أخبارتغير المناخ

العلماء يحذرون: التنبؤات المناخية وحدها لا تكفي.. تحويل الإنذارات إلى قصص واقعية ينقذ الأرواح

لماذا يفشل الناس في الاستجابة للتحذيرات المناخية رغم دقتها؟ دراسة تكشف «فجوة الخيال»

موجات الحر والفيضانات تسبقها تحذيرات دقيقة.. لكن الكوارث تقع بسبب عجز البشر عن تخيل الخطر

علماء: التحذيرات المناخية تحتاج إلى لغة ملموسة لإنقاذ الأرواح ومنع الكوارث

رغم التقدم الهائل في علوم التنبؤ بالمناخ والطقس، لا تزال الكوارث المرتبطة بالتغير المناخي تحصد الأرواح وتلحق خسائر اقتصادية واجتماعية جسيمة حول العالم. ويرى باحثون أن المشكلة لم تعد تكمن في نقص المعلومات أو ضعف التنبؤات، بل في عجز كثير من الناس عن تخيل حجم المخاطر المقبلة واستيعاب آثارها قبل وقوعها.

وفي دراسة حديثة نشرتها منصة The Conversation، أكدت الباحثة هانا كلوك، أستاذة الهيدرولوجيا بجامعة ريدينغ البريطانية، أن العالم يمتلك اليوم قدرات متطورة تسمح للعلماء بمحاكاة ملايين السيناريوهات المستقبلية والتنبؤ بموجات الحر والفيضانات والجفاف قبل حدوثها بوقت كافٍ، إلا أن هذه المعرفة لا تتحول دائمًا إلى إجراءات وقائية فعالة.

موجات الحر تهدد الصغار والكبار
موجات الحر تهدد الصغار والكبار

فجوة بين المعرفة والفعل

تشير الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في القدرة على التنبؤ بالمخاطر، وإنما في تحويل تلك التنبؤات إلى رسائل يفهمها الناس ويشعرون بها ويتفاعلون معها.

وتوضح كلوك أن هناك ما تصفه بـ”فجوة الخيال”، وهي المسافة الفاصلة بين معرفة أن خطرًا ما قادم وبين القدرة على تصور تأثيره الفعلي على الحياة اليومية.

فعلى الرغم من دقة التحذيرات الجوية والهيدرولوجية، فإن كثيرًا من المواطنين يواجهون صعوبة في استيعاب أن الأحداث القادمة قد تتجاوز كل ما شهدوه سابقًا، خاصة في ظل تسارع التغير المناخي وظهور ظواهر غير مسبوقة.

فيضانات ألمانيا.. عندما لم يكن الخيال كافيًا

استشهدت الدراسة بفيضانات وادي “آهر” غرب ألمانيا عام 2021، والتي أسفرت عن مقتل نحو 190 شخصًا رغم وجود توقعات وتحذيرات مسبقة أشارت إلى احتمال وقوع فيضانات خطيرة قبل أيام من الكارثة.

وأظهرت مقابلات أجراها الباحثون مع سكان المناطق المنكوبة أن كثيرين كانوا يعلمون بقدوم أمطار غزيرة، لكنهم لم يتمكنوا من تخيل حجم الدمار الذي ستسببه.

وقال أحد الناجين للباحثين: “كنت أعلم أن أمطارًا غزيرة قادمة، لكنني لم أمتلك الخيال الكافي لفهم ما يعنيه ذلك فعليًا”.

وتكشف هذه الشهادة عن معضلة أساسية تواجه سياسات إدارة المخاطر؛ فالمعلومات وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم إلى صور ذهنية واضحة تساعد الناس على استيعاب حجم التهديد.

فيضانات ألمانيا 2021
فيضانات ألمانيا

يوم الصفر في كيب تاون

وتسلط الدراسة الضوء على تجربة مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا خلال أزمة الجفاف الحادة بين عامي 2015 و2018، عندما اقتربت المدينة من ما عُرف بـ”يوم الصفر”، وهو الموعد المتوقع لانقطاع المياه عن المنازل بالكامل.

وترى الباحثة أن قوة هذا المفهوم لم تكن في طبيعته العلمية فحسب، بل في قدرته على تحويل خطر مجرد إلى حدث ملموس ومحدد زمنيًا يمكن للناس تخيله والاستعداد له.

فقد جعل مصطلح “يوم الصفر” الأزمة أكثر وضوحًا بالنسبة للسكان وصناع القرار، وأسهم في حشد جهود جماعية واسعة لترشيد استهلاك المياه وتفادي السيناريو الأسوأ.

ما هي «بنية الخيال التحتية»؟

تدعو الدراسة إلى الاستثمار فيما تسميه “بنية الخيال التحتية”، وهي مجموعة الأدوات التي تساعد المجتمعات على تصور المستقبل وفهم المخاطر قبل وقوعها.

وتشمل هذه الأدوات:

  • خرائط المخاطر التفاعلية.
  • الصور والمحاكاة البصرية.
  • القصص والشهادات الواقعية.
  • – الحملات الإعلامية التوعوية.
  • – أنظمة الإنذار المبكر الواضحة.

النقاشات المجتمعية حول السيناريوهات المستقبلية.

وبحسب الباحثة، فإن صورة واحدة تُظهر المياه وهي تغمر شارعًا مألوفًا قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات الفنية أو الأرقام المجردة.

البنية التحتية تبدأ بالخيال

تؤكد الدراسة أن الاستثمار في الخيال لا يعني الاستغناء عن البنية التحتية المادية مثل السدود أو الحواجز أو شبكات تصريف المياه، بل إن هذه المشروعات نفسها تبدأ أولًا بقدرة المجتمع على تخيل المخاطر المستقبلية.

فلا يمكن بناء حاجز للفيضانات أو تطوير مدينة مقاومة للحرارة الشديدة دون وجود فهم جماعي واضح لحجم التهديدات المحتملة وأثرها على السكان.

ومن هذا المنطلق، ترى الباحثة أن بناء القدرة على التخيل يمثل خطوة أساسية تسبق اتخاذ القرارات السياسية والاستثمارية الكبرى المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ.

سقوط الأمطار يضاعف مخاطر الفيضانات
الفيضانات

مستقبل يمكن رؤيته اليوم

تشير الدراسة إلى أن العلم قدم بالفعل مجموعة من السيناريوهات المناخية المحتملة، تتراوح بين ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية أو درجتين أو ثلاث درجات مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية.

غير أن هذه الأرقام تبدو بالنسبة لكثيرين مجرد بيانات مجردة يصعب استيعاب آثارها المباشرة على الحياة اليومية.

ولذلك تدعو الباحثة إلى ترجمة هذه السيناريوهات إلى أمثلة ملموسة تتعلق بالصحة والطاقة والمياه والنقل والغذاء وجودة الحياة، بحيث يصبح المستقبل المتوقع أكثر قربًا وإدراكًا بالنسبة للمجتمعات.

العالم خسر رهان المناخ وخطر تجاوز 1.5 درجة مستمر
العالم خسر رهان المناخ وخطر تجاوز 1.5 درجة مستمر

من التحذير إلى التغيير

تخلص الدراسة إلى أن النجاح في مواجهة التغير المناخي لن يعتمد فقط على تطوير النماذج المناخية أو تحسين دقة التنبؤات، بل أيضًا على إيجاد طرق أكثر فاعلية لنقل هذه المعرفة إلى الجمهور.

فمع تزايد موجات الحر والجفاف والفيضانات حول العالم، يصبح من الضروري أن تتحول التحذيرات العلمية من أرقام ومصطلحات تقنية إلى رسائل إنسانية واضحة وقابلة للتخيل، تساعد الناس على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة لحماية أنفسهم ومجتمعاتهم.

ويرى الباحثون أن القدرة على تصور المستقبل لم تعد رفاهية فكرية، بل أصبحت أداة أساسية للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية في عصر تتسارع فيه تداعيات التغير المناخي بوتيرة غير مسبوقة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة