أخبارالاقتصاد الأخضر

أغشية ذكية تسرّع احتجاز الكربون وتفتح الطريق أمام خفض الانبعاثات الصناعية

ثورة في احتجاز الكربون.. أغشية متطورة تستهدف المصانع الصغيرة والمتوسطة

كشفت شركة “نيتو” اليابانية المتخصصة في المواد عالية الأداء عن جيل جديد من الأغشية المتطورة القادرة على تسريع عمليات احتجاز ثاني أكسيد الكربون من الانبعاثات الصناعية، في خطوة قد تسهم في توسيع تطبيقات تقنيات احتجاز الكربون لتشمل قطاعات صناعية لم تكن قادرة سابقًا على تبني هذه الحلول بسبب ارتفاع التكلفة واستهلاك الطاقة.

 

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الضغوط العالمية لتحقيق الحياد الكربوني والحد من تداعيات تغير المناخ، بينما تظل الانبعاثات الصناعية واحدة من أكبر العقبات أمام الوصول إلى هذا الهدف.

 

وتُعد تقنية احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه من أبرز الأدوات المطروحة للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إذ تقوم على التقاط الغاز من مصادره الصناعية ثم إعادة استخدامه أو تخزينه بصورة آمنة، غير أن التحديات التقنية والاقتصادية لا تزال تعرقل انتشار هذه التكنولوجيا على نطاق واسع.

 

ووفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة، فإن قدرة العالم على احتجاز ثاني أكسيد الكربون يجب أن ترتفع إلى نحو 3.74 مليار طن سنويًا بحلول عام 2050، أي ما يعادل نحو 85 ضعف الكميات التي جرى احتجازها عام 2022، للمساهمة في تحقيق الأهداف المناخية العالمية.

 

وقال تيروكازو إيهارا، المدير العام لأبحاث تقنيات الفصل في شركة نيتو، إن تطوير تقنيات منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة لاحتجاز الكربون أصبح أولوية ملحة في ظل التحديات المناخية الراهنة.

 

استهداف المنشآت الصغيرة والمتوسطة

شهدت تقنيات احتجاز الكربون تطورًا كبيرًا خلال العقود الماضية، وخلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، اعتمدت معظم الأنظمة على الامتصاص الكيميائي باستخدام محاليل الأمينات المائية، حيث يتفاعل ثاني أكسيد الكربون مع المذيب الكيميائي ليُفصل عن الغازات الأخرى.

 

لكن إعادة تنشيط هذه المذيبات تتطلب كميات كبيرة من الطاقة الحرارية، ما يجعل استخدامها اقتصاديًا في المنشآت الضخمة مثل محطات الكهرباء ومصانع الحديد والصلب فقط، بينما تظل غير مناسبة للمنشآت الصناعية الأصغر بسبب ارتفاع التكاليف والتعقيدات التشغيلية.

 

وأوضح إيهارا أن الابتكارات السابقة ركزت بشكل أساسي على المصادر الصناعية الكبرى، بينما تحتاج المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى حلول مختلفة وأكثر مرونة.

مهندسو شركة نيتو يُجرون أبحاثًا وتطويرًا على أغشية احتجاز ثاني أكسيد الكربون
مهندسو شركة نيتو يُجرون أبحاثًا وتطويرًا على أغشية احتجاز ثاني أكسيد الكربون

أغشية تعتمد على الكهرباء

طورت نيتو تقنية تعتمد على أغشية فائقة الرقة تسمح بالتقاط ثاني أكسيد الكربون باستخدام الكهرباء بدلًا من الحرارة، ما يقلل استهلاك الطاقة ويتيح تشغيل الأنظمة اعتمادًا على مصادر الكهرباء المتجددة.

 

ويشير الباحثون إلى أن هذه التقنية توفر مزايا متعددة تشمل خفض استهلاك الطاقة، وتصميمًا أكثر إحكامًا، وإمكانية التوسع في الإنتاج التجاري على نطاق واسع.

 

وتستند خبرة الشركة في هذا المجال إلى أكثر من خمسين عامًا من تطوير أغشية معالجة المياه، وهو ما وفر أساسًا قويًا لتوظيف هذه التكنولوجيا في تطبيقات إزالة الكربون.

وحدة غشائية لفصل ثاني أكسيد الكربون
وحدة غشائية لفصل ثاني أكسيد الكربون

آلية فصل مبتكرة

تواجه الأغشية التقليدية صعوبة في فصل ثاني أكسيد الكربون عن النيتروجين، نظرًا لتقارب أحجام الجزيئات بين الغازين.

 

وللتغلب على هذه المشكلة، طور مهندسو الشركة غشاءً بوليمريًا عالي الأداء يحتوي على وحدات جزيئية تتفاعل بقوة مع ثاني أكسيد الكربون، ما يسمح له بالذوبان والانتقال عبر الغشاء بسهولة أكبر من الغازات الأخرى.

 

وتعتمد التقنية على ما يُعرف بآلية “الذوبان والانتشار”، حيث يمر ثاني أكسيد الكربون عبر الغشاء نتيجة فرق الضغط، بينما تُمنع الغازات الأخرى من المرور بالكفاءة نفسها، ما يؤدي إلى عملية فصل انتقائية وفعالة.

 

كما تُجمع الأغشية داخل وحدات لولبية مصممة لزيادة مساحة السطح داخل حجم صغير، ما يرفع كفاءة التقاط الغاز مع الحفاظ على تصميم مدمج مناسب للمنشآت الصناعية.

 

اختبارات ميدانية واقتراب من التسويق

تخضع التقنية حاليًا لاختبارات نهائية في وحدة تجريبية بمحافظة شيغا اليابانية، حيث تُستخدم الأغشية لمعالجة غازات العادم الصناعية في ظروف تشغيل حقيقية.

 

وتعمل المنظومة على مرحلتين متتاليتين لرفع نقاء ثاني أكسيد الكربون إلى مستويات تسمح باستخدامه في تطبيقات تجارية مثل إنتاج ثاني أكسيد الكربون السائل والثلج الجاف.

 

أما في تطبيقات التخزين الجيولوجي تحت الأرض، فيمكن دمج التقنية مع أنظمة أخرى مثل الامتزاز المتأرجح بالضغط للحصول على تركيزات أعلى من الغاز.

 

وتخطط الشركة لطرح هذه التقنية تجاريًا خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على التقاط الكربون من مراجل المصانع والانبعاثات الصناعية المتوسطة الحجم.

 

تحديات مستقبلية

ورغم التقدم التقني، يؤكد الباحثون أن نجاح تقنيات احتجاز الكربون على نطاق واسع يعتمد أيضًا على نمو الأسواق القادرة على استهلاك الكربون المحتجز، مثل الصناعات القائمة على الوقود الاصطناعي ومنتجات الكربون المعاد تدويره.

 

كما لا تزال البنية التحتية الخاصة بالنقل والتخزين، إلى جانب الأطر التنظيمية والتكاليف الاقتصادية، تمثل تحديات رئيسية أمام التوسع العالمي لهذه التقنيات.

 

ومع ذلك، ترى نيتو أن الأغشية المتطورة تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة متكاملة لتحقيق الحياد الكربوني، وتسهم في تسريع تحول الصناعات نحو مستقبل منخفض الانبعاثات وأكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading