أخبارالاقتصاد الأخضر

خطوة نحو اقتصاد منخفض الكربون.. ابتكار جديد يعالج أحد أكبر تحديات احتجاز الانبعاثات

تقنية جديدة قد تجعل احتجاز الكربون أقل تكلفة وأكثر مرونة للتوسع الصناعي

في ظل تسارع أزمة المناخ وارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، يزداد الاهتمام العالمي بتقنيات احتجاز الكربون باعتبارها أحد الحلول الأساسية للحد من الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة الصناعية وقطاع الطاقة.

 

ورغم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة، لا تزال تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون تواجه تحديات كبيرة تتعلق بارتفاع استهلاك الطاقة والتكاليف التشغيلية وصعوبة التوسع على نطاق واسع، وهو ما يحد من قدرتها على إحداث تأثير ملموس في خفض الانبعاثات العالمية.

 

وفي هذا السياق، كشف فريق من الباحثين في Massachusetts Institute of Technology عن تطوير نهج جديد قد يسهم في تجاوز بعض هذه العقبات، من خلال استخدام تقنية كهروكيميائية أكثر مرونة وكفاءة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من مصادر الانبعاثات المختلفة.

 

ونشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Energy، حيث أظهرت إمكانية تطوير أنظمة احتجاز كربون تعتمد على الكهرباء وتستهلك طاقة أقل مقارنة بالتقنيات التجارية السائدة حالياً.

 

احتجاز الكربون.. أداة رئيسية في معركة المناخ

يُنظر إلى احتجاز الكربون وإزالته من الغلاف الجوي باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية لتحقيق أهداف الحد من الاحترار العالمي، خاصة في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها بالكامل مثل صناعة الأسمنت والصلب والبتروكيماويات والطيران.

 

وتعتمد معظم أنظمة احتجاز الكربون الحالية على ما يُعرف بتقنية “الغسل بالأمينات”، وهي عملية كيميائية تستخدم محاليل خاصة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغازات المنبعثة.

 

لكن هذه التقنية تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة لتجديد المواد الماصة وفصل الكربون المحتجز، ما يرفع التكاليف ويحد من جدواها الاقتصادية في العديد من التطبيقات الصناعية.

احتجاز الكربون

البحث عن بديل أكثر كفاءة

سعى الباحثون إلى تطوير بديل يعتمد على ما يسمى “الاحتجاز الكهروكيميائي لثاني أكسيد الكربون”، وهي تقنية تستخدم الكهرباء بدلاً من الحرارة لفصل الكربون عن الغازات.

 

وتتميز هذه المقاربة بإمكانية تشغيلها باستخدام الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما قد يقلل البصمة الكربونية للعملية بالكامل.

 

غير أن هذا النوع من الأنظمة واجه حتى الآن تحديات تقنية عديدة، أبرزها الحاجة إلى ظروف تشغيل معقدة واستهلاك مرتفع للطاقة في بعض المراحل، فضلاً عن مشكلات تتعلق باستقرار المواد المستخدمة على المدى الطويل.

احتجاز الكربون

مادة جديدة تفتح الباب أمام جيل مختلف من الأنظمة

ركزت الدراسة على فئة جديدة من المركبات الكيميائية تعرف باسم N-Heterocyclic Imines (NHIs)، وهي مواد أثبتت في السنوات الأخيرة قدرتها على الارتباط بجزيئات ثاني أكسيد الكربون.

 

وقام الباحثون للمرة الأولى بتكييف هذه المواد للعمل داخل أنظمة الاحتجاز الكهروكيميائي للكربون.

 

وأظهرت النتائج أن هذه المركبات تستطيع التقاط ثاني أكسيد الكربون وإطلاقه عبر آلية مختلفة عن الأساليب التقليدية، دون الحاجة إلى تطبيق جهود كهربائية عالية تستهلك الكثير من الطاقة أو تؤدي إلى تفاعلات جانبية غير مرغوبة.

 

ويمثل ذلك تقدماً مهماً، لأن أحد أكبر التحديات في الأنظمة الحالية يتمثل في فقدان جزء من الطاقة بسبب هذه التفاعلات الجانبية التي تقلل الكفاءة وتؤثر في عمر النظام التشغيلي.

انبعاثات الكربون

كفاءة أعلى واستهلاك أقل للطاقة

طوّر الباحثون بنية جزيئية جديدة أطلقوا عليها اسم bis(NHI)، وهي مصممة نظرياً لتمكين احتجاز جزيئين من ثاني أكسيد الكربون مقابل كل إلكترون يمر داخل النظام.

 

ويُعد هذا المستوى من الكفاءة واعداً للغاية مقارنة بالعديد من الأنظمة الأخرى المستخدمة حالياً.

 

كما أظهرت النتائج الأولية أن تحسين التصميم الجزيئي لهذه المواد قد يسمح بتشغيلها في بيئات كيميائية أكثر تنوعاً، وهو ما يمنح المهندسين مرونة أكبر في تصميم أنظمة احتجاز الكربون وفقاً لاحتياجات التطبيقات المختلفة.

 

نحو احتجاز كربون أكثر مرونة

يشير الباحثون إلى أن أهمية التقنية الجديدة لا تكمن فقط في خفض استهلاك الطاقة، بل أيضاً في توفير مرونة تشغيلية أكبر.

 

فمع توسع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة مثل الشمس والرياح، يصبح من المهم تطوير تقنيات يمكنها التكيف مع تغيرات إنتاج الكهرباء والاستفادة من الفائض المتاح في الشبكات الكهربائية.

 

ويمكن لأنظمة الاحتجاز الكهروكيميائي أن تؤدي هذا الدور بصورة أفضل من الأنظمة الحرارية التقليدية، لأنها تعتمد مباشرة على الكهرباء ويمكن تشغيلها أو إيقافها بسهولة أكبر.

 

تحديات لا تزال قائمة

رغم النتائج المشجعة، يؤكد الباحثون أن التقنية لا تزال في مراحلها البحثية المبكرة، ويتمثل أحد التحديات الرئيسية في فهم آليات تدهور واستقرار المواد الجديدة خلال فترات التشغيل الطويلة، إذ تحتاج التطبيقات الصناعية إلى أنظمة قادرة على العمل لسنوات بكفاءة عالية دون تراجع الأداء.

 

ولهذا يركز الفريق حالياً على دراسة السلوك الكيميائي للمركبات الجديدة وتطوير أجيال أكثر متانة وقدرة على تحمل دورات التشغيل المتكررة.

 

أهمية متزايدة في عالم يسعى إلى الحياد الكربوني

تأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات والشركات لتحقيق أهداف الحياد الكربوني خلال العقود المقبلة.

 

وتشير تقديرات العديد من المؤسسات الدولية إلى أن الوصول إلى أهداف المناخ العالمية لن يكون ممكناً بالاعتماد على خفض الانبعاثات فقط، بل سيتطلب أيضاً إزالة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أو منع وصولها إليه منذ البداية.

 

وفي هذا الإطار، يمكن أن تمثل التقنيات الجديدة منخفضة الطاقة خطوة مهمة نحو جعل احتجاز الكربون أكثر جدوى اقتصادياً وأوسع انتشاراً، سواء في المنشآت الصناعية الكبرى أو في التطبيقات المستقبلية المرتبطة بإنتاج الوقود والمواد الكيميائية منخفضة الانبعاثات.

 

ويأمل الباحثون أن يسهم تطوير هذه المواد الجديدة في تسريع الانتقال نحو أنظمة احتجاز كربون أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على دعم الجهود العالمية للحد من تغير المناخ وتحقيق تنمية أكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading