ثلث الانبعاثات و70% من فقد التنوع البيولوجي.. فاتورة النظام الغذائي العالمي
تحول النظم الغذائية قد يحقق 10 تريليونات دولار سنويًا.. فرصة اقتصادية في قلب أزمة المناخ
تستعد دول العالم هذا العام لعقد ثلاث قمم بيئية كبرى خلال ثلاثة أشهر فقط، في فرصة نادرة لإعطاء الأولوية للحلول المتكاملة وتحويل ثلاثة مسارات بيئية متوازية إلى خطة عمل مشتركة.
وقد عقدت اتفاقيات ريو الثلاث، المعنية بالأراضي والتنوع البيولوجي والمناخ، مؤتمرات الأطراف الخاصة بها في العام نفسه من قبل، لكن حجم التحديات وطبيعتها المتشابكة اليوم يبدو مختلفًا.
وتواجه الأسر حول العالم ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، في الوقت الذي تؤدي فيه اضطرابات سلاسل الإمداد إلى ارتفاع أسعار الغذاء. ومع احتمالات حدوث ظاهرة «نينيو» فائقة القوة، لن تقتصر الأزمة على القدرة على تحمل تكاليف الغذاء، بل قد يواجه بعض السكان خطر عدم الحصول على ما يكفي منه.
وقبل 10 أعوام، واجه أكثر من 60 مليون شخص الجوع الحاد ونقص المياه الشديد خلال آخر موجة قوية من ظاهرة «نينيو». ومن شأن دورة مناخية أكثر شدة أن تكون لها عواقب مدمرة، خاصة في البلدان منخفضة الدخل.
وتكشف التطورات المتزامنة في عدم الاستقرار الجيوسياسي، والصدمات المناخية، وفقدان الطبيعة، مدى هشاشة النظم الغذائية العالمية، ولماذا أصبح تعزيز قدرتها على الصمود أولوية عالمية.
وإذا جرى التحول في النظم الغذائية بصورة صحيحة، فإنه يمكن أن يحقق عدة أهداف في الوقت نفسه، ويسهم في تخفيف الضغوط عن عالم يقترب من حدود خطرة بيئيًا ومناخيًا.

النظم الغذائية.. فرصة كبرى لمواجهة تغير المناخ
تسهم النظم الغذائية حاليًا بنحو ثلث انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، كما تقف وراء نحو 70% من فقدان التنوع البيولوجي المرتبط بالأراضي.
لكنها في الوقت نفسه تمثل واحدة من أكبر فرص التغيير الإيجابي عبر الاتفاقيات البيئية الثلاث، من خلال خفض الانبعاثات، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين سبل المعيشة.
وقليل من القطاعات الأخرى يمتلك مثل هذه الفوائد الواسعة والمترابطة.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يمثل تحويل النظم الغذائية واحدًا من أذكى الاستثمارات التي تستطيع الحكومات القيام بها، إذ يمكن أن تصل قيمته إلى نحو 10 تريليونات دولار سنويًا.
ومع ذلك، لا تزال النظم الزراعية والغذائية من بين القطاعات الأقل حصولًا على التمويل المناخي.

«كوب الثلاثية».. فرصة لتوحيد أجندات البيئة
بدلًا من التعامل مع فقدان الطبيعة وتغير المناخ واستصلاح الأراضي باعتبارها أجندات بيئية منفصلة، يتيح عام «كوب الثلاثية» للحكومات فرصة لتعزيز حلول تحقق نتائج في المجالات الثلاثة في وقت واحد، مع توفير النظم الغذائية حلقة وصل أساسية بينها.
وتبرز أولى الفرص الرئيسية لمعالجة قضايا النظم الغذائية خلال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD)، التي تستضيفها منغوليا، حيث يجتمع القادة لمناقشة قضايا تدهور الأراضي والجفاف.
ويعاني ما يصل إلى 40% من أراضي الأرض من التدهور، ما يؤثر في مليارات الأشخاص ويتسبب في خسائر تقدر بنحو 900 مليار دولار سنويًا للاقتصادات العالمية.
ولا يمثل استصلاح الأراضي وتحسين صحتها ضرورة للمجتمعات المتضررة والإنتاج الغذائي فحسب، بل يعد أيضًا عنصرًا أساسيًا لتحقيق الأهداف المشتركة للاتفاقيات البيئية الثلاث.
وقد أدرك قادة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، بالفعل أن تحقيق قدر أكبر من التكامل بين هذه المسارات أصبح أمرًا ضروريًا.
ومن خلال مجموعة اتصال مشتركة، وبرنامج جديد لبناء القدرات المشتركة، والعمل المتكامل في مجالي التخطيط والتمويل، بدأت الاتفاقيات الثلاث في وضع الأسس لنهج أكثر تكاملًا.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا التنسيق إلى إجراءات عملية، وتمثل النظم الغذائية نقطة قوية يمكن البدء منها.

منغوليا.. نموذج لاستعادة الأراضي عبر المجتمعات المحلية
تقدم منغوليا مثالًا على كيفية تنفيذ هذا النهج عمليًا.
فعلى مدى العقود الماضية، أدى تزايد أعداد الماشية وانتقال الرعاة الرحل إلى أنماط حياة أكثر استقرارًا إلى رعي مفرط محلي وتدهور للمراعي في منطقة السهوب الشرقية، ما هدد التنوع البيولوجي واستقرار التربة وإنتاجية النظم البيئية وقدرة سبل المعيشة القائمة على تربية الماشية على الصمود.
وتعاونت وزارة البيئة وتغير المناخ في منغوليا مع الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، إلى جانب المجتمعات الرعوية، لإحياء ممارسات الرعي التقليدية ومعالجة تدهور الأراضي.
ويتمثل جوهر المبادرة في اتخاذ القرارات محليًا وبشكل جماعي.
ويحدد الرعاة المناطق ذات الأولوية داخل مناطقهم المحلية، المعروفة باسم «سوم» (soum)، لتخصيصها للراحة والتناوب والاستصلاح، استنادًا إلى المعرفة المحلية واحتياجات الماشية واعتبارات حماية الحياة البرية.
وتُدمج هذه الإجراءات في خطط إدارة المناظر الطبيعية على مستوى «باغ» (bagh)، وهي وحدات إقليمية محلية، بما يضمن إدماج الأولويات المحلية والمعارف والقرارات التي تقودها المجتمعات في التخطيط الرسمي والتنفيذ الحكومي.
وقد جرى تأهيل أكثر من 845 ألف هكتار من أراضي المراعي المتدهورة، ما أسهم في تحسين صحة التربة ودعم الحياة البرية.
الزراعة الإيجابية للطبيعة
يمثل هذا النموذج تطبيقًا عمليًا لمفهوم «الزراعة الإيجابية للطبيعة»، التي تعتمد على ممارسات تجديدية وغير مستنزفة وغير مدمرة، ويمكن تطبيقها في سياقات مختلفة.
وتشمل هذه الممارسات الرعي التناوبي في منغوليا، والزراعة التجديدية، والزراعة الإيكولوجية، والحراجة الزراعية في مناطق أخرى.
ومن خلال مواءمة إنتاج الغذاء مع استعادة النظم البيئية، تستطيع الزراعة الإيجابية للطبيعة خلق فوائد اقتصادية وبيئية مشتركة تمتد من المجتمعات المحلية إلى الأولويات الوطنية وسلاسل الإمداد العالمية.

الحاجة إلى تسريع الحلول
يتزايد الاهتمام بالحلول التي تحقق نتائج مشتركة للمناخ والطبيعة والأراضي، لكن المطلوب الآن هو توسيع نطاق هذه الحلول بالسرعة التي تفرضها الأزمات المتفاقمة.
فالعمل في مسارات منفصلة لن يكون كافيًا لحل مشكلات منهجية مثل انعدام الأمن الغذائي.
ومع تزايد الظواهر الجوية المتطرفة، يصبح التحرك العاجل ضرورة لحماية الفئات الأكثر تضررًا، وفي مقدمتها المجتمعات الريفية الهشة التي تتحمل في كثير من الأحيان مسؤولية زراعة وإنتاج وحصاد الغذاء الذي يطعم العالم.
ويوفر تحول النظم الغذائية نموذجًا قويًا لما يمكن أن يحققه التنفيذ المتكامل، لكنه يمثل بداية الطريق فقط.
وقد يصبح عام «كوب الثلاثية» محطة مهمة إذا لم يُنظر إليه باعتباره مجرد عام لثلاثة مؤتمرات منفصلة، بل باعتباره لحظة لتسريع حلول مترابطة تتناسب مع طبيعة الأزمات المتشابكة التي يسعى العالم إلى مواجهتها.





