هل تخدعك عبوة الطعام؟.. دراسة تحذر من الملصقات التي تبرز ميزة وتخفي عيوبًا غذائية
لا تنخدع بواجهة العبوة.. دراسة تكشف مفارقات الملصقات الغذائية
قد تبدو بعض الأطعمة والمشروبات أكثر صحة بمجرد النظر إلى العبوة، بفضل عبارات مثل «غني بالألياف»، أو «قليل الصوديوم»، أو «خالي من السكر»، أو «طبيعي».
لكن دراسة واسعة حللت أكثر من 145 ألف منتج غذائي ومشروب جديد في الولايات المتحدة، وجدت أن إبراز ميزة غذائية واحدة لا يقدم بالضرورة صورة كاملة عن القيمة الغذائية للمنتج.
وتشير النتائج إلى أن بعض الادعاءات الموجودة على واجهات العبوات قد تترافق مع مفاضلات غذائية أخرى؛ فخفض عنصر معين قد يأتي في بعض الحالات مع مستويات أعلى من السكر أو الصوديوم أو الدهون المشبعة أو السعرات الحرارية.
ولا تعني النتائج أن الملصقات الغذائية كاذبة أو أن الشركات تخالف بالضرورة قواعد وضع البيانات الغذائية، وإنما تكشف مشكلة أكثر دقة: قد تكون المعلومة الموجودة على العبوة صحيحة، لكنها لا تخبر المستهلك بكل ما يحتاج إلى معرفته عن المنتج.
من «قليل الدهون» إلى سكر وصوديوم أعلى
بدأ اهتمام الباحثين بهذه القضية بعد ملاحظة بسيطة أثناء التسوق، فقد لاحظ الباحث ما بعد الدكتوراه بي تشو، من جامعة كورنيل، وجود نسختين من أحد المنتجات؛ إحداهما عادية والأخرى منخفضة الدهون. لكن خفض الدهون في النسخة الثانية جاء بالتزامن مع ارتفاع إجمالي السكريات والصوديوم.
هذه الملاحظة قادت الباحثين إلى سؤال أساسي: هل المنتجات التي تحمل ادعاءات صحية أو غذائية تكون فعلًا أفضل من المنتجات التي لا تحمل هذه الادعاءات؟
وللإجابة، لم يكتف الفريق بقراءة عبارة واحدة على العبوة، بل نظر إلى الصورة الغذائية الكاملة للمنتج.
تحليل 145,609 منتجًا غذائيًا ومشروبًا
حلل الباحثون 145,609 منتجًا غذائيًا ومشروبًا معبأً أُطلق في الولايات المتحدة بين عامي 2015 و2024.
واستخدم الفريق بيانات قاعدة Mintel Global New Products Database، التي تتضمن معلومات عن المكونات والحقائق الغذائية والادعاءات الموجودة على العبوات.
ولقياس جودة التركيبة الغذائية، استخدم الباحثون نموذج تصنيف المغذيات التابع لوكالة معايير الغذاء البريطانية.
ويأخذ هذا النموذج في الاعتبار عدة عناصر، من بينها:
- الطاقة والسعرات الحرارية
- الدهون المشبعة
- إجمالي السكريات
- الصوديوم
- الألياف
- البروتين
- محتوى الفواكه والخضروات والمكسرات
ويحصل المنتج على نقاط مرتبطة بالعناصر الأقل ملاءمة غذائيًا، بينما تُخصم نقاط للعناصر ذات القيمة الغذائية الأفضل.
وكلما ارتفعت النتيجة النهائية، كان الملف الغذائي أقل ملاءمة وفق هذا النموذج.
وصُنفت الأطعمة التي حصلت على 4 نقاط أو أكثر، والمشروبات التي حصلت على نقطة واحدة أو أكثر، ضمن فئة «الأقل صحة» في النموذج المستخدم بالدراسة.
لكن الباحثين شددوا على نقطة مهمة: هذا التصنيف ليس حكمًا رسميًا من الحكومة الأمريكية على صحة المنتجات، كما أنه ليس النظام الذي تستخدمه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لتحديد قانونية معظم الادعاءات الموجودة على العبوات.

أكثر من نصف المنتجات تحمل ادعاءً غذائيًا أو صحيًا
أظهرت الدراسة أن أكثر من نصف المنتجات الجديدة في العينة حملت ادعاءً واحدًا على الأقل من الادعاءات التي تابعها الباحثون.
وفي الوقت نفسه، صُنّف 67.25% من جميع المنتجات في العينة على أنها «أقل صحة» وفق نموذج تصنيف المغذيات المستخدم.
لكن الصورة اختلفت بشدة من فئة غذائية إلى أخرى، فقد سجلت الحلوى أعلى متوسط للنتيجة، حيث صُنفت 93.24% من منتجاتها ضمن الفئة الأقل صحة، بينما وصلت النسبة بين الوجبات الخفيفة إلى 90.38%.
في المقابل، لم تتجاوز النسبة 2.18% في منتجات الفواكه والخضروات المصنعة.
ولهذا السبب، لم يكتف الباحثون بالمقارنة بين جميع المنتجات، بل أجروا أيضًا مقارنات داخل الفئات الغذائية المتشابهة، لتقليل تأثير الاختلافات الكبيرة بين أنواع الأطعمة والمشروبات.
وبلغ متوسط عدد الادعاءات على المنتجات التي تحملها نحو 2.8 ادعاء للمنتج الواحد.
عندما تخفي عبارة واحدة مفاضلة غذائية أخرى
على مستوى الأطعمة بشكل عام، ارتبطت معظم الادعاءات بنتائج غذائية أفضل وفق النموذج.
لكن ظهر استثناء لافت في المنتجات التي تحمل عبارات تتعلق بانخفاض أو غياب أو خفض الدهون المتحولة؛ إذ ارتبطت هذه المنتجات بدرجات غذائية إجمالية أقل ملاءمة مقارنة بالمنتجات التي لم تحمل هذه الادعاءات.
وفي منتجات الألبان والبيض، ارتبطت الادعاءات الخاصة بالدهون المتحولة بدرجات أقل ملاءمة فيما يتعلق بـالدهون المشبعة والطاقة والصوديوم والبروتين.
أما في الوجبات والأطباق الجانبية، فكان التباين مرتبطًا بشكل أساسي بارتفاع درجات الصوديوم والدهون المشبعة.
وهنا تظهر الفكرة الرئيسية للدراسة: تحسين جانب واحد من التركيبة الغذائية لا يعني بالضرورة أن جميع الجوانب الأخرى تحسنت في الاتجاه نفسه.
المشروبات تكشف مفارقات أكبر
كانت التباينات أكثر وضوحًا في قطاع المشروبات، فعند النظر إلى السوق بأكمله، ارتبطت الادعاءات الخاصة بـ«قليل السعرات الحرارية»، و«خالي من السكر»، و«منخفض الصوديوم»، و«منخفض الدهون المشبعة» بدرجات غذائية أقل ملاءمة في بعض المقارنات.
لكن الباحثين وجدوا أن الصورة تتغير عندما تتم مقارنة منتجات متشابهة داخل الفئة نفسها.
فعلى سبيل المثال، ظهر ارتباط بين المشروبات منخفضة الصوديوم ودرجات أعلى للسكر، بينما ارتبطت ادعاءات خفض الدهون المشبعة في بعض مشروبات الفواكه والمشروبات المنكهة بمستويات أعلى من السكر.
لكن ذلك لا يعني أن المشروبات منخفضة السعرات أو الخالية من السكر أقل صحة تلقائيًا من نظيراتها العادية.
فقد يكون جزء من النمط العام ناتجًا عن حقيقة أن أنواعًا معينة من المشروبات هي الأكثر ميلًا إلى استخدام هذه الادعاءات.
وهذه نقطة مهمة في تفسير الدراسة، لأن المقارنة بين منتجات مختلفة تمامًا قد تنتج ارتباطات لا تظهر عند مقارنة منتجات متقاربة داخل الفئة نفسها.
«طبيعي» لا يخبرك بكل شيء
لم تتوقف المشكلة عند الادعاءات المرتبطة بالسكر والدهون والصوديوم، فالعبارات التي تصف المنتج بأنه عضوي، أو مصنوع دون كائنات معدلة وراثيًا، أو يحتوي على حبوب كاملة لا تخبر المستهلك بصورة مباشرة عن إجمالي السكر أو الصوديوم أو الدهون المشبعة أو السعرات الحرارية في المنتج.
وتشير أعمال سابقة ناقشها الباحثون إلى أن المستهلكين قد يتعاملون مع هذه العبارات باعتبارها مؤشرًا على أن المنتج أفضل صحيًا بشكل عام.
ويُعرف هذا التأثير باسم «الهالة الصحية» أو Health Halo، حيث تؤثر ميزة إيجابية واحدة في الطريقة التي ينظر بها المستهلك إلى المنتج بأكمله.
وفي الدراسة الحالية، ظهرت عدة حالات ارتبطت فيها الادعاءات ذات الطابع «الطبيعي» بمنتجات حصلت على درجات أقل ملاءمة مقارنة بمنتجات مشابهة لا تحمل هذه الادعاءات.
لكن الباحثين لا يقولون إن المنتجات العضوية أو «الطبيعية» غير صحية بصورة عامة؛ بل إن الرسالة الأساسية هي أن هذه العبارات وحدها لا تكفي للحكم على الجودة الغذائية الكاملة للمنتج.
الدراسة لا تثبت أن الملصقات تخدع المستهلك
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة لا تثبت أن المستهلكين ينخدعون فعليًا بهذه العبارات عند الشراء، فالبحث كان تحليلًا رصديًا للمنتجات، وليس تجربة على المتسوقين.
ولم يختبر الباحثون ما إذا كانت العبارات الموجودة على العبوة تغير ما يشتريه الناس، أو الكميات التي يتناولونها، أو مدى اعتقادهم بأن المنتج صحي.
كما لم يتابع الفريق المنتجات نفسها قبل وبعد تغيير تركيباتها، وبالتالي، إذا ظهر مثلًا أن انخفاض الصوديوم تزامن مع ارتفاع السكر، فإن البيانات تثبت وجود ارتباط بين الأمرين في العينة، لكنها لا تثبت أن خفض الصوديوم هو الذي تسبب في زيادة السكر.
ماذا عن تمثيل السوق؟
هناك أيضًا حدود أخرى للدراسة، فالعينة شملت المنتجات المعبأة الجديدة التي أُطلقت في الولايات المتحدة خلال الفترة من 2015 إلى 2024، وليس جميع المنتجات التي كانت متاحة أو جميع الأطعمة التي تناولها المستهلكون.
كما لم تُوزن النتائج وفق حجم المبيعات؛ أي إن منتجًا نادر الشراء عومل في التحليل على قدم المساواة مع منتج يحظى بمبيعات واسعة.
كذلك، فإن نموذج التصنيف الغذائي المستخدم طورته جهة بريطانية، ولذلك يوفر أداة موحدة للمقارنة بين المنتجات، لكنه لا يمثل حكمًا رسميًا أمريكيًا على القيمة الصحية لأي منتج.
من «ادعاء واحد» إلى قراءة الصورة كاملة
يرى ميجيل جوميز، أستاذ تسويق الأغذية في جامعة كورنيل، أن نتائج الدراسة تقدم اتجاهًا يمكن أن تستفيد منه السياسات العامة، يقوم على الانتقال من الاعتماد على الادعاءات الفردية إلى تقييم أوسع للملف الغذائي للمنتج.
وأشار إلى تجارب في دول مثل تشيلي والمكسيك تستخدم ملصقات تحذيرية بارزة لتنبيه المستهلكين إلى المستويات المرتفعة من الملح أو السكر أو الدهون، مع قيود على طريقة عرض بعض المنتجات في المتاجر.
ولا تعني الدراسة أن كل عبارة على العبوة مضللة.
فعبارة مثل «منخفض الصوديوم» قد تكون صحيحة بالفعل، وعبارة «غني بالألياف» قد تصف خاصية حقيقية ومفيدة في المنتج.
لكن المشكلة أن هذه المعلومة الجزئية قد لا تكشف بقية التركيبة الغذائية، ولهذا، فإن قراءة جدول الحقائق الغذائية وقائمة المكونات تظل أكثر شمولًا من الاعتماد على عبارة تسويقية واحدة في مقدمة العبوة.
وتقدم الدراسة، المنشورة في دورية Nature Food، رسالة أساسية للمستهلك: الميزة الغذائية الواحدة لا تساوي بالضرورة منتجًا غذائيًا متكاملًا، والعبوة قد تعرض الجزء الأفضل من القصة بينما تترك بقية التفاصيل في الخلف.





