أخبارالاقتصاد الأخضر

كيف تمنع الدول الكوارث والصدمات من التحول إلى أزمات غذاء؟ دراسة تكشف مفتاح الصمود

تنويع مصادر الغذاء والاستعداد المسبق يحمي الدول من أزمات الجوع بعد الكوارث

الكوارث لا تعني الجوع حتمًا.. دراسة تكشف كيف تحمي الدول أمنها الغذائي من الصدمات

لم تعد الفيضانات والحرائق والجفاف والأعاصير والزلازل والصراعات والأوبئة والصدمات الاقتصادية مجرد أزمات منفصلة، إذ يمكن لأي منها أن يضرب الإنتاج الزراعي، ويدمر الثروة الحيوانية ومخزونات الغذاء، ويلوث مصادر المياه، ويقطع الطرق ويعزل المجتمعات، ويعطل الأسواق، ويصعّب وصول ملايين الأشخاص إلى الغذاء.

ومع تصاعد مخاطر تغير المناخ وتزايد الصدمات والأزمات الجيوسياسية حول العالم، تبرز مخاوف من أن تتحول هذه الأحداث إلى محرك متزايد لانعدام الأمن الغذائي والجوع.

لكن دراسة دولية جديدة تقدم رؤية أكثر تفاؤلًا، مؤكدة أن وقوع الكوارث والصدمات لا يعني بالضرورة تحولها إلى أزمات غذائية، وأن قدرة الدول على بناء أنظمة غذائية مرنة والاستعداد مسبقًا للأزمات يمكن أن تقلل بصورة كبيرة من آثارها على الأمن الغذائي.

الدراسة، المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، تقدم أدلة تجريبية على إمكانية كسر العلاقة التي تبدو حتمية بين التعرض للصدمات والكوارث وبين تدهور الأمن الغذائي.

المرونة.. خط الدفاع الأول أمام الأزمات

يركز الباحثون على مفهوم المرونة باعتباره عنصرًا أساسيًا في حماية النظم الغذائية.

وتعني المرونة قدرة الأفراد والمجتمعات والنظم البيئية، وفي هذه الحالة النظم الغذائية، على تحمل الاضطرابات والصدمات والاستمرار في أداء وظائفها رغم الكوارث والأزمات.

واعتمد الباحثون الدوليون على قاعدة بيانات واسعة شملت عشرات الدول حول العالم، وامتدت بياناتها لأكثر من عقد، لتحليل قدرة البلدان على الحفاظ على أمنها الغذائي في مواجهة أنواع مختلفة من الصدمات.

وأظهرت النتائج أن العامل الحاسم لا يتمثل فقط في مستوى التنمية الاقتصادية للدولة، أو عدد الكوارث التي تتعرض لها، أو حتى شدة هذه الكوارث، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بمستوى الاستعداد وقدرة الدولة على بناء مرونة كافية قبل وقوع الصدمة.

الكوارث والصدمات، رغم أنها قد تكون غير قابلة للتنبؤ أو المنع في كثير من الحالات، لا يجب أن تتحول تلقائيًا إلى أزمات جوع.

دول تتعرض للكوارث وتحافظ على أمنها الغذائي

كشفت الدراسة عن أمثلة لعدد من الدول، لا سيما في آسيا، نجحت في تحقيق تحسن في اتجاهات الأمن الغذائي، رغم تعرضها لمستويات من الكوارث والصدمات تفوق ما تشهده مناطق أخرى من العالم.

وتشير هذه النتيجة إلى أن التعرض المرتفع للمخاطر لا يؤدي بصورة تلقائية إلى انهيار الأمن الغذائي، إذا كانت الدولة تمتلك مؤسسات وقدرات وبنية تحتية ونظمًا غذائية قادرة على امتصاص الصدمة والتكيف معها.

وقال كريس بيني، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن أهمية هذه النتائج تتزايد في ظل ارتفاع عدد الصدمات والكوارث المرتبطة بتغير المناخ والصراعات والأوبئة، موضحًا أن أزمات الغذاء ليست حتمية، وأن المعاناة يمكن تجنبها إذا كانت الدول، وخاصة نظمها الغذائية، مستعدة بصورة كافية.

ما الذي يجعل النظام الغذائي أكثر قدرة على الصمود؟

لدراسة العوامل التي تساعد الدول على الحفاظ على أمنها الغذائي خلال الأزمات، حلل الباحثون مجموعة واسعة من المتغيرات، شملت مستوى الدخل، وشدة الصدمات، وقدرات الحكومات، والبنية التحتية، والتماسك الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب خصائص النظم الغذائية نفسها.

ما الذي يجعل النظام الغذائي أكثر قدرة على الصمود؟
ما الذي يجعل النظام الغذائي أكثر قدرة على الصمود؟

وتوصلت الدراسة إلى مجموعة من العوامل التي يمكن أن تعزز قدرة الدول والمجتمعات على مواجهة الصدمات.

1. تنويع مصادر الغذاء

كان تنويع طرق الحصول على الغذاء من أبرز العوامل المرتبطة بتقليل مخاطر الأزمات.

فكلما اعتمد النظام الغذائي على مصادر وقنوات متعددة، أصبح أقل عرضة للانهيار الكامل عند تعطل أحد مصادر الإمداد بسبب كارثة أو صراع أو أزمة اقتصادية.

ويعني ذلك أن بناء المرونة لا يتوافق بالضرورة مع الاعتماد على سلاسل إمداد شديدة الكفاءة لكنها هشة أمام الصدمات، وإنما يتطلب وجود بدائل وقدرات احتياطية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة.

2. كفاءة الحكومة

أظهرت الدراسة كذلك أهمية فاعلية الحكومة، بما يشمل قدرة المؤسسات والخدمات العامة على العمل بكفاءة والاستجابة للأزمات.

فالاستعداد للكوارث لا يعتمد فقط على الموارد المالية، وإنما على قدرة المؤسسات على توقع المخاطر، والتنسيق بين الجهات المختلفة، والاستجابة السريعة، وضمان استمرار الخدمات الأساسية وتدفق الغذاء إلى السكان.

3. البنية التحتية والقدرات التكنولوجية

تمثل البنية التحتية عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على تدفق الغذاء خلال الأزمات، خصوصًا عندما تؤدي الفيضانات أو الزلازل أو العواصف إلى إغلاق الطرق أو عزل مناطق كاملة.

كما ربطت الدراسة بين القدرة على الوصول إلى التكنولوجيات الجديدة والأسواق المالية وبين ارتفاع قدرة الدول على التعامل مع الصدمات.

وتتيح هذه القدرات للحكومات والمزارعين والقطاع الخاص تطوير أدوات أفضل للتنبؤ بالمخاطر والاستجابة لها، إلى جانب توفير التمويل اللازم للتعافي والاستثمار في المرونة.

4. رأس المال الاجتماعي

لم تقتصر عوامل المرونة على المؤسسات والاقتصاد والبنية التحتية، إذ وجدت الدراسة أن رأس المال الاجتماعي، بما يشمله من شبكات مجتمعية وروابط اجتماعية وعلاقات بين أفراد المجتمع، يؤدي أيضًا دورًا مهمًا على المدى الطويل.

وتزداد أهمية هذه الروابط خلال الكوارث، عندما تحتاج المجتمعات إلى تبادل الموارد والمعلومات والمساعدة، ودعم الأسر الأكثر تضررًا.

5. الاستثمار في قدرات الأسر والمجتمعات

يرى الباحثون أن بناء أنظمة غذائية مرنة يتطلب كذلك الاستثمار في القدرات البشرية على مستوى الأسرة والمجتمع، بما يساعد على حماية التغذية والأصول التي تعتمد عليها الأسر في حياتها وسبل كسبها.

وهذا يعني أن مواجهة أزمات الغذاء لا ينبغي أن تركز فقط على زيادة إنتاج الغذاء، وإنما يجب أن تشمل قدرة الأسر على الوصول إليه، والحفاظ على مصادر دخلها وأصولها، والتكيف مع الصدمات.

الحرارة والجفاف والفيضانات تضرب سلاسل الإمداد
التغيرات المناخية التي تزيد من تعقيد المخاطر التي تواجه الزراعة والأمن الغذائي

الكفاءة وحدها لا تكفي

تطرح الدراسة نقطة مهمة أمام صانعي السياسات، وهي أن السعي إلى تحقيق أعلى مستويات الكفاءة في سلاسل الإمداد الغذائية قد لا يكون كافيًا في عالم يتعرض لصدمات متكررة.

فالنظم التي تعتمد على سلاسل إمداد دقيقة ومترابطة دون وجود بدائل أو احتياطيات قد تكون أكثر عرضة للاضطراب عندما تقع كارثة مفاجئة.

لذلك يدعو الباحثون إلى تعزيز التنوع والتكرار والبدائل داخل النظم الغذائية، بدلًا من التركيز على الكفاءة وحدها أو الاعتماد على سلاسل توريد تعمل وفق مبدأ «في الوقت المناسب» دون هوامش أمان كافية.

وقال خوسيه لويس فيفيرو بول، أحد المشاركين في الدراسة، إن تعزيز مرونة النظم الغذائية يتطلب من الحكومات ووكالات التنمية والمؤسسات المالية إعطاء الأولوية لتعزيز قدرات الحكومات على توقع الصدمات والكوارث والاستجابة لها، وتشجيع التنوع والبدائل في النظم الغذائية، والاستثمار في القدرات البشرية على مستوى الأسر والمجتمعات.

تغير المناخ يرفع أهمية المرونة الغذائية

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تزيد من تعقيد المخاطر التي تواجه الزراعة والأمن الغذائي.

فالزراعة تعتمد بصورة مباشرة على الظروف المناخية، ما يجعل موجات الجفاف والفيضانات والعواصف والحرارة الشديدة من العوامل القادرة على التأثير في الإنتاج الزراعي والأسعار وسلاسل الإمداد.

وفي الوقت نفسه، يمكن للصدمات غير المناخية، مثل الصراعات والأوبئة والأزمات الاقتصادية، أن تتداخل مع المخاطر المناخية وتضاعف آثارها على الغذاء.

ومن هنا، فإن بناء المرونة لا يمثل مجرد استجابة للكوارث بعد وقوعها، وإنما استثمارًا طويل الأجل في قدرة النظام الغذائي على الاستمرار قبل وأثناء وبعد الأزمات.

أزمات الغذاء ليست قدرًا محتومًا

تقدم الدراسة رسالة رئيسية مفادها أن الكوارث والصدمات، رغم أنها قد تكون غير قابلة للتنبؤ أو المنع في كثير من الحالات، لا يجب أن تتحول تلقائيًا إلى أزمات جوع.

فالفرق بين مجتمع يتعرض للكارثة ويواجه انهيارًا غذائيًا، وآخر يستطيع الحفاظ على قدر كبير من أمنه الغذائي، قد يكون في مستوى الاستعداد والمرونة التي جرى بناؤها قبل وقوع الصدمة.

وبذلك، تتحول مرونة النظام الغذائي من مفهوم نظري إلى أداة رئيسية في سياسات الأمن الغذائي، خصوصًا في عالم تتزايد فيه المخاطر المناخية والاقتصادية والجيوسياسية.

وتخلص الدراسة إلى أن حماية الغذاء في المستقبل لن تعتمد فقط على إنتاج كميات أكبر منه، وإنما على بناء نظم غذائية متنوعة، مرنة، مترابطة اجتماعيًا، ومدعومة بمؤسسات قوية وبنية تحتية وقدرات تكنولوجية وتمويلية، بما يسمح لها بامتصاص الصدمات بدلًا من تحويل كل كارثة إلى أزمة غذاء.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة