أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

لماذا قد تصبح الشوكولاتة أكثر تكلفة؟ الأمطار الغزيرة تكشف تهديدًا مناخيًا جديدًا

ليس الجفاف وحده.. الأمطار الغزيرة تهدد محصول الكاكاو وترفع أسعار الشوكولاتة

لم يعد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وحدهما ما يهددان مستقبل الكاكاو والشوكولاتة. دراسة جديدة من علماء بجامعة هارفارد وجامعة غانا تكشف أن الأمطار الغزيرة، عندما تأتي في التوقيت الخطأ، يمكن أن تضرب محصول الكاكاو بقوة مماثلة للجفاف، ما يضيف جبهة جديدة إلى المخاطر المناخية التي تواجه واحدة من أهم المحاصيل الزراعية في العالم.

وتكتسب النتائج أهمية تتجاوز المزارع والأسواق المحلية، لأن الكاكاو يمثل أساس صناعة الشوكولاتة العالمية، وأي تراجع كبير في الإنتاج يمكن أن ينعكس سريعًا على الأسعار وحجم المنتجات وتركيباتها.

الدراسة، المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، تشير إلى أن أنماطًا مناخية واسعة النطاق قد تجعل بعض موجات الضرر التي تصيب محصول الكاكاو قابلة للتنبؤ قبل حدوثها بأشهر، وهو ما يمكن أن يمنح المزارعين وقتًا للاستعداد وتقليل الخسائر.

الكاكاو يواجه أكثر من أزمة مناخية
الكاكاو يواجه أكثر من أزمة مناخية

المطر ليس دائمًا نعمة للكاكاو

تعيش أشجار الكاكاو لعقود، لكن إنتاجها لا يعتمد فقط على كمية الأمطار التي تحصل عليها خلال العام، وإنما على توقيت هطولها وشدتها وتزامنها مع مراحل حساسة من دورة نمو الشجرة.

فالزهور والتلقيح وتكوين القرون الصغيرة مراحل شديدة الحساسية، ويمكن للأمطار الغزيرة في توقيت غير مناسب أن تلحق أضرارًا بالمحصول تمتد آثارها إلى بقية الموسم.

وتقول الباحثة آنا ليا أولبرايت، التي قادت الدراسة خلال عملها باحثة ما بعد الدكتوراه في مركز هارفارد للبيئة، إن خطر الجفاف معروف جيدًا في قطاع الكاكاو، لكن تأثير الطرف الآخر من المعادلة المناخية، أي الأمطار المفرطة، لم يحظ بالاهتمام نفسه.

وتشير نتائج البحث في غانا إلى أن الأمطار الزائدة خلال موسم الأمطار، إلى جانب الجفاف خلال موسم الجفاف، تفسر نحو ثلثي التقلبات السنوية في إنتاج الكاكاو.

وهذا يعني أن المشكلة ليست ببساطة في أن العام أصبح «أكثر جفافًا» أو «أكثر مطرًا»، وإنما في أن المطر يأتي أحيانًا بكميات كبيرة في لحظة حرجة، ثم يتبعه نقص في المياه عندما تحتاج الأشجار إليها.

غانا تكشف الوجه الآخر لأزمة الكاكاو

ركز الباحثون على غانا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة للكاكاو عالميًا، واستخدموا بيانات تمتد لنحو عقدين من الزمن على مستوى المناطق المحلية، حصلوا عليها من مجلس الكاكاو الغاني.

وبما أن إنتاج الكاكاو ارتفع خلال الفترة محل الدراسة نتيجة التوسع في الأراضي المزروعة، عمل الباحثون على إزالة الاتجاه طويل الأجل لكل منطقة، حتى يتمكنوا من التركيز على التقلبات السنوية في الإنتاج وعلاقتها بالطقس.

بعد ذلك قارن الفريق بيانات الإنتاج بسجلات الطقس اليومية، واختبر مجموعة واسعة من العوامل، من بينها:

  • متوسط كميات الأمطار.
  • الأمطار الغزيرة والمفاجئة.
  • فترات الجفاف.
  • رطوبة التربة.
  • درجات الحرارة القصوى.

والنتيجة الأبرز كانت أن الأمطار الغزيرة خلال موسم الأمطار الرئيسي ونقص الأمطار خلال موسم الجفاف كانا أفضل المؤشرات على تراجع إنتاج الكاكاو من عام إلى آخر في غانا.

الكاكاو
مزرعة كاكاو في غرب أفريقيا تحت أمطار غزيرة

أخطر فترة تمتد من أبريل إلى يونيو

وجد الباحثون أن الأمطار الأكثر ضررًا في غانا تظهر خلال موسم الأمطار الممتد تقريبًا من أبريل إلى يونيو، وهي فترة تتزامن مع ازدهار أشجار الكاكاو وبدء تكوين القرون الصغيرة.

وهنا تصبح شدة المطر عاملًا حاسمًا.

فالأمطار الغزيرة قد تؤثر في الأزهار، كما يمكن أن تزيد فرص انتشار الأمراض الفطرية خلال مرحلة الإزهار وبدايات تكوين الثمار.

ولا تنتهي المشكلة بانتهاء موسم الأمطار.

خلال الفترة الجافة الممتدة تقريبًا من نوفمبر إلى فبراير، يمكن أن يؤدي نقص المياه إلى الإضرار بالمحصول بينما تستمر القرون في النمو والتطور.

وبذلك يواجه الكاكاو معادلة مناخية شديدة الحساسية: مياه كثيرة جدًا في مرحلة، ومياه قليلة جدًا في مرحلة أخرى.

ليست غانا وحدها

حتى لا تكون النتائج مجرد حالة خاصة بغانا، اختبر الباحثون النمط نفسه في دولتين رئيسيتين أخريين لإنتاج الكاكاو في قارتين مختلفتين، هما الإكوادور وإندونيسيا.

ووجدوا نمطًا مشابهًا؛ إذ ارتبطت السنوات التي شهدت أمطارًا أكثر غزارة خلال موسم الأمطار بتراجع أداء محصول الكاكاو.

وهذه النتيجة تعزز فكرة أن العلاقة بين المناخ وإنتاج الكاكاو لا يمكن اختزالها في متوسط درجات الحرارة أو إجمالي الأمطار السنوي.

التوقيت والشدة أصبحا جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الزراعي للكاكاو.

لماذا قد تصبح توقعات الطقس سلاحًا للمزارعين؟

تكمن إحدى أهم نتائج الدراسة في أن بعض الأمطار التي تسبب أكبر الأضرار لا تأتي بصورة عشوائية تمامًا.

يربط الباحثون هذه الأنماط المناخية بظواهر واسعة النطاق، مثل ظاهرة النينيو والتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي.

وهذا يفتح الباب أمام استخدام التنبؤات المناخية بعيدة المدى لتحذير المزارعين قبل أشهر من الظروف التي قد تهدد المحصول.

فإذا عرف المزارع مسبقًا أن ظروفًا مناخية معينة قد تزيد احتمال هطول أمطار غزيرة خلال مرحلة الإزهار، يمكن أن تصبح لديه فرصة أفضل للاستعداد، بما في ذلك توقيت بعض إجراءات مكافحة الأمراض أو اتخاذ تدابير لحماية الأشجار.

ويرى الباحثون أن تطوير قدرة أكثر دقة على التنبؤ بهذه المخاطر يمكن أن يساعد في تحويل التعامل مع الصدمات المناخية من رد فعل بعد وقوع الضرر إلى استعداد مسبق له.

محصول الكاكاو يواجه أزمة في غانا
محصول الكاكاو يواجه أزمة في غانا

حماية أزهار الكاكاو من المطر

لا تتوقف حلول التكيف عند التنبؤات الجوية.

يقترح الباحثون مجموعة من التدابير التي يمكن أن تساعد في تقليل تعرض أشجار الكاكاو للأمطار الشديدة.

ومن الأفكار المطروحة زيادة الغطاء الشجري فوق مزارع الكاكاو للمساعدة على حماية الأزهار من تأثير قطرات المطر الكبيرة.

كما يمكن الاحتفاظ بقدر أكبر من المخلفات الورقية على سطح التربة للحد من تطاير رذاذ المياه الذي قد ينقل مسببات العدوى من التربة إلى قرون الكاكاو.

ويؤكد بيتر هويبرز، الباحث الرئيسي المشارك ورئيس قسم علوم الأرض والكواكب في هارفارد، أن فهم توقيت الخطر يمكن أن يساعد في تصميم إجراءات التكيف بصورة أكثر دقة، بدل الاعتماد على حلول عامة لا تستهدف المرحلة الأكثر حساسية من دورة المحصول.

أزمة الشوكولاتة وصلت بالفعل إلى الأسعار

لا تبدو هذه القضية بعيدة عن المستهلك.

فالكاكاو شهد بالفعل تقلبات حادة في الأسعار خلال السنوات الأخيرة، ووصلت الأسعار العالمية للكاكاو الخام إلى مستويات قياسية، بينما أصبحت آثار اضطرابات الإمدادات أكثر وضوحًا في سوق الشوكولاتة.

وتشير الدراسة إلى أن أسعار الكاكاو الخام تضاعفت ثلاث مرات خلال عام 2024، وهو ما بدأ يظهر بالنسبة للمستهلكين في صور مختلفة، من ارتفاع أسعار منتجات الشوكولاتة إلى تقليص أحجام بعض العبوات أو تعديل تركيبات المنتجات.

وهكذا تتحول الصدمة المناخية في مزرعة بعيدة في غرب أفريقيا إلى أثر محسوس على رفوف المتاجر وفي ميزانية المستهلك.

العلاقة بين الأمطار المتطرفة وإنتاج الكاكاو وأسعار الشوكولاتة
Biochar من قشور حبوب الكاكاو

تغير المناخ لا يعني حرارة أعلى فقط

لطالما ركزت الدراسات الخاصة بمستقبل الكاكاو على ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، مع تحذيرات من أن بعض المناطق المنتجة قد تصبح أقل ملاءمة للزراعة مع ارتفاع حرارة الكوكب.

لكن الدراسة الجديدة تضيف عنصرًا أكثر تعقيدًا إلى الصورة.

الخطر المناخي لا يتعلق فقط بكمية المطر أو متوسط درجة الحرارة، وإنما بتزايد التطرف وعدم انتظام التوقيت.

فقد يصبح العام الزراعي أكثر خطورة إذا شهدت الأشجار أمطارًا عنيفة في فترة الإزهار، ثم واجهت نقصًا في المياه خلال مرحلة نمو القرون.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع تغير المناخ، الذي قد يؤثر في توقيت وأنماط هطول الأمطار، وليس فقط في المتوسطات السنوية.

لكن الباحثين يحذرون من أن نماذج المناخ الحالية لا تزال تواجه صعوبة في تمثيل خصائص هطول الأمطار في غرب أفريقيا بصورة فعالة، فضلًا عن تحديد كيفية تغيرها بدقة خلال العقود المقبلة.

الكاكاو يواجه أكثر من أزمة مناخية

ومع ذلك، لا ينسب الباحثون كل مشكلات إنتاج الكاكاو إلى الأمطار.

فالمزارعون في غانا يواجهون مجموعة متشابكة من الضغوط، بينها تقدم عمر الأشجار، والتعدين عن الذهب، والتهريب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، والآفات والأمراض.

كما أن بيانات الأمطار نفسها قد لا تلتقط دائمًا أعنف موجات الهطول، وهي الأحداث التي تهم هذه الدراسة بصورة خاصة.

وهذه القيود تعني أن الطقس يمثل جزءًا مهمًا من المشكلة، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد مستقبل إنتاج الكاكاو.

أشجار الكاكاو وتجهيز الشيكولاتة
من حماية المحصول إلى حماية الشوكولاتة

من حماية المحصول إلى حماية الشوكولاتة

الرسالة الأهم للدراسة أن مستقبل الكاكاو لا يمكن التعامل معه من خلال سؤال واحد: كم سترتفع درجات الحرارة؟

السؤال الأكثر إلحاحًا أصبح: متى يهطل المطر؟ وكم تكون شدته؟ وهل يستطيع المزارع معرفة الخطر قبل وقوعه؟

إذا أمكن تحسين التنبؤات المناخية وربطها مباشرة بقرارات المزارعين، فقد تتحول المعلومات المناخية إلى أداة عملية لحماية المحاصيل وسبل العيش.

أما إذا استمرت الأمطار المتطرفة في ضرب المراحل الحساسة لنمو الكاكاو، بالتزامن مع الجفاف وارتفاع الحرارة وتفاقم الأمراض وارتفاع تكاليف الإنتاج، فقد تصبح الشوكولاتة واحدة من المنتجات الغذائية التي تكشف للمستهلك بصورة مباشرة كيف يتحول تغير المناخ إلى أزمة في الأسعار وسلاسل الإمداد.

وبعبارة أخرى، فإن أزمة الكاكاو القادمة قد لا تكون قصة «حرارة أكثر وجفاف أكثر» فقط، بل قصة مناخ أكثر تطرفًا وأمطار تأتي في الوقت الخطأ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة