د. ضحى عبد الحميد: تأثير الحرب وأسعار الطاقة وسعر الصرف على معيشة المواطنين.. قراءة في موجة التضخم
خبير اقتصادي دولي
في التاسع من أبريل 2026، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل التضخم السنوي في المناطق الحضرية المصرية بلغ 15.2% في مارس 2026، مرتفعًا من 13.4% في فبراير، وهو أعلى مستوى منذ مايو الماضي.
جاء هذا الرقم أعلى من توقعات المحللين في استطلاع أجرته رويترز، والتي قدرت 14.7%، ليشير بوضوح إلى أن الضغوط التضخمية تتحرك بوتيرة أسرع مما رصدته النماذج الاقتصادية.
والأكثر دلالة من الرقم السنوي هو ما كشفته بيانات بلومبرج عن معدل التضخم الشهري، الذي قفز من 2.8% في فبراير إلى 3.2% في مارس، وهو أعلى مستوى شهري منذ فبراير 2024، بما يعني أن الضغط التضخمي يتسارع لا يتباطأ.
لفهم هذا الرقم في سياقه الصحيح، تجدر الإشارة إلى أن مصر شهدت ذروة تضخمية قياسية بلغت 38% في سبتمبر 2023، ثم انحسرت تدريجيًا بفضل سياسة نقدية متشددة ونتائج برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي.
وحين شرع البنك المركزي العام الماضي في سلسلة من تخفيضات أسعار الفائدة بهدف تحفيز الاستثمار الخاص، وخفض مدفوعات الفائدة على الدين العام، بدا المشهد يتحسن، غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أعادت رسم الخريطة من جديد، ووضعت البنك المركزي في مواجهة خيارات أصعب مما كان محسوبًا.
عامل موسمي يستحق الإشارة
قبل تفسير أرقام الغذاء، ثمة متغير موسمي لا يصح إغفاله: امتد شهر رمضان المبارك من منتصف فبراير إلى منتصف مارس، وهو توقيت يولد عادة ارتفاعًا موسميًا في أسعار المواد الغذائية نتيجة زيادة الطلب، ومع ذلك، سجلت أسعار الغذاء والمشروبات ارتفاعًا سنويًا بنسبة 5.8% فقط، وهو الأدنى بين جميع القطاعات، ما يعكس جزئيًا الأثر الموسمي المعتاد لرمضان الذي يبطئ الارتفاع في هذه الفئة مقارنة ببقية الأشهر.
لكن هذا الرقم المنخفض نسبيًا لا ينبغي أن يخفي حقيقة أن الغذاء يشكل ما بين 30% و50% من إنفاق الأسر محدودة الدخل، ما يعني أن 5.8% على هذا الثقل النسبي تمثل ضغطًا معيشياً أثقل مما توحي به النسبة وحدها.
ثلاثة محركات في وقت واحد
لم ينتج الارتفاع الذي سجله مارس 2026 عن سبب منفرد، بل جاء من اجتماع ثلاثة محركات في آن واحد، يغذي كل منها الآخر ويضاعف أثره.
المحرك الأول كان صدمة أسعار الوقود والكهرباء، فقد أشعلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسعار النفط والغاز عالميًا، وانعكس ذلك مباشرة على فاتورة الاستيراد المصرية.
لكن الأمر لم يقف عند الأثر الخارجي، إذ رفعت الحكومة أسعار الوقود وتذاكر النقل العام في مارس، ثم زادت فواتير الكهرباء للأسر ذات الاستهلاك المرتفع والقطاع التجاري بنسبة 16% و20% على التوالي.
كانت هذه قرارات مفهومة في سياق الضغوط الهائلة على الموازنة العامة، لكنها ضخّت موجة تضخمية مباشرة في وقت كانت فيه الأسعار العالمية ترتفع أصلًا.
ولهذا سجل قطاع المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفاعًا سنويًا بلغ 28.3%، فيما سجل قطاع النقل والمواصلات 29.3%، وهما قطاعان لا تملك الأسرة العادية الاستغناء عنهما.
المحرك الثاني كان تراجع قيمة الجنيه. فقد انخفض الجنيه المصري من 47.9 جنيهًا للدولار قبل اندلاع الصراع إلى 53.3 جنيهًا، أي تراجع بنسبة 11.3% في أسابيع معدودة.
وفي اقتصاد يعتمد بشكل ملحوظ على استيراد المواد الخام والسلع الاستهلاكية والدواء وقطع الغيار، فإن أي تراجع في قيمة العملة يترجم فورًا إلى ارتفاع في الأسعار المحلية. والأسعار ترتفع سريعًا وتنخفض ببطء شديد.
الإشارة الإيجابية الوحيدة جاءت حين استعاد الجنيه بعضًا من قيمته عقب إعلان وقف إطلاق النار، مسجلًا أكبر مكسب يومي منذ عام 2017 وفق بيانات بلومبرج، غير أن الأثر التضخمي لأسابيع التراجع لا يُمحى سريعًا.
المحرك الثالث كان خروج الاستثمارات الأجنبية، فقد غادرت مليارات الدولارات السوق المصرية في أسابيع قليلة، ما ضغط على الجنيه ورفع علاوة المخاطر، وجعل التمويل الخارجي أكثر تكلفة.
وهذا المحرك خطير لأنه يغذي نفسه في حلقة مفرغة: خروج الاستثمار يضعف العملة، وضعف العملة يغذي التضخم، والتضخم يقلص الثقة، وتراجع الثقة يشجع على مزيد من الخروج.
لماذا يرتفع السعر؟ جذور التضخم ومسار الركود التضخمي
التضخم ليس ظاهرة ذات وجه واحد. فهو ينشأ حين ترتفع الأسعار فوق نقطة التوازن بين العرض والطلب، وقد يحدث ذلك عبر اتجاهين مختلفين.
الاتجاه الأول هو تضخم الطلب، ويحدث حين ترتفع القدرة الشرائية أو يزداد الإقبال على الشراء بما يفوق قدرة الإنتاج والاستيراد، فتزداد المنافسة على السلع ويرتفع السعر. وعلاجه عادة يكون عبر رفع أسعار الفائدة لامتصاص السيولة.
الاتجاه الثاني هو تضخم شح المعروض، ويحدث حين ترتفع تكاليف الإنتاج أو تقل المعروضات، فيرفع المنتجون الأسعار لتعويض الزيادة في التكاليف، حتى دون زيادة في الطلب.
والحالة المصرية في مارس 2026 تنتمي بوضوح إلى الاتجاه الثاني، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وتراجع قيمة الجنيه رفعا تكاليف الإنتاج والاستيراد، بينما لم تنمُ دخول الأسر بالوتيرة نفسها.
وهنا يظهر خطر الركود التضخمي، حيث ترتفع الأسعار مع تراجع القوة الشرائية، فينخفض الطلب، فيقلص المنتجون الإنتاج، فتتراجع فرص العمل وينخفض النمو، في دائرة اقتصادية معقدة تجمع بين التضخم والانكماش.
معضلة البنك المركزي.. أي طريق في مفترق الخيارات؟
أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة عند 19% للمرة الأولى منذ نوفمبر، متبنيًا نهج الترقب، ومؤكدًا أن السياسة النقدية تهدف إلى استقرار توقعات التضخم، وتتوقع مؤسسات مالية دولية رفع الفائدة بمقدار يصل إلى 200 نقطة أساس خلال 2026.
لكن رفع الفائدة يكبح التضخم من جهة، ويثقل كاهل الاستثمار والنمو من جهة أخرى. كما أنه أقل فاعلية حين يكون التضخم ناتجًا عن ارتفاع التكاليف وليس زيادة الطلب، لذلك فإن السياسة النقدية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتكامل مع أدوات أخرى مثل إدارة سعر الصرف وتوجيه الائتمان ودعم الادخار المحلي.
مصر والمنطقة.. وجوه مختلفة لصدمة واحدة
الأزمة إقليمية في جذورها، لكن أثرها اختلف من دولة لأخرى بحسب بنية الاقتصاد، فبينما تحمي بعض الدول عملاتها المرتبطة بالدولار من التضخم المستورد، تتحمل دول أخرى ذات العملات الحرة مثل مصر صدمات مباشرة عبر سعر الصرف. أما الدول المصدرة للنفط فتملك هامشًا ماليًا أكبر لامتصاص الصدمات.
والدرس المشترك هو أن الاعتماد على الاستيراد في الغذاء والطاقة يجعل أي أزمة خارجية تتحول إلى عبء داخلي مباشر.
من يدفع الثمن أولًا؟
ارتفاع الأسعار لا يصيب الجميع بالتساوي. فالأسر محدودة الدخل تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء والنقل، وهي القطاعات الأكثر ارتفاعًا، كما أن أصحاب المعاشات والعمالة غير الرسمية هم الأكثر تأثرًا، لثبات دخولهم أو غيابها.
الاستجابة الممكنة.. في ظل خزانة محدودة
تتطلب المرحلة إجراءات منخفضة التكلفة وعالية الأثر، مثل زيادة دعم برامج الحماية الاجتماعية بما يتماشى مع التضخم، وتوسيع الدعم الكهربائي للفئات الفقيرة، وتطوير منافذ البيع المباشر لتقليل الحلقات الوسيطة في الغذاء.
كما أن تعزيز الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة يمثل الحل الأكثر استدامة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين القدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.
نافذة ضوء في مشهد صعب
رغم الضغوط، لا تزال هناك مؤشرات إيجابية مثل تراجع التضخم مقارنة بذروته السابقة، واستمرار دعم المؤسسات الدولية، وإمكانات الطاقة الجديدة. لكن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه المؤشرات إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.





