أخبارالزراعة

مفاجأة تحت التربة.. النباتات تختار بكتيريا الجذور وفق وظائفها لا أنواعها

لماذا تفشل بعض الأسمدة الحيوية؟.. النبات قد يفضل بكتيريا محلية تؤدي المهمة

كشفت دراسة جديدة أن العلاقة بين النباتات والبكتيريا الموجودة حول جذورها أكثر تعقيدًا مما توحي به مجرد معرفة أنواع الميكروبات الموجودة في التربة.

ففي الوقت الذي تحدد فيه التربة بدرجة كبيرة أنواع البكتيريا التي تستطيع الاستقرار حول الجذور، يبدو أن النبات نفسه يؤثر بقوة في الوظائف التي تؤديها هذه البكتيريا، إذ يستقطب مجتمعات ميكروبية تختلف في قدراتها تبعًا لاحتياجات المحصول.

وتشير النتائج، التي توصل إليها باحثون من Rothamsted Research في بريطانيا، إلى أن نجاح استخدام البكتيريا كسماد حيوي أو محفز لنمو النباتات قد لا يعتمد ببساطة على إضافة سلالة بكتيرية محددة إلى الحقل، وإنما ربما يكون أكثر فاعلية من خلال مساعدة النباتات على استقطاب الميكروبات المحلية التي تمتلك الوظائف المناسبة بالفعل.

التربة تحدد «من يعيش».. والنبات يؤثر في ماذا يفعل

اعتمدت الدراسة على مجموعة واسعة من عينات التربة والجذور ضمن UK Crop Microbiome Cryobank، وهي مجموعة مفتوحة من عينات التربة والجذور المجمدة.

وفحص الباحثون أكثر من 24 ألف مزرعة بكتيرية، إلى جانب تحليل 315 مكتبة من الحمض النووي للتربة، بهدف فصل تأثير البيئة والتربة عن تأثير النبات نفسه.

وجمع الفريق نحو 300 كيلوجرام من التربة من كل واحد من تسعة مواقع زراعية في بريطانيا، امتدت من الحدود الاسكتلندية وأنغوس إلى هيرتفوردشاير وشروبشاير.

وشملت الترب ثلاثة أنماط رئيسية من القوام:

  •  الطمي الرملي.
  •  الطمي الطيني.
  •  الطمي الطيني الغريني.

وكان الرقم الهيدروجيني للتربة في جميع المواقع تقريبًا بين 6 و7.

وزرع الباحثون في هذه الترب ستة محاصيل هي: القمح الربيعي، الشعير الربيعي، الشوفان الربيعي، الفول، اللفت الزيتي، وبنجر السكر.

وضمت التجربة خمسة أوعية مكررة لكل تركيبة من التربة والمحصول، إلى جانب أوعية ضابطة احتوت على التربة دون نباتات.

اختبار 8 وظائف للبكتيريا

لم يكتف الباحثون بتحديد أنواع البكتيريا الموجودة، بل اختبروا ما تستطيع هذه البكتيريا القيام به.

وبعد أخذ العينات من التربة الملتصقة بالجذور، اختار الفريق عشوائيًا 96 مستعمرة بكتيرية من كل عينة، ثم نماها في أطباق متعددة الآبار.

واختُبرت كل مزرعة بكتيرية في المختبر بحثًا عن ثماني صفات وظيفية، من بينها القدرة على:

  •  إذابة الفوسفور.
  •  إذابة البوتاسيوم.
  •  إذابة الزنك.
  •  تحليل الكازين بوصفه نموذجًا لتحليل النيتروجين العضوي.
  •  إنتاج مركبات السايدروفور التي تساعد على الحصول على الحديد.
  •  إنتاج إنزيم ACC deaminase المرتبط بمساعدة النباتات على التعامل مع بعض أشكال الإجهاد.
  •  تحمل الملوحة.
  •  تحمل الجفاف.

وهنا ظهرت المفاجأة الأساسية، فعندما نظر الباحثون إلى هوية البكتيريا، كانت التربة والموقع الجغرافي هما العاملان الأكثر تأثيرًا.

لكن عندما انتقلوا إلى سؤال مختلف: ماذا تستطيع هذه البكتيريا أن تفعل؟، تغيرت الصورة بصورة واضحة.

النباتات تختار بكتيريا الجذور وفق وظائفها لا أنواعها

الموقع الجغرافي كان أقوى من المحصول في تحديد أنواع البكتيريا

أظهر تحليل الحمض النووي للمجتمع الميكروبي أن موقع أخذ العينة كان العامل الأكبر في تفسير اختلاف مجموعات البكتيريا الموجودة.

وسجل الموقع قيمة بلغت 0.94 في الاختبار المستخدم لقياس مدى انفصال المجتمعات الميكروبية، بينما جاء قوام التربة في المرتبة التالية.

أما نوع المحصول فكان تأثيره ضعيفًا جدًا في تحديد أي أنواع البكتيريا تعيش في التربة، إذ بلغت قيمته نحو 0.03.

وكانت المواقع الشمالية تضم المجتمعات البكتيرية الأكثر تنوعًا، بينما سجلت هيرتفوردشاير، حيث يوجد مقر Rothamsted، أقل تنوع.

أما الشوفان فاستضاف مجتمعًا بكتيريًا أقل قليلًا من المحاصيل الخمسة الأخرى.

وهذه النتيجة تتفق إلى حد كبير مع الفهم التقليدي لعلم التربة؛ فالكيمياء، وتاريخ استخدام الأرض، والانضغاط، والخصائص الفيزيائية للتربة عوامل تترك إرثًا قويًا على المجتمعات الميكروبية.

لكن القصة تغيرت عندما بدأ العلماء في فحص الوظائف.

عندما سأل الباحثون: ماذا تستطيع البكتيريا أن تفعل؟

عند تصنيف البكتيريا بناءً على قدراتها الوظيفية، أصبح نوع المحصول هو العامل الأقوى.

بلغ تأثير المحصول نحو 0.24، بينما تراجع تأثير الموقع إلى 0.03.

وهذا يعني أن المكان والتربة يظلان مهمين في تحديد أنواع الكائنات الدقيقة التي تعيش حول الجذور، لكن النبات يستطيع التأثير بدرجة أكبر في الوظائف التي تصبح أكثر شيوعًا داخل مجتمعه الميكروبي.

وتظهر هذه النتيجة بوضوح في بعض المحاصيل، ففي مناطق جذور بنجر السكر واللفت الزيتي، وجد الباحثون أكبر نسبة من البكتيريا القادرة على تحمل الجفاف.

ويرجح الباحثون أن ذلك يرتبط بخصائص جذور هذين المحصولين، إذ يمتلكان جذورًا وتدية كثيفة ذات احتياجات مائية مرتفعة، وقد تترك هذه الجذور البيئة المحيطة بها أكثر جفافًا مقارنة بالجذور الليفية لمحاصيل الحبوب.

وبالتالي يمكن أن تصبح البيئة حول الجذر أكثر ملاءمة للبكتيريا القادرة على تحمل نقص المياه.

وسبق أن رُصد تحول مشابه نحو مجموعات ميكروبية أكثر تحملًا للجفاف في جذور أشجار البلوط خلال فترات الجفاف الطويلة.

الشعير والفول يكشفان تأثيرًا أكثر تخصصًا

أظهر مجتمع البكتيريا المحيط بجذور الشعير زيادة محدودة في البكتيريا القادرة على إذابة الزنك.

وقد تبدو هذه النتيجة غير متوقعة لأن الشعير ليس من أكثر المحاصيل احتياجًا للزنك، لكنه يمكن أن يتأثر عندما تنخفض مستويات الزنك المتاح في التربة.

وتستطيع بعض البكتيريا إفراز أحماض، مثل حمض الأكساليك أو حمض الجلوكونيك، تؤدي إلى تغيير درجة الحموضة المحلية، وهو ما يمكن أن يساعد في تحرير الزنك وجعله أكثر إتاحة.

أما الفول، فأظهر عددًا أقل من البكتيريا القادرة على تحليل الكازين، وهي صفة استخدمها الباحثون كمؤشر على القدرة على الوصول إلى النيتروجين العضوي.

وهنا يظهر تفسير بيولوجي مهم، فالفول يمتلك شراكة مع بكتيريا Rhizobium داخل العقد الجذرية، حيث تساعد هذه البكتيريا النبات على الحصول على النيتروجين من خلال تثبيته.

وبالتالي قد يكون لدى النبات اعتماد أقل على ميكروبات أخرى متخصصة في استخراج النيتروجين العضوي.

وفي المقابل، احتوت عينات الفول على عدد أكبر من البكتيريا المنتجة لإنزيم ACC deaminase، وهو إنزيم يرتبط بآليات تساعد النباتات في تخفيف بعض آثار الإجهاد.

النبات لا يحتاج إلى «اسم» البكتيريا

يقول الباحث الرئيسي رودريغو تاكيتاني من Rothamsted Research إن المحصول يبدو أنه يختار البكتيريا وفق الوظائف المفيدة التي توفرها.

وهذه الفكرة قد تغير الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى ميكروبيوم الجذور، فالنبات ربما لا يحتاج إلى نوع بكتيري بعينه إذا كانت أنواع متعددة قادرة على تقديم الوظيفة نفسها.

بمعنى آخر، قد لا يكون المهم أن يحصل النبات على البكتيريا X، وإنما أن يحصل على كائن دقيق قادر على إذابة الزنك أو تحمل الجفاف أو المساعدة في الحصول على العناصر الغذائية التي يحتاجها.

والأهم أن النمط نفسه ظهر سواء جاءت التربة من اسكتلندا أو من هيرتفوردشاير، وهو ما اعتبره الباحثون دليلًا على وجود تأثير حقيقي للمحصول في تشكيل الوظائف الميكروبية.

لماذا تفشل بعض منتجات الأسمدة الحيوية؟

تقدم النتائج تفسيرًا محتملًا لمشكلة تواجه قطاع الأسمدة الحيوية والمنتجات الميكروبية الزراعية منذ سنوات.

فالسوق يضم منتجات تعتمد على كائنات مثل Rhizobium وAzotobacter وBacillus وTrichoderma، وتُسوّق لمحاصيل مختلفة بهدف تحسين النمو أو التغذية أو مقاومة الإجهاد.

لكن أداء هذه المنتجات في الحقول ليس ثابتًا دائمًا، وتشير تحليلات سابقة إلى أن السلالات المضافة من الخارج تواجه صعوبة في الاستقرار داخل المجتمعات الميكروبية الموجودة بالفعل في التربة.

وتقترح نتائج الدراسة الجديدة سببًا محتملًا لذلك: التربة ليست مساحة فارغة تنتظر البكتيريا القادمة من المنتج التجاري.

فهي تضم بالفعل مجتمعات ضخمة من الكائنات الدقيقة، وقد يكون بينها عدد كبير من الأنواع القادرة على أداء الوظيفة نفسها.

وبالتالي قد لا يحتاج النبات إلى سلالة جديدة تأتي من الخارج بقدر حاجته إلى العثور على بكتيريا محلية تمتلك الوظيفة المطلوبة.

ولهذا يرى الباحثون أن استراتيجية «مقاس واحد يناسب الجميع» في تلقيح التربة بالميكروبات قد لا تكون الخيار الأفضل.

وبدلًا من ذلك، يمكن أن يتحول التركيز مستقبلًا إلى تطوير أصناف نباتية أكثر قدرة على استقطاب الميكروبات المحلية المفيدة.

الزراعة المستقبلية قد تبدأ من قدرة النبات على «تجنيد» الميكروبات

تتوافق هذه الفكرة مع نتائج بحثية سابقة من Rothamsted أشارت إلى أن الزراعة المكثفة أضعفت قدرة بعض أصناف القمح الحديثة على اختيار البكتيريا المحفزة للنمو.

وتوجد أيضًا اتجاهات بحثية أخرى تحاول تعديل العلاقة بين الجذور والميكروبات، فقد عمل باحثون في جامعة كاليفورنيا في ديفيس على تعديل القمح وراثيًا لجعله يفرز مركبًا من الفلافونويدات يمكن أن يحفز بكتيريا التربة على تثبيت النيتروجين.

كما تشير أبحاث أخرى إلى إمكانية الاستفادة من ميكروبات الجذور في تقليل اعتماد القمح على الأسمدة.

وهذا يفتح مسارًا مختلفًا للزراعة المستدامة: بدلًا من النظر إلى التربة باعتبارها مجرد وسط يحمل النبات، يمكن التعامل معها باعتبارها نظامًا بيولوجيًا نشطًا تستطيع النباتات التأثير في تركيبته الوظيفية.

وقد يعني ذلك مستقبلًا تصميم أصناف زراعية لا تتميز فقط بإنتاجيتها أو قدرتها على تحمل الحرارة والجفاف، وإنما أيضًا بقدرتها على تجنيد شركاء ميكروبيين محليين يساعدونها في الحصول على العناصر الغذائية ومواجهة الإجهاد.

الدراسة لا تعني أن النبات يتحكم في أنواع البكتيريا الموجودة

رغم قوة النتائج، فإن الدراسة لا تعني أن النباتات تختار بصورة مباشرة أنواعًا محددة من البكتيريا وتستبعد غيرها.

فالتحليل أظهر بوضوح أن التربة والموقع يظلان العاملين الرئيسيين في تحديد هوية المجتمع البكتيري.

أما تأثير النبات فظهر بصورة أكبر عندما نظر الباحثون إلى القدرات والوظائف التي تحملها تلك المجتمعات.

وهناك أيضًا حدود مهمة للتجربة، فاختبارات الوظائف البكتيرية أُجريت في أطباق مخبرية وعلى وسط نمو واحد، وهو ما يمثل جزءًا محدودًا فقط من الظروف الموجودة في التربة الحقيقية.

فالبكتيريا التي تستطيع إذابة الزنك في طبق المختبر قد لا تؤدي الوظيفة نفسها عندما توجد بجوار جذر حي وتحت تأثير شبكة معقدة من الميكروبات والعناصر الكيميائية.

كما أجريت التجربة داخل أوعية وفي موسم واحد، بينما يمكن لظروف الحقل الحقيقية، ودورات المحاصيل، والطقس، وإدارة التربة أن تغير العلاقة بين إرث التربة وتأثير النبات.

ولذلك يدعو الباحثون إلى استخدام تقنيات الميتاجينوم وإجراء دراسات تشمل الفطريات أيضًا لفهم الصورة الكاملة.

من «إضافة البكتيريا» إلى تصميم العلاقة بين النبات والتربة

مع ذلك، استمرت الأنماط الرئيسية عبر تسع ترب وستة محاصيل تنتمي إلى أربع عائلات نباتية، ما يعزز أهمية النتائج ويجعلها ذات صلة بفهم العلاقة بين النبات والميكروبيوم الزراعي.

وتقدم الدراسة تصورًا أكثر تعقيدًا للزراعة الميكروبية، فبدلًا من السؤال التقليدي: أي بكتيريا يجب أن نضيفها إلى التربة؟

قد يصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نجعل النبات قادرًا على استقطاب الميكروبات المحلية التي تؤدي الوظائف التي يحتاجها؟

هذا التحول يمكن أن تكون له أهمية خاصة مع تزايد الحاجة إلى تقليل استخدام الأسمدة الكيميائية، ورفع كفاءة استخدام المياه والعناصر الغذائية، وزيادة قدرة المحاصيل على تحمل الجفاف والملوحة والضغوط المناخية.

وفي هذه الرؤية، لا تصبح البكتيريا مجرد «سماد حيوي» يضاف إلى الأرض، بل جزءًا من بنية زراعية حية تتفاعل فيها الجذور والتربة والميكروبات لتحديد قدرة النبات على النمو والإنتاج ومواجهة الظروف المتغيرة.

ونُشرت الدراسة في دورية ISME Communications، وتوفر بيانات التجارب البكتيرية عبر قاعدة AgMicrobiomeBase لإتاحة نتائجها للباحثين.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة