازما،
- التعامل مع كميات كبيرة من المواد،
- الحفاظ على جودة ثابتة للمنتج،
- والتوافق مع البنية التحتية القائمة في مصانع الأسمنت.
والأهم هو معرفة كمية الكهرباء التي سيحتاج إليها إنتاج طن من الأسمنت عند التوسع إلى نطاق صناعي، وما إذا كانت تكلفة الكهرباء ستجعل المنتج منافسًا اقتصاديًا.
لا توجد ورقة علمية محكمة حتى الآن
وهنا توجد نقطة مهمة يجب الانتباه إليها.
فالنتائج التي عرضها تشنغ جاءت في اجتماع الخريف للجمعية الكيميائية الأمريكية ACS Fall 2026 في شيكاغو.
وحتى وقت نشر المادة، لم تُنشر الدراسة الكاملة في دورية علمية محكمة.
كما أن كثيرًا من الأرقام المتعلقة بزيادة قوة الأسمنت أو استهلاك الكهرباء والتكلفة الصناعية لم تُعلن بصورة تفصيلية.
لذلك ينبغي التعامل مع التقنية باعتبارها نتيجة بحثية واعدة في مرحلة مبكرة، وليست تقنية صناعية مثبتة يمكن تطبيقها على نطاق واسع في الوقت الحالي.
هل يمكن أن تغير الكهرباء مستقبل صناعة الأسمنت؟
إذا أثبتت التجارب المستقبلية إمكانية توسيع العملية اقتصاديًا وتشغيليًا، فقد تقدم البلازما الكهربائية مسارًا جديدًا لصناعة واحدة من أصعب الصناعات في خفض انبعاثاتها.
فالتقنية تجمع بين عدة مزايا محتملة في وقت واحد: تسخين مباشر، كفاءة حرارية أعلى، سرعة كبيرة في إنتاج الكلنكر، إمكانية استخدام مخلفات الخرسانة، وربما تحسين بعض الخصائص الميكانيكية للأسمنت.
لكن الطريق إلى «أسمنت منخفض الكربون» لا يعتمد على الكهرباء وحدها.
فالجزء الكيميائي من الانبعاثات يظل قائمًا، كما أن نجاح التقنية سيتوقف على سعر الكهرباء ومصدرها، وعلى قدرة الباحثين على تشغيل العملية بكميات ضخمة وبجودة مستقرة.
وبالتالي، فإن الإنجاز الحالي لا يعني أن الأسمنت أصبح أخضر بالفعل، لكنه يقدم أحد المسارات البحثية المثيرة للاهتمام لتحويل صناعة تعتمد تاريخيًا على اللهب والوقود الأحفوري إلى عملية يمكن تشغيل حرارتها بالكهرباء.
والخطوة الحاسمة الآن هي الانتقال من ثوانٍ داخل المختبر إلى تشغيل مستمر بالأطنان داخل مصنع حقيقي.





