أخبارالزراعة

ضعف إنتاجية الأراضي الزراعية المجاورة للمساكن.. لماذا تتراجع المحاصيل؟ وما الحلول المناسبة؟

أشجار ومبانٍ تحجب الشمس.. كيف يستعيد المزارعون إنتاجية الأراضي المحاصرة بالكتلة السكنية؟

كتب: محمد كامل

مع تمدد الكتلة السكنية واقتراب المباني من الأراضي الزراعية، يواجه بعض المزارعين مشكلة لا ترتبط فقط بجودة التربة أو نقص الأسمدة، وإنما بما يمكن وصفه بـ**«أزمة الضوء»**؛ إذ قد تحجب المباني والمنشآت المحيطة جزءًا من أشعة الشمس عن المحاصيل، فتتراجع كفاءة البناء الضوئي وينخفض الإنتاج في بعض الزراعات التي تحتاج إلى إضاءة مرتفعة.

ويشكو مزارعو بعض الأراضي المجاورة للمناطق السكنية من تراجع إنتاجية المحاصيل، الأمر الذي يفرض البحث عن حلول لا تعتمد على زيادة الأسمدة أو مياه الري فقط، وإنما تبدأ من اختيار المحصول المناسب لطبيعة الموقع، ثم تعديل المعاملات الزراعية، وصولًا إلى التفكير في أنشطة إنتاجية بديلة عندما تصبح ظروف الزراعة التقليدية غير مناسبة.

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور محمود عتمان، أستاذ الإرشاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، أن حجب أشعة الشمس عن الأراضي الزراعية المجاورة للكتلة السكنية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض إنتاجية بعض المحاصيل التقليدية، نتيجة تراجع عملية البناء الضوئي.

ويرى عتمان أن التعامل مع المشكلة يجب أن يختلف بحسب درجة نقص الضوء وطبيعة المحصول وظروف الأرض، موضحًا أن الحلول تبدأ من تغيير نمط الزراعة واختيار محاصيل أكثر تحملاً للظل، أو تعديل الري والتسميد، أو اللجوء إلى أنشطة زراعية وإنتاجية بديلة.

أشجار ومبانٍ تحجب الشمس.. كيف يستعيد المزارعون إنتاجية الأراضي المحاصرة بالكتلة السكنية؟
أشجار ومبانٍ تحجب الشمس.. كيف يستعيد المزارعون إنتاجية الأراضي المحاصرة بالكتلة السكنية؟

كيف يؤثر نقص أشعة الشمس على المحاصيل؟

النبات يحتاج إلى الضوء لإجراء عملية البناء الضوئي التي ينتج خلالها الطاقة اللازمة للنمو وتكوين الأوراق والثمار والجذور.

وعندما تتعرض الأرض لظلال المباني أو المنشآت لفترات طويلة من اليوم، تقل كمية الإشعاع الضوئي التي تصل إلى النباتات.

ويظهر تأثير ذلك بصورة أكبر في المحاصيل التي تحتاج إلى شمس كاملة لتحقيق أفضل نمو وإنتاج، بينما توجد نباتات أخرى تستطيع التعامل مع مستويات أقل من الإضاءة.

لكن نقص الضوء لا يعني بالضرورة أن الأرض أصبحت غير صالحة للزراعة؛ فالنتيجة تعتمد على مقدار الظل، وعدد ساعات وصول الضوء، واتجاه الأرض، وارتفاع المباني المحيطة، ونوع المحصول.

ومن هنا تأتي أهمية اختيار المحصول بدلًا من الاستمرار في زراعة نوع يحتاج إلى ظروف لم تعد متوافرة في الموقع.

كيف يؤثر نقص أشعة الشمس على المحاصيل؟
كيف يؤثر نقص أشعة الشمس على المحاصيل؟

الحل الأول.. تغيير نوعية المحاصيل

يقول الدكتور محمود عتمان إن أحد أهم الحلول يتمثل في استبدال المحاصيل التي تحتاج إلى شمس كاملة بمحاصيل أكثر قدرة على النمو في ظروف الإضاءة المنخفضة نسبيًا.

ومن بين الخيارات التي يمكن التفكير فيها، بحسب طبيعة الموقع:

الخضروات الورقية

مثل: السبانخ، الملوخية، الخس، الجرجير والفجل.

وتتميز بعض هذه المحاصيل بإمكانية التعامل مع مستويات إضاءة أقل من المحاصيل التي تحتاج إلى شمس قوية طوال اليوم، لكن درجة التحمل تختلف من محصول إلى آخر، لذلك ينبغي اختبار ملاءمة كل محصول للموقع قبل التوسع في زراعته.

بعض المحاصيل الجذرية

مثل: الجزر واللفت.

ويمكن لبعض المحاصيل الجذرية التعامل مع ظروف إضاءة أقل نسبيًا، إلا أن جودة وحجم الإنتاج يظلان مرتبطين بكمية الضوء المتاحة وخصائص التربة والمياه.

النباتات الطبية والعطرية

ومن الخيارات التي يمكن بحثها في بعض المواقع:

النعناع، والكرفس، والبقدونس، مع ضرورة اختيار الأنواع والأصناف المناسبة للظروف المحلية.

بعض الفواكه

مثل الفراولة وبعض أنواع التوت في نظم إنتاج مناسبة، لكن إدخال الفاكهة في الأراضي قليلة الإضاءة يحتاج إلى تقييم اقتصادي وفني أكثر دقة، لأن احتياجات الضوء تختلف بشدة بين الأنواع والأصناف.

استبدال المحاصيل التي تحتاج إلى شمس كاملة بمحاصيل أكثر قدرة على النمو في ظروف الإضاءة المنخفضة نسبيًا.
استبدال المحاصيل التي تحتاج إلى شمس كاملة بمحاصيل أكثر قدرة على النمو في ظروف الإضاءة المنخفضة نسبيًا.

لا تعوض زيادة الأسمدة نقص الضوء

من الأخطاء التي قد يلجأ إليها بعض المزارعين محاولة تعويض ضعف النمو الناتج عن قلة الضوء بزيادة كميات الأسمدة.

لكن النبات لا يستطيع ببساطة تحويل كميات أكبر من الأسمدة إلى إنتاج أعلى إذا كان العامل المحدد هو الضوء.

لذلك فإن تشخيص سبب ضعف الإنتاجية أولًا أكثر أهمية من زيادة المدخلات بصورة عشوائية.

وفي الأراضي التي تعاني من نقص الضوء، يصبح الهدف هو تحقيق أفضل استفادة ممكنة من الإضاءة المتاحة، إلى جانب ضبط الري والتسميد وفق احتياجات المحصول وتحليل التربة.

تعديل الري.. لأن الظل يغير احتياجات النبات

يوضح عتمان أن غياب الشمس أو انخفاضها يؤدي إلى انخفاض معدل تبخر المياه مقارنة بالمناطق الأكثر تعرضًا للإشعاع الشمسي.

وهذا يعني أن الاستمرار في استخدام نفس برنامج الري المطبق على أرض مشمسة بالكامل قد يؤدي إلى زيادة الرطوبة في منطقة الجذور.

ومع زيادة الرطوبة وسوء التهوية، يمكن أن ترتفع مخاطر بعض أمراض الجذور والفطريات.

لذلك ينبغي:

  • متابعة رطوبة التربة بصورة منتظمة.
  • تجنب الري الزائد.
  • تحسين الصرف.
  • ضبط مواعيد وكميات الري وفق المحصول والتربة والطقس.
  • عدم الاعتماد على جدول ري ثابت دون مراقبة احتياجات النبات.

وهنا لا يعني تقليل الري إيقافه، وإنما تعديل كمياته وتوقيته وفق الظروف الفعلية للأرض.

استبدال المحاصيل التي تحتاج إلى شمس كاملة بمحاصيل أكثر قدرة على النمو في ظروف الإضاءة المنخفضة نسبيًا.
استبدال المحاصيل التي تحتاج إلى شمس كاملة بمحاصيل أكثر قدرة على النمو في ظروف الإضاءة المنخفضة نسبيًا.

التسميد.. التركيز على احتياجات النبات وليس الكمية

يشير عتمان إلى أهمية الاهتمام بالأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية لدعم نمو الجذور وتحسين قدرة النبات على تحمل بعض الظروف الضاغطة.

لكن الأفضل عمليًا أن يتم تحديد برنامج التسميد بناءً على تحليل التربة واحتياجات المحصول، لأن زيادة أي عنصر غذائي عن الحاجة قد لا تؤدي إلى زيادة الإنتاج، وقد تسبب اختلالًا في التوازن الغذائي للنبات.

كما أن نقص الضوء نفسه لا يمكن علاجه بالأسمدة؛ فإذا كان الضوء هو العامل المحدد للنمو، فإن تحسين التغذية لن يعوض بالكامل غياب الإشعاع الشمسي.

زيادة مسافات الزراعة

من الحلول الأخرى التي يمكن تجربتها زيادة المسافات بين النباتات في بعض المحاصيل.

فالزراعة الكثيفة تعني منافسة أكبر بين النباتات على الضوء المحدود أصلًا.

وعندما تتباعد النباتات بالقدر المناسب، يمكن لكل نبات الاستفادة بصورة أفضل من كمية الضوء المتاحة وتقليل التنافس، إلى جانب تحسين حركة الهواء بين النباتات.

لكن المسافات المثلى تختلف حسب نوع المحصول والصنف وطريقة الزراعة، ولذلك لا ينبغي تطبيق مسافة واحدة على جميع الزراعات.

قص الضوء نفسه لا يمكن علاجه بالأسمدة؛ فإذا كان الضوء هو العامل المحدد للنمو
قص الضوء نفسه لا يمكن علاجه بالأسمدة؛ فإذا كان الضوء هو العامل المحدد للنمو

ماذا تفعل إذا كان الظل شديدًا؟

عندما تصبح كمية الضوء منخفضة للغاية بحيث لا تحقق المحاصيل التقليدية إنتاجًا اقتصاديًا، يمكن الانتقال من محاولة مقاومة ظروف الموقع إلى إعادة تصميم النشاط الزراعي نفسه.

الصوب الزراعية

من الخيارات التي طرحها عتمان استخدام الزراعة المحمية، خصوصًا الصوب التي يمكن التحكم في ظروفها.

ويمكن في بعض النظم استخدام تقنيات الإضاءة الصناعية، بما فيها مصابيح LED، لتعويض جزء من نقص الضوء، خاصة في إنتاج المحاصيل عالية القيمة.

لكن هذه التقنية ليست حلًا مجانيًا؛ فالإضاءة الصناعية ترفع استهلاك الطاقة وتكلفة التشغيل، ولذلك يجب إجراء دراسة اقتصادية قبل استخدامها على نطاق تجاري.

المشروم.. محصول لا يعتمد على ضوء الشمس بالطريقة نفسها

إذا كانت الأرض أو المساحة شديدة الظل وغير مناسبة للمحاصيل التقليدية، فإن زراعة المشروم أو عيش الغراب تمثل خيارًا مختلفًا، لأنها لا تعتمد على أشعة الشمس المباشرة لإنتاجها بالطريقة التي تعتمد عليها معظم المحاصيل الخضرية.

ويمكن إنشاء غرف أو وحدات مخصصة للإنتاج في المساحات المناسبة، مع التحكم في درجات الحرارة والرطوبة والتهوية.

وهنا يتحول نقص الضوء من مشكلة إلى ميزة نسبية لمشروع إنتاجي مختلف.

عندما تصبح الزراعة التقليدية غير اقتصادية

يقول عتمان إنه إذا أصبحت الأرض غير صالحة للزراعة التقليدية بسبب انعدام الضوء أو شدة الظروف المحيطة، فيمكن التفكير في أنشطة بديلة، بحسب القوانين والاشتراطات المنظمة لاستخدام الأراضي الزراعية.

ومن بين الأفكار التي يمكن بحثها:

المشاتل

يمكن استغلال بعض المواقع في إنتاج نباتات الزينة ونباتات الظل التي يزداد الطلب عليها في المناطق السكنية.

وهذا الخيار قد يكون منطقيًا بشكل خاص إذا كان الموقع نفسه قريبًا من سوق المستهلك النهائي، مثل الأحياء السكنية ومناطق المشروعات الجديدة.

المناحل

يمكن إنشاء مشروعات لتربية النحل وإنتاج العسل في المواقع المناسبة بيئيًا، بشرط توافر الظروف الملائمة ومراعاة الاشتراطات المنظمة.

عندما تصبح الزراعة التقليدية غير اقتصادية
عندما تصبح الزراعة التقليدية غير اقتصادية

الإنتاج الحيواني والداجني

يمكن التفكير في بعض الأنشطة الحيوانية أو الداجنة في المواقع التي تسمح بذلك، لكن ليس كل أرض زراعية يمكن تحويل استخدامها إلى عنابر أو منشآت إنتاجية؛ إذ يتطلب ذلك الالتزام بالتراخيص والاشتراطات القانونية والبيئية والصحية.

استخدامات التخزين

يمكن أن تكون بعض الأراضي أو المساحات مناسبة لأغراض تخزينية محددة، لكن هذا الخيار يخضع كذلك للقوانين المنظمة لاستخدام الأراضي الزراعية، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره بديلًا متاحًا تلقائيًا.

قبل تغيير النشاط.. افحص الأرض أولًا

المشكلة التي تبدو في ظاهرها «نقص ضوء» قد يكون وراءها أكثر من عامل.

لذلك فإن القرار الصحيح يبدأ بتشخيص الموقع من خلال معرفة:

عدد ساعات وصول الشمس يوميًا → درجة الظل → نوع التربة → جودة مياه الري → كفاءة الصرف → نوع المحصول → مستوى الإصابة بالآفات والأمراض → الإنتاج الفعلي مقارنة بالمناطق المشابهة.

فإذا كان نقص الضوء محدودًا، قد يكفي تغيير المحصول أو تعديل الكثافة والري.

أما إذا كانت الأرض لا تحصل إلا على قدر ضئيل جدًا من الإضاءة طوال اليوم، فقد يكون تغيير النشاط أكثر جدوى اقتصاديًا من الاستمرار في زراعة محصول لا يستطيع تحقيق إنتاجية مناسبة.

الأرض المجاورة للمساكن.. ليست بالضرورة أرضًا مهدرة
الأرض المجاورة للمساكن.. ليست بالضرورة أرضًا مهدرة

الأرض المجاورة للمساكن.. ليست بالضرورة أرضًا مهدرة

انخفاض إنتاجية بعض الأراضي المحاصرة بالمباني لا يعني بالضرورة التخلي عنها.

بل يمكن التعامل معها من خلال اختيار النشاط الذي يتوافق مع ظروف الموقع بدلًا من إجبار الأرض على إنتاج محصول لا يناسبها.

وفي بعض الحالات قد يكون الحل هو محصول أكثر تحملاً للظل، وفي حالات أخرى تعديل الري والكثافة، بينما قد يصبح المشروع المحمي أو المشروم أو المشتل أكثر ملاءمة عندما تزداد القيود.

وهكذا يتحول التحدي من سؤال «كيف أجبر الأرض على إنتاج نفس المحصول؟» إلى سؤال أكثر أهمية اقتصاديًا: «ما أفضل نشاط يمكن أن يحقق أعلى عائد من هذه الأرض وفق ظروفها الفعلية؟»

الأرض المجاورة للمساكن.. ليست بالضرورة أرضًا مهدرة
الأرض المجاورة للمساكن.. ليست بالضرورة أرضًا مهدرة

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة