تلوث الهواء يزيد السعال ليلًا حتى عند مستويات أقل من حدود منظمة الصحة العالمية
ارتفاع الجسيمات الدقيقة يرتبط بمزيد من السعال أثناء النوم.. لا مستوى آمن تمامًا
قد يبدو أن مدينة تحافظ على مستويات تلوث الجسيمات الدقيقة دون الحد اليومي الذي تحدده منظمة الصحة العالمية لا تواجه خطرًا كبيرًا، لكن دراسة جديدة تشير إلى أن ارتفاع تركيز هذه الجسيمات، حتى عند مستويات منخفضة، يرتبط بزيادة السعال أثناء الليل.
وحلل باحثون في علوم الحاسوب والصحة العامة من جامعة كامبريدج وجامعة تسينجهوا، بالتعاون مع شركة Sleep Cycle السويدية المتخصصة في تطبيقات تتبع النوم، تسجيلات للسعال الليلي لعشرات الآلاف من مستخدمي التطبيق في 32 مدينة موزعة على 12 دولة، على مدى نحو 500 يوم.
ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Communications Health.
وأظهرت النتائج أن السعال ازداد في الليالي التي ارتفعت فيها مستويات الجسيمات الدقيقة، حتى عندما ظلت جودة الهواء دون الحد اليومي لمنظمة الصحة العالمية.
وكانت الزيادة صغيرة في أي ليلة منفردة، لكنها تكررت بوضوح عند الطرف الأقل تلوثًا من نطاق القياسات.
ومع ذلك، فإن الدراسة رصدية، ولذلك فإنها تظهر وجود ارتباط بين تلوث الهواء والسعال، ولا تثبت أن التلوث تسبب مباشرة في حدوث السعال.
وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة، تونج شيا من جامعة تسينجهوا: «الجميع يسعل من وقت لآخر، لكن السعال، سواء كان عابرًا أو أكثر استمرارًا، يعد علامة على تهيج أو التهاب في الرئتين».

كيف رصد الباحثون السعال أثناء النوم؟
يستخدم تطبيق Sleep Cycle ميكروفون الهاتف لتسجيل الأصوات أثناء الليل، عادة بين الساعة العاشرة مساءً والسابعة صباحًا، ثم يستخدم برنامجًا مدربًا على التعرف إلى السعال لعد مرات حدوثه، وتتم عملية التعرف إلى الأصوات على الهاتف نفسه.
وفي اختبارات سابقة، تبين أن أكثر من 90% من الأصوات التي صنفها النظام على أنها سعال كانت بالفعل حالات سعال حقيقية.
ولم تغادر التسجيلات الصوتية هواتف المستخدمين؛ إذ حصل الباحثون فقط على إجمالي عدد مرات السعال لكل مدينة في كل يوم، وحُسبت النتائج على أساس عدد مرات السعال في الساعة من النوم المسجل.
وسجل نحو نصف المستخدمين المشاركين في الدراسة عدم حدوث أي سعال لديهم خلال فترة الدراسة، وهو ما يشير إلى أنهم لم يكونوا، بصورة عامة، أكثر عرضة بصورة غير معتادة لمشكلات الرئة.
الجسيمات الدقيقة تحت المجهر
ركز الباحثون على PM2.5، وهي الجسيمات الدقيقة التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرومتر أو أقل، وللمقارنة، يبلغ عرض شعرة الإنسان نحو 30 ضعف قطر أكبر هذه الجسيمات.
وجاءت بيانات التلوث اليومية من محطات الرصد الحكومية، وجُمعت عبر منصة OpenAQ غير الربحية التي تجمع بيانات جودة الهواء من أنحاء العالم.
كما أخذ الباحثون في الاعتبار عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في السعال، من بينها درجة الحرارة، والأمطار، ومدى انتشار الإنفلونزا.
السعال ارتفع مع زيادة تلوث الهواء
عند تجميع البيانات من المدن المختلفة، وجد الباحثون أن كل زيادة قدرها 10 ميكروجرامات من الجسيمات الدقيقة لكل متر مكعب من الهواء ارتبطت بزيادة تبلغ نحو 2.4% في السعال خلال تلك الليلة.
وتبلغ قيمة الحد اليومي الذي توصي به منظمة الصحة العالمية للجسيمات الدقيقة 15 ميكروجرامًا لكل متر مكعب.
ولا يُتوقع أن يشعر شخص واحد بتغير بهذا الحجم خلال ليلة واحدة، لكن الباحثين أوضحوا أن التأثير يصبح ذا أهمية عند النظر إلى عدد كبير من الأشخاص، لأن السعال ظاهرة شائعة أصلًا.
وعند جمع جميع المدن في تحليل واحد، بلغت الزيادة المرتبطة بارتفاع التلوث في اليوم نفسه نحو 1.2%.
وعند إضافة تأثير مستويات التلوث خلال الأيام الخمسة السابقة، ارتفعت النسبة إلى نحو 2.4%، بينما ظهرت أكبر قيمة للتقدير في اليوم التالي لارتفاع التلوث.
ولم يظهر الارتباط بالدرجة نفسها في كل مدينة على حدة؛ إذ أظهرت 14 مدينة من أصل 32 زيادة في السعال في الأيام التي ارتفعت فيها مستويات التلوث. وبعد استبعاد الأيام التي شهدت انتشارًا مرتفعًا للإنفلونزا، ارتفع العدد إلى 23 مدينة.

انخفاض التلوث ارتبط بانخفاض السعال
اختبر الباحثون أيضًا ما إذا كان السعال يتوقف عن الانخفاض بمجرد وصول الهواء إلى مستوى نظيف بما يكفي، لكن النتائج لم تُظهر وجود مثل هذا الحد الواضح.
وبالمقارنة مع يوم كانت فيه مستويات الجسيمات الدقيقة عند الحد الذي وضعته منظمة الصحة العالمية، ارتبط يوم بلغت فيه المستويات نحو 2 ميكروغرام لكل متر مكعب بحدوث سعال أقل بنحو 5.5%.
في المقابل، ارتبط يوم بلغ فيه التلوث ضعف الحد، أي نحو 30 ميكروغرامًا لكل متر مكعب، بزيادة في السعال بلغت نحو 3.5%.
وبذلك ظهرت أكبر الفروق في نطاقات التلوث التي تعد منخفضة نسبيًا في هواء المدن. ومع ارتفاع مستويات التلوث بشدة، استمر السعال في الزيادة، لكن بوتيرة أبطأ.
وقالت سيسيليا ماسكولو، أستاذة في قسم علوم الحاسوب والتكنولوجيا بجامعة كامبريدج وقائدة البحث، في مقابلة مع Earth.com، إن البيانات تشير إلى عدم وجود «عتبة آمنة تمامًا»، موضحة أن الارتفاعات الصغيرة في تلوث الهواء ارتبطت بزيادة السعال الليلي حتى عندما بقيت المستويات دون إرشادات منظمة الصحة العالمية.
دخان حرائق الغابات في لوس أنجلوس
وفرت مدينة لوس أنجلوس حالة أكثر وضوحًا لاختبار العلاقة، بعدما اندلعت حرائق في المنطقة في 7 يناير 2025.
وأدى دخان حرائق الغابات إلى رفع مستويات الجسيمات الدقيقة بنحو 8.5 ميكروغرام لكل متر مكعب مقارنة بالأسبوع نفسه من العام السابق.
وتزامن ذلك مع ارتفاع في السعال، إلا أن حجم الزيادة كان قريبًا بدرجة تسمح باحتمال المصادفة، ولذلك لا يمكن لهذا الجزء من الدراسة وحده حسم العلاقة.
وخلال أسابيع الحرائق، ارتبط كل ارتفاع قدره 10 ميكروغرامات لكل متر مكعب من الجسيمات الدقيقة بزيادة في السعال بلغت نحو 9.9%، أي ما يقارب أربعة أضعاف التقدير المرتبط بالتغيرات اليومية المعتادة في التلوث.
وعندما سُئلت ماسكولو عما فاجأها أكثر في بيانات لوس أنجلوس، أشارت إلى سرعة ظهور التأثير.
فقد بدأ السعال في الارتفاع قبل تسجيل أكبر زيادة في التلوث، وهو ما قد يرتبط بعدوى شتوية أو مصادر تعرض أخرى لم تتمكن الدراسة من قياسها.
ولهذا تعامل الباحثون مع بيانات لوس أنجلوس باعتبارها دليلًا داعمًا للعلاقة التي رصدوها في البيانات اليومية، وليس دليلًا على أن دخان الحرائق تسبب مباشرة في زيادة السعال.

ماذا لم تستطع الهواتف قياسه؟
رغم أن الدراسة اعتمدت على بيانات تلوث خارجية، فإن الأشخاص يسعلون داخل المنازل وغرف النوم، حيث يمكن أن تختلف جودة الهواء بصورة كبيرة عن الخارج.
فإغلاق النوافذ، واستخدام أجهزة تنقية الهواء، وأنظمة تكييف الهواء يمكن أن تغير مستويات الملوثات التي يتعرض لها الأشخاص داخل منازلهم.
كما أن الأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات تتبع النوم قد يختلفون عن بقية السكان من حيث العمر والعادات وأنماط الحياة، وهو ما يمثل أحد القيود المحتملة على تعميم النتائج.
وركزت الدراسة كذلك على الجسيمات الدقيقة جدًا فقط، ولم تشمل الجسيمات الأكبر التي تميل إلى الاستقرار في أجزاء أعلى من الجهاز التنفسي، حيث تتركز الأعصاب التي تسهم في إطلاق منعكس السعال.
إضافة إلى ذلك، يضعف منعكس السعال خلال مراحل النوم العميق، ولذلك ربما لم تتمكن عملية الرصد من التقاط بعض حالات التهيج والسعال.
ويعمل اثنان من الباحثين الستة في الدراسة لدى شركة Sleep Cycle، وهي الشركة التي طورت التطبيق وقدمت بيانات السعال المستخدمة في البحث.
من متوسطات المدن إلى صحة الأفراد
أوضحت ماسكولو أن التحليل بقي في مستوى المدينة جزئيًا لأسباب تتعلق بالخصوصية، وكذلك بسبب صعوبة تقدير تعرض كل شخص للتلوث الخارجي اعتمادًا على الهاتف وحده.
وفي المستقبل، قد تتيح مطابقة بيانات السعال مع قياسات شخصية للتلوث باستخدام أجهزة قابلة للارتداء أو بيانات موقع الهاتف للباحثين تقدير تعرض الأفراد بصورة أكثر دقة، وربما تحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى تدخل أو مساعدة في وقت مبكر.
واقترحت ماسكولو، بناءً على نتائج الدراسة، أن يراقب الأشخاص نشرات جودة الهواء المحلية، وأن يستخدموا إجراءات بسيطة مثل إغلاق النوافذ أو تشغيل جهاز لتنقية الهواء، خصوصًا إذا كانوا عرضة للسعال الليلي.
لكنها شددت على أن خلفيتها في علوم الحاسوب وليست في المجال الطبي.
هل إغلاق النوافذ يقلل السعال فعلًا؟
لا تستطيع دراسة تعتمد على متوسطات تلوث الهواء على مستوى المدن أن تحدد ما إذا كان إغلاق نافذة أو تشغيل جهاز لتنقية الهواء سيغير نوم شخص بعينه.
وللإجابة عن هذا السؤال، سيحتاج الباحثون إلى تتبع أفراد محددين، مع قياس جودة الهواء داخل غرف نومهم وربط هذه القياسات بأنماط السعال والنوم لديهم.
وبذلك تقدم الدراسة دليلًا على وجود ارتباط بين ارتفاع مستويات PM2.5 وزيادة السعال الليلي حتى في نطاقات التلوث المنخفضة، لكنها لا تحدد بصورة مباشرة مقدار تعرض كل فرد للتلوث داخل منزله، ولا تثبت أن الجسيمات الدقيقة هي السبب الوحيد في السعال.





