أخبارالاقتصاد الأخضرصحة الكوكب

تغير المناخ يهدد صناعة الدواء.. الحرارة والجفاف والفيضانات تضرب سلاسل الإمداد

الدواء قد يتأخر بسبب المناخ.. تحذيرات من ضربات الطقس المتطرف لسلاسل الإمداد العالمية

لم يعد تغير المناخ بالنسبة إلى شركات الأدوية مجرد ملف مرتبط بالاستدامة وخفض الانبعاثات، بل يتحول بصورة متسارعة إلى تحدٍ مباشر لاستمرارية الأعمال وقدرة الصناعة على تصنيع الأدوية ونقلها وتخزينها وتسليمها إلى المرضى.

وتحذر تحليلات حديثة من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الطقس المتطرف ونقص المياه يمكن أن يفرض ضغوطًا متزايدة على واحدة من أكثر سلاسل الإمداد تعقيدًا وتنظيمًا في العالم، بما قد ينعكس في النهاية على توافر الأدوية واستقرار الأنظمة الصحية ونتائج الرعاية الصحية للمرضى.

وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة BSI ضمن تقريرها لعام 2026 حول توجهات مجموعة السبع، فإن 87% من مؤسسات صناعة الأدوية التي شملها المسح تتوقع زيادة الاضطرابات المرتبطة بالمناخ في سلاسل إمدادها خلال السنوات المقبلة.

ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة في قطاع يعتمد بصورة كبيرة على الاستقرار والدقة والقدرة على ضمان الجودة وسلامة المرضى في كل مرحلة من مراحل إنتاج الدواء.

سلسلة إمداد شديدة التعقيد أمام مخاطر جديدة

تمتد سلسلة إمداد صناعة الأدوية من الحصول على المواد الخام والمكونات والمواد الفعالة، مرورًا بعمليات التصنيع والتعبئة والتخزين، وصولًا إلى النقل والتوزيع.

ويعتمد كل جزء من هذه السلسلة على توافر البنية التحتية والمياه والطاقة ووسائل النقل وظروف التخزين المناسبة، وهي عناصر أصبحت جميعها أكثر تعرضًا لتأثيرات تغير المناخ.

وتستطيع موجات الحرارة الشديدة والعواصف والفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة تعطيل مصانع الأدوية والبنية التحتية الحيوية وطرق النقل، ما قد يؤدي إلى تأخير وصول المواد الخام أو المنتجات النهائية.

كما أن الحصول على مياه عالية الجودة يمثل عنصرًا أساسيًا في العديد من عمليات تصنيع الأدوية، بينما تتعرض الأحواض المائية في عدد متزايد من المناطق عالية المخاطر لضغوط متنامية بسبب ندرة المياه وتغير أنماط هطول الأمطار.

وبالتالي، فإن الجفاف لا يمثل مشكلة بيئية فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة صناعية واقتصادية وصحية عندما يؤثر في قدرة المصانع على مواصلة عمليات الإنتاج.

الحرارة الشديدة

الحرارة تهدد استقرار الأدوية أثناء التخزين والنقل

ويمثل ارتفاع درجات الحرارة خطرًا إضافيًا على الأدوية الحساسة للحرارة، خاصة خلال مراحل التخزين والنقل.

وتزداد أهمية هذه المشكلة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التي تتعرض بصورة متكررة لموجات حرارة أكثر شدة، إذ قد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة صعوبة الحفاظ على الظروف المطلوبة لتخزين ونقل بعض المنتجات الدوائية.

ولا يقتصر الأمر على مصانع الأدوية، فالسلسلة تمتد إلى المستودعات ومراكز التوزيع ووسائل النقل والمنشآت الصحية، ما يعني أن أي نقطة ضعف في سلسلة التبريد أو ظروف التخزين يمكن أن تؤثر في المنتج قبل وصوله إلى المريض.

وتشير التحليلات إلى أن تأثير تغير المناخ على استقرار الأدوية لم ينعكس حتى الآن بالقدر الكافي في عمليات التصميم البيئي وتطوير العلاجات الجديدة.

وهذا يفتح بابًا جديدًا أمام صناعة الدواء يتمثل في ضرورة النظر إلى التأثيرات المناخية ليس فقط باعتبارها مشكلة تشغيلية، وإنما كعامل ينبغي إدراجه منذ مراحل تصميم وتطوير المنتجات الدوائية.

الفيضانات والجفاف يهددان وصول الدواء

يمكن للفيضانات والجفاف وغيرهما من الظواهر الجوية القاسية أن تضخم نقاط الضعف الموجودة بالفعل في سلاسل الإمداد.

فإغلاق الطرق أو تضرر الموانئ والمنشآت اللوجستية أو توقف المصانع يمكن أن يؤدي إلى تأخير شحن المواد الخام أو الأدوية الجاهزة، بينما قد يؤدي تكرار الاضطرابات إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة حالة عدم اليقين بالنسبة إلى شركات الأدوية والأنظمة الصحية.

وفي الحالات الأكثر خطورة، يمكن أن تتحول الاضطرابات المناخية إلى تأخير في إمدادات الأدوية أو انقطاع في الوصول إليها، بما يضع ضغوطًا إضافية على النظم الصحية والسكان.

ولهذا السبب، يرى قادة صناعة الأدوية الذين شملهم الاستطلاع أن عدم الاستعداد للمخاطر المناخية يحمل تداعيات كبيرة على مرونة الشركات وتكاليفها.

82% يرون أن عدم التحرك أكثر تكلفة

أظهر الاستطلاع أن 78% من قادة شركات الأدوية يرون أن برامج الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري تمثل عنصرًا حاسمًا في مرونة أعمالهم المستقبلية.

كما يرى 82% أن مخاطر عدم الانتقال إلى نماذج أعمال أكثر استدامة تفوق تكلفة اتخاذ إجراءات التحول.

وتشير هذه النتائج إلى تحول مهم في نظرة قطاع الأدوية إلى العمل المناخي، إذ لم يعد خفض الانبعاثات مرتبطًا فقط بالمسؤولية البيئية أو الالتزامات التنظيمية، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا باستمرارية العمليات وحماية سلاسل الإمداد.

ولا تزال غالبية كبيرة من قادة القطاع ملتزمة بتحقيق صافي الصفر بما يتوافق مع الأهداف الوطنية، إذ بلغت نسبة المؤيدين لهذا المسار 96%.

كما يتوقع 37% منهم زيادة الاستثمارات في مبادرات صافي الصفر خلال العام المقبل.

واللافت أن 71% قالوا إنهم سيواصلون جهودهم للوصول إلى صافي الصفر بغض النظر عن الظروف السياسية، لأنهم يرون أن الممارسات المستدامة مفيدة للأعمال بصورة أساسية.

العملاء والمستثمرون والتنظيم يدفعون الصناعة إلى التغيير

ولا تأتي الضغوط على شركات الأدوية من المخاطر المناخية وحدها، إذ أصبح العملاء أنفسهم أحد المحركات الرئيسية للتحول.

وقال 83% من المشاركين إن توقعات العملاء تمثل عاملًا رئيسيًا في استراتيجيات الاستدامة الخاصة بشركاتهم، بينما أشار 82% إلى التزام أوسع ببناء مستقبل أكثر استدامة.

كما تشمل دوافع التحول متطلبات الشراء الخاصة بالأنظمة الصحية، وتوقعات المستثمرين، واللوائح التنظيمية الجديدة.

وقد تمتد هذه المتطلبات إلى تقييم المخاطر البيئية المرتبطة بالحصول على موافقات تسويق المنتجات الدوائية، ما يعني أن الاعتبارات المناخية والبيئية يمكن أن تصبح أكثر ارتباطًا بالمسار التنظيمي والتجاري للدواء.

المشكلة ليست في الرغبة.. بل في كيفية القياس

رغم ارتفاع مستوى الالتزام بالاستدامة وصافي الصفر، فإن تحقيق تحول فعلي يواجه مشكلة أخرى تتمثل في عدم الاتساق في طرق قياس التأثيرات البيئية.

وتحتاج شركات الأدوية إلى فهم البصمة البيئية للدواء طوال دورة حياته، بدءًا من استخراج المواد الخام وتصنيع المكونات والمنتجات، مرورًا بالنقل والتوزيع، وانتهاءً باستخدام المنتج والتخلص منه.

لكن اختلاف المنهجيات المستخدمة في تقييم التأثيرات البيئية يجعل إجراء مقارنات دقيقة بين المنتجات والعمليات أمرًا أكثر صعوبة، ويحد من قدرة الشركات على تحديد المناطق التي تحقق فيها إجراءات خفض الانبعاثات أكبر فائدة.

وهنا تبرز أهمية وجود منهجيات موحدة تسمح بقياس الأثر البيئي للمنتجات الدوائية بصورة أكثر اتساقًا.

معيار موحد لتقييم البصمة البيئية للأدوية

وتستهدف مواصفة PAS 2090 الخاصة بالمنتجات الدوائية وقواعد فئات المنتجات المستخدمة في تقييم دورة الحياة البيئية معالجة جانب من هذه المشكلة، من خلال توفير منهجية أكثر اتساقًا لتقييم التأثيرات البيئية.

ويمكن للمنهج الموحد أن يساعد الشركات على تحديد النقاط الساخنة بيئيًا داخل دورة حياة الدواء، ومقارنة الأداء، وتحديد التدخلات ذات الأولوية التي يمكن أن تحقق في الوقت نفسه فوائد بيئية وتعزز قدرة سلسلة الإمداد على الصمود.

وتتجاوز أهمية هذا النهج مجرد إعداد تقارير الاستدامة، إذ يمكن أن تصبح البيانات البيئية أداة لاتخاذ قرارات تتعلق بالتصميم والتصنيع والشراء واختيار الموردين والنقل والتوزيع.

فجوة بين معرفة المخاطر والتكيف معها

لكن قياس المخاطر لا يعني بالضرورة أن الشركات أصبحت قادرة على التعامل معها.

وتشير نتائج نقاشات أجرتها BSI مع قادة في قطاع الأدوية إلى أن عددًا متزايدًا من الشركات بدأ ينتقل من مرحلة تحديد المخاطر المناخية إلى التفكير في كيفية دمج القدرة على التكيف مع تغير المناخ داخل العمليات التشغيلية.

ورغم أن المؤسسات أصبحت أكثر إدراكًا لتعرضها للمخاطر المناخية، فإن التكيف لم يندمج بصورة متسقة بعد في هياكل الحوكمة وقرارات الاستثمار واستراتيجيات إدارة الموردين والعمليات اليومية.

وهذا يخلق فجوة بين فهم الخطر المناخي وبين تحويل هذا الفهم إلى نتائج قابلة للقياس في مجال المرونة.

وفي الوقت نفسه، تبدو خطط الوصول إلى صافي الصفر أكثر تقدمًا بكثير من جهود التكيف مع الآثار المناخية التي لا تزال في مراحل أقل نضجًا.

من خفض الانبعاثات إلى بناء القدرة على الصمود

وتشير هذه الصورة إلى أن مستقبل صناعة الأدوية لن يتحدد فقط بقدرتها على خفض الانبعاثات، وإنما أيضًا بقدرتها على التكيف مع المناخ الذي أصبح أكثر حرارة واضطرابًا بالفعل.

فالشركة التي تخفض انبعاثاتها لكنها لا تملك خطة للتعامل مع موجة حر تضرب مصنعًا، أو جفاف يضغط على إمدادات المياه، أو فيضان يعطل شبكة النقل، تظل معرضة لخطر توقف الإنتاج أو تأخير التوزيع.

ولهذا تتحول القدرة على التكيف إلى جزء من مفهوم مرونة الأعمال في صناعة الأدوية، إلى جانب إدارة الموردين والبنية التحتية والتخزين والنقل وإدارة المخاطر.

وفي قطاع ترتبط منتجاته مباشرة بصحة الإنسان وحياته، لا تتوقف تكلفة الاضطراب المناخي عند خسائر الشركات أو ارتفاع تكاليف التشغيل، بل يمكن أن تمتد إلى قدرة المرضى على الحصول على العلاج في الوقت والمكان المناسبين.

ومن هنا، فإن مواجهة تغير المناخ بالنسبة إلى شركات الأدوية لم تعد قضية مرتبطة بصورة الشركة أو التزاماتها البيئية فقط، بل أصبحت جزءًا من أمن الدواء واستمرارية الرعاية الصحية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة