أخبارالاقتصاد الأخضر

النفط يقفز نحو 110 دولارات.. لماذا أصبح الديزل الحلقة الأضعف في أزمة الطاقة؟

من هرمز إلى المصافي.. أزمة جديدة تهدد وقود النقل والغذاء والصناعة عالميًا

قفزت أسعار النفط بنحو 5% خلال تعاملات اليوم الاثنين، لتتجاوز 109 دولارات للبرميل، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتجدد المخاوف من تعطل إمدادات الطاقة، لكن أزمة سوق النفط الحالية لا تتوقف عند الخام.

ففي الوقت الذي تتعرض فيه حركة الإمدادات لضغوط متزايدة، تواجه السوق العالمية مشكلة أكثر تعقيدًا تتمثل في تراجع قدرة المصافي على تحويل النفط الخام إلى ديزل وبنزين ووقود طائرات وغيرها من المنتجات الأساسية.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: قد يكون النفط الخام متاحًا في بعض المناطق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الوقود الذي تحتاجه الشاحنات والجرارات والمصانع والطائرات سيكون متوافرًا بالقدر الكافي.

النفط يقفز 5% في يوم واحد

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت خلال تعاملات الاثنين بنحو 4.97 دولار، أو 4.75%، إلى 109.58 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط بنحو 4.67 دولار، أو 4.67%، إلى 104.72 دولار.

وجاءت القفزة الجديدة مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة في المنطقة.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن سفينة في مضيق هرمز تعرضت لقذيفة، ما تسبب في اندلاع حريق وإجلاء طاقمها.

كما أعلنت إيران مقتل شخص وإصابة أربعة من أفراد طاقم سفينة تجارية إيرانية تعرضت لهجوم قبالة سواحلها.

وتزامنت هذه التطورات مع اضطرابات مرتبطة بإمدادات النفط وخطوط النقل في المنطقة، ما أعاد المخاوف بشأن قدرة السوق العالمية على الحصول على الإمدادات بصورة طبيعية.

8 % ارتفاعًا في أسبوع واحد

لم تكن قفزة الاثنين منفصلة عن تحركات الأسبوع الماضي؛ فقد ارتفع سعر النفط بنحو 8% خلال الأسبوع السابق، متجاوزًا مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو.

وتزداد حساسية السوق مع استمرار المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إلى جانب الاضطرابات التي أصابت منشآت وخطوط إمداد في المنطقة.

وكانت السعودية قد أوقفت احترازيًا خط أنابيب «شرق–غرب» بعد تعرض أجزاء منه في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لاستهدافات في 10 سبتمبر، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية عن مصدر مسؤول في وزارة الطاقة.

ويزيد كل تطور من هذا النوع علاوة المخاطر التي يضيفها المتعاملون إلى أسعار النفط تحسبًا لاحتمال استمرار اضطراب الإمدادات.

مضيق هرمز والحرب في المنطقة والتصعيد ومخاوف الإغلاق وإعاقة خركة تجارة النفط
هل تستطيع المصافي العالمية إنتاج كميات كافية من الديزل ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى

لكن المشكلة الأكبر قد تكون في المصافي

وراء ارتفاع سعر الخام توجد أزمة أكثر تعقيدًا في سوق المنتجات النفطية.

فخلال الأشهر الماضية، لم يعد التحدي يتمثل فقط في كمية النفط الخام المتاحة، وإنما في قدرة العالم على تكريره وتحويله إلى وقود جاهز للاستخدام.

وبحسب البيانات الواردة عن وكالة الطاقة الدولية، بلغت عمليات تكرير الخام عالميًا نحو 80.9 مليون برميل يوميًا في يوليو، بزيادة 1.8 مليون برميل يوميًا عن يونيو، لكنها ظلت أقل بنحو 5 ملايين برميل يوميًا من مستويات العام السابق.

وهذا الفارق يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له المصافي العالمية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى المنتجات المكررة.

وخلال مؤتمر آسيا والمحيط الهادي للنفط «أبيك» في سنغافورة، حذر الرئيس التنفيذي لشركة فيتول، راسل هاردي، من فقدان السوق نحو مليوني برميل يوميًا من المنتجات الروسية ومليوني برميل يوميًا أخرى من الشرق الأوسط.

وتعني هذه الأرقام أن السوق لا تواجه نقصًا في الخام فحسب، بل تواجه أيضًا نقصًا في المنتجات التي يحتاجها الاقتصاد يوميًا.

هل نحن أمام أزمة نفط أم أزمة تكرير؟
هل نحن أمام أزمة نفط أم أزمة تكرير؟

لماذا أصبح الديزل الحلقة الأضعف؟

الديزل ليس مجرد وقود للسيارات.

إنه وقود أساسي لحركة الشاحنات والقطارات ومعدات البناء والتعدين، كما تعتمد عليه الجرارات والحصادات ومضخات الري والمولدات والعديد من الأنشطة الصناعية.

ولهذا، فإن ارتفاع سعر الديزل ينتقل بسرعة من سوق الطاقة إلى بقية الاقتصاد.

زيادة سعر الوقود ترفع تكلفة نقل السلع، وتزيد تكلفة تشغيل المعدات الزراعية، وتضغط على تكاليف المصانع، وفي النهاية يمكن أن تنعكس على أسعار المنتجات الغذائية والاستهلاكية.

وتزداد حساسية السوق لأن المصافي لا تستطيع ببساطة زيادة إنتاج الديزل بلا حدود.

فكل مصفاة لديها تصميم محدد ووحدات معالجة ذات قدرات مختلفة، كما تتأثر تركيبة المنتجات التي تنتجها بنوعية النفط الخام الذي تعالجه.

وبالتالي، فإن ارتفاع الطلب على الديزل لا يعني إمكانية تحويل كل برميل إضافي من الخام إلى ديزل.

الشرق الأوسط يخسر جزءًا من طاقة التكرير

في منطقة الخليج، التي صدرت نحو 3.3 ملايين برميل يوميًا من المنتجات النفطية المكررة خلال 2025، تسببت الهجمات وتعطل بعض منافذ التصدير في خروج قدرات تكرير كبيرة من الخدمة.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى توقف قرابة 3 ملايين برميل يوميًا من طاقة التكرير في المنطقة بفعل الاضطرابات.

وتكمن المشكلة في أن بعض الدول تستطيع تجاوز مضيق هرمز بالنسبة إلى جزء من صادرات الخام باستخدام خطوط الأنابيب التي تصل إلى موانئ خارج المضيق، لكن الخيارات المتاحة لتصدير المنتجات المكررة ليست بالمرونة نفسها.

وبالتالي، قد تمتلك المنطقة النفط الخام، وتمتلك المصافي، لكنها تواجه مشكلة في إخراج المنتجات إلى الأسواق العالمية عندما تتعرض طرق الملاحة للاضطراب.

أزمة مزدوجة تهدد آسيا مع احتمال إغلاق مضيق هرمز وتفاقم إل نينيو
عندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، ترتفع المسافة واستهلاك الوقود وأقساط التأمين وأجور الشحن

روسيا.. أزمة من نوع آخر

أما روسيا فتواجه ضغوطًا مختلفة.

فالهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة أدت إلى تعطيل بعض المصافي وتقليص عمليات التكرير والصادرات، في الوقت الذي اتخذت فيه موسكو إجراءات للحد من صادرات الديزل بهدف حماية السوق المحلية.

وهكذا فقدت السوق العالمية جزءًا من الإمدادات القادمة من مصدرين رئيسيين للمنتجات المكررة، بينما تواجه المصافي في مناطق أخرى حدودًا تشغيلية تمنعها من تعويض النقص بسرعة.

وتزداد صعوبة الموقف مع اضطراب إمدادات الخام نفسها، ما يعني أن المشكلة لا يمكن حلها بمجرد رفع تشغيل المصافي في دول أخرى.

الولايات المتحدة ليست قادرة على سد الفجوة وحدها

كانت الولايات المتحدة واحدة من أهم مصادر التعويض للسوق العالمية، لكن المصافي الأمريكية تعمل بالفعل بالقرب من طاقتها القصوى.

وتشير تقديرات «إس آند بي غلوبال» إلى وصول معدل تشغيل المصافي الأمريكية إلى نحو 98%، ما يترك هامشًا محدودًا لزيادة الإنتاج إذا استمرت الإمدادات العالمية في التراجع.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت صادرات الديزل الأمريكية إلى مستويات قياسية، في محاولة لتعويض جزء من النقص القادم من روسيا والشرق الأوسط.

وتكشف هذه المفارقة أن الولايات المتحدة يمكنها زيادة الإمدادات، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض ملايين البراميل المفقودة من سوق عالمية مضغوطة.

المخزونات بدأت تستنزف

خلال المراحل الأولى من الأزمة، استطاعت الأسواق استخدام المخزونات لتعويض جزء من نقص الإمدادات.

لكن استمرار الاضطرابات بدأ يستنزف هذا الاحتياطي.

وبحسب البيانات الواردة عن وكالة الطاقة الدولية، تراجع إجمالي مخزونات النفط العالمية المرصودة إلى أقل قليلًا من 7.9 مليارات برميل بنهاية يوليو، بانخفاض تراكمي بلغ نحو 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب في إيران.

وفي سوق الديزل تحديدًا، قدرت «إس آند بي غلوبال» المخزونات العالمية بنحو 542 مليون برميل في 21 أغسطس، بانخفاض 28.5 مليون برميل مقارنة بالعام السابق.

وهذا يعني أن السوق تدخل المرحلة المقبلة بهامش أمان أقل، في وقت قد يرتفع فيه الطلب الموسمي.

الشتاء يقترب.. والطلب على الديزل يرتفع

تزداد المخاطر مع اقتراب فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي.

فموسم حصاد الخريف في أمريكا الشمالية، وبداية النشاط الزراعي في أجزاء من أمريكا الجنوبية، يرفعان الطلب على الديزل، بينما يؤدي الشتاء إلى زيادة استهلاك وقود التدفئة.

وفي الوقت نفسه، تدخل بعض المصافي موسم الصيانة الدورية، ما قد يقلل قدرتها على رفع الإنتاج في اللحظة التي تحتاج فيها الأسواق إلى المزيد من الوقود.

وتقدر «إس آند بي غلوبال» أن الطلب العالمي على الديزل يرتفع عادة بنحو مليوني برميل يوميًا بين أغسطس وأكتوبر.

لكن هذه الزيادة تأتي هذه المرة في سوق فقدت بالفعل جزءًا من مصادر إمداداتها المعتادة.

الديزل يهدد الغذاء والنقل والصناعة

خطورة أزمة الديزل لا تتعلق فقط بسائقي السيارات.

فالشاحنة التي تنقل الغذاء من المزرعة إلى المخزن تحتاج إلى الوقود، والجرار الذي يحصد المحصول يحتاج إليه، والمعدات التي تعمل في مواقع البناء تعتمد عليه، وكذلك قطاعات صناعية ونقل عديدة.

ولهذا يمكن أن تنتقل صدمة الديزل عبر سلسلة طويلة: ارتفاع أسعار الوقود → زيادة تكاليف النقل والإنتاج → ارتفاع تكلفة السلع → ضغوط تضخمية على المستهلك.

وفي قطاع الزراعة، يمكن أن تبدأ السلسلة من ارتفاع تكلفة تشغيل الجرارات ومعدات الري والحصاد، ثم تنتقل إلى تكلفة نقل المحاصيل، قبل أن تصل في النهاية إلى أسعار الغذاء.

الأزمة تمتد إلى الطيران والشحن البحري

ولا تقتصر الضغوط على الديزل.

فوقود الطائرات ينتمي، إلى جانب الديزل، إلى مجموعة نواتج التقطير الوسطى التي تعتمد على قدرات التكرير نفسها، ما يجعل اضطراب المصافي مؤثرًا في أكثر من سوق في الوقت ذاته.

كما بدأ الضغط يمتد إلى الوقود البحري.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتمال تسجيل سوق زيت الوقود عجزًا بنحو 218 ألف برميل يوميًا خلال الربع الثالث، بينما ارتفع سعر زيت الوقود البحري منخفض الكبريت في سنغافورة بنحو 76% منذ اندلاع الحرب في إيران، ليقترب من 825 دولارًا للطن في الأول من سبتمبر.

وهذا يضيف طبقة جديدة من التكلفة على قطاع الشحن العالمي، الذي يواجه أصلًا ارتفاع تكاليف التأمين والمسارات نتيجة المخاطر الأمنية في الممرات البحرية.

أزمة الممرات تضاعف المشكلة

تتقاطع أزمة النفط والديزل مع أزمة أمن الممرات البحرية.

فمضيق هرمز يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة، بينما يؤثر اضطراب باب المندب والبحر الأحمر في حركة السفن بين آسيا وأوروبا.

وعندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، ترتفع المسافة واستهلاك الوقود وأقساط التأمين وأجور الشحن.

وهكذا تتحول الأزمة من مشكلة في إنتاج الطاقة إلى مشكلة في نقل الطاقة والسلع أيضًا.

وهذا يفسر لماذا يمكن لاضطراب جغرافي محدود في منطقة استراتيجية أن يتحول إلى ضغط عالمي على تكاليف النقل والتجارة.

هل نحن أمام أزمة نفط أم أزمة تكرير؟

الفرق مهم.

إذا كانت المشكلة نقصًا في الخام فقط، فإن ارتفاع الأسعار قد يحفز المنتجين على زيادة الإنتاج، لكن عندما يكون الاختناق في المصافي والنقل والمخزونات، تصبح استجابة السوق أكثر تعقيدًا.

فالمطلوب ليس النفط الخام فقط، وإنما القدرة على تكريره، ثم نقل المنتجات المكررة، ثم تخزينها وتوزيعها في الأسواق التي تحتاج إليها.

وهذا ما يجعل أزمة 2026 مختلفة عن مجرد صدمة سعرية تقليدية.

✔️ ناقلات النفط العالقة بدأت تتحرك من جديد
ناقلات نفط تعبر أحد الممرات البحرية وسط أجواء متوترة،

الاختبار الأصعب لم يبدأ بعد

السؤال الأساسي أمام سوق الطاقة العالمية خلال الأسابيع المقبلة لن يكون فقط: إلى أين يمكن أن يصل سعر برميل النفط؟

بل سيكون أيضًا: هل تستطيع المصافي العالمية إنتاج كميات كافية من الديزل ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى، بينما تتراجع المخزونات وتتعرض طرق التجارة لضغوط ويقترب موسم الشتاء؟

إذا عادت حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، واستؤنفت طاقات التكرير المتوقفة، فقد تنحسر الضغوط تدريجيًا.

أما إذا استمرت الاضطرابات، فإن الخطر الأكبر قد ينتقل من سوق الخام إلى سوق المنتجات، حيث يمكن أن تصبح قدرة التكرير والنقل والمخزونات هي العامل المحدد لتوافر الوقود.

وهنا تصبح أزمة الديزل قصة تتجاوز قطاع الطاقة نفسه، لتصل إلى تكلفة الغذاء والنقل والصناعة والتجارة والتضخم حول العالم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة