أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

غابات عمرها 56 مليون عام تكشف الثمن الخفي للاحترار العالمي.. التعافي استغرق أكثر من 100 ألف سنة

الاحتباس الحراري في مرآة الماضي.. غابات قديمة فقدت 60% من غطائها وتعافت بعد 100 ألف عام

تكشف دراسة علمية جديدة أن الغابات القديمة على كوكب الأرض قد تصل إلى نقطة حرجة أمام الاحترار العالمي، بعدما أظهرت أحافير نباتية من ولاية وايومنج الأمريكية أن الغابات فقدت نحو 60% من غطائها خلال واحدة من أشد فترات الاحترار في تاريخ الأرض، قبل نحو 56 مليون عام.

وتشير النتائج إلى أن الغابات احتاجت إلى أكثر من 100 ألف عام للتعافي من آثار ذلك الاحترار، في اكتشاف يحمل تحذيرًا مهمًا بشأن قدرة الغابات الحديثة على مواجهة التغير المناخي المتسارع.

قبل 56 مليون عام، وصلت غابات الأرض إلى نقطة تحول حاسمة. وكانت قد نمت في ذلك الوقت بغطاء نباتي كثيف ومورق مع بداية واحدة من أكثر فترات الاحترار العالمي شدة في التاريخ الجيولوجي.

لكن مع ارتفاع درجات الحرارة، بدأ هذا الغطاء النباتي في التراجع.

وارتفعت درجات الحرارة العالمية خلال تلك الفترة بما يصل إلى 6 درجات مئوية، ما أدى إلى زيادة الضغوط الناتجة عن الحرارة والجفاف على الغابات، وتسبب في موت أعداد كبيرة من الأشجار.

ومع تراجع الأشجار، انفتح غطاء الغابة، ووصل المزيد من أشعة الشمس إلى سطح الأرض، كما تغيرت حركة المياه عبر النظام البيئي.

وفي جنوب وايومنج، ازدهرت السراخس لفترة قصيرة في المناطق التي كانت تنمو فيها سابقًا أنواع من الأشجار المرتبطة بأشجار الدردار والجوز والسرو الأصلع والأفوكادو، قبل أن تنتشر أشجار النخيل وغيرها من النباتات المحبة للدفء باتجاه الشمال.

وتوصلت دراسة جديدة، نُشرت في مجلة Science، إلى أن غابات وايومنج فقدت نحو 60% من غطائها النباتي خلال فترة تُعرف باسم الحد الأقصى الحراري في العصر الباليوسين-الإيوسين (PETM)، واستغرق الأمر أكثر من 100 ألف عام حتى تستعيد الغابات عافيتها.

جمع أحافير من قناة رملية داخل صخور في ولاية وايومنغ

فترة احترار تشبه ما يحدث اليوم

يُعد الحد الأقصى الحراري في العصر الباليوسين-الإيوسين، الذي وقع قبل نحو 56 مليون عام، من أقرب النماذج الطبيعية القديمة لما يواجهه كوكب الأرض اليوم من ارتفاع في درجات الحرارة.

لكن هناك فارق بالغ الأهمية؛ إذ يطلق البشر حاليًا ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بسرعة تُقدّر بنحو 10 أضعاف المعدلات الطبيعية التي شهدها الكوكب خلال تلك الفترة.

ولهذا، يرى الباحثون أن فهم الطريقة التي استجابت بها الغابات القديمة للاحترار يمكن أن يساعد العلماء في تحديد الحدود التي قد تصل إليها النظم البيئية الحديثة قبل أن تتعرض لتغيرات يصعب عكسها.

أحافير الأوراق تكشف شكل الغابات القديمة

اعتمد الباحثون على علم النباتات القديمة ودراسة الأحافير لتحديد أنواع النباتات التي عاشت في تلك المنطقة، لكنهم حاولوا الإجابة عن سؤال أكثر تعقيدًا: كيف كان شكل الغابة نفسها، وكيف تغيرت بنيتها مع ارتفاع الحرارة؟

وتُعد بنية الغابة، وخاصة كثافة غطائها النباتي، مؤشرًا مهمًا على وظائف النظام البيئي؛ إذ تتحكم في كمية الضوء التي تصل إلى أرض الغابة، ودرجة الحرارة، وحركة المياه، وقدرة النظام على تخزين الكربون.

لكن كيف يمكن قياس كثافة غابة اختفت منذ عشرات الملايين من السنين؟

استخدم الباحثون مؤشرًا يعرف باسم مؤشر مساحة الأوراق، وهو مقياس يستخدمه علماء البيئة لتحديد كثافة الغطاء النباتي.

فالغابات الكثيفة متعددة الطبقات التي تحتوي على أوراق كثيرة تحجب أشعة الشمس تتمتع بقيمة مرتفعة لهذا المؤشر، بينما تكون القيمة أقل في الغابات المفتوحة التي تسمح بوصول قدر أكبر من الضوء إلى سطح الأرض.

ويؤثر غطاء الغابة بشكل مباشر في الظل ودرجة الحرارة وفقدان المياه وعملية البناء الضوئي، ما يجعل هذا المؤشر أداة مهمة لفهم وظائف الغابات.

تُظهر الصور الموجودة على اليسار مدى كثافة الغطاء النباتي (المظلة الشجرية) الذي كان من المرجح أن يراه كائنٌ ما على الأرض عند النظر لأعلى نحو السماء
تُظهر الصور الموجودة على اليسار مدى كثافة الغطاء النباتي (المظلة الشجرية)

أسرار مخفية داخل أوراق عمرها ملايين السنين

وجد الباحثون مفتاحًا لإعادة بناء شكل الغابات القديمة في القشور النباتية المجهرية، وهي الطبقة الخارجية الشمعية الرقيقة للأوراق التي يمكن أن تبقى محفوظة في الرواسب العضوية لملايين السنين.

وتحمل الخلايا الموجودة في هذه القشور آثارًا للظروف التي نمت فيها الأوراق.

فالأوراق التي تنمو في الظل تطور خلايا أطول وأكثر استطالة، بينما تميل الأوراق التي تتعرض إلى قدر أكبر من أشعة الشمس إلى تكوين خلايا أقصر وأكثر استدارة.

ولتحويل هذه العلاقة إلى أداة يمكن استخدامها في دراسة الغابات القديمة، جمع الباحثون عينات من التربة في غابات تقع بوسط وجنوب أمريكا، وتضم مستويات مختلفة من كثافة الغطاء النباتي.

وتحتوي كل عينة تربة على قشور نباتية سقطت من أنواع عديدة من النباتات الموجودة في طبقات مختلفة من الغابة، وهو ما يسمح بتكوين صورة عن البنية العامة للغطاء النباتي.

وبمقارنة أشكال آلاف الخلايا الموجودة في الأحافير مع قياسات كثافة الغطاء النباتي، اكتشف الباحثون علاقة قوية للغاية: كلما زادت استطالة الخلايا، كان غطاء الغابة أكثر كثافة، وكلما أصبحت الخلايا أكثر استدارة، كان الغطاء النباتي أكثر انفتاحًا.

وسمح ذلك للعلماء بإعادة بناء شكل غابات وايومنج قبل ملايين السنين، وتتبع التغيرات التي طرأت عليها مع ارتفاع درجات الحرارة.

مجموعتان من خلايا بشرة الأوراق المُكبَّرة: تظهر الأوراق الطازجة على اليسار والأوراق الأحفورية على اليمين
مجموعتان من خلايا بشرة الأوراق المُكبَّرة: تظهر الأوراق الطازجة على اليسار والأوراق الأحفورية على اليمين

الغابات لم تكن في حالة تدهور قبل الاحترار

ومن أكثر النتائج إثارة للدهشة أن الغابات لم تكن تتجه نحو التدهور قبل بداية فترة الاحترار الشديد.

فعلى العكس، وصل غطاء الغابات إلى أعلى مستويات كثافته خلال مئات الآلاف من السنين السابقة لبدء الاحترار السريع، وربما ساعدت الظروف الملائمة للنمو، إلى جانب ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، على ازدهار النباتات.

وتشير إحدى النظريات الرئيسية إلى أن مصدر جزء من ثاني أكسيد الكربون في تلك الفترة ربما ارتبط بنشاط بركاني واسع، لكن ازدهار الغابات لم يستمر طويلًا.

فمع ارتفاع درجات الحرارة، طغت آثار الحرارة والجفاف على الفوائد المحتملة لارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون، وبدأ الغطاء النباتي في التراجع بسرعة مع موت الأشجار.

وظل الغطاء النباتي للغابات أقل كثافة بكثير لأكثر من 100 ألف عام.

عندما تغيرت الغابة.. تغيرت الأرض من حولها

لم يكن تراجع الأشجار مجرد تغير في شكل الغابة، بل انعكس أيضًا على البيئة المحيطة بها.

وأظهرت التربة القديمة تحولًا إلى رواسب نهرية أكثر خشونة، ما يشير إلى أن فقدان الغطاء النباتي أدى إلى تغيير الطريقة التي تتحرك بها المياه والرواسب عبر المنطقة.

وبذلك، لم يكن تغير المناخ مجرد عامل أثر في الغابات، بل أدت الغابات المتغيرة بدورها إلى إعادة تشكيل المشهد الطبيعي المحيط بها، المناخ غيّر الغابة، والغابة غيّرت بدورها شكل البيئة.

غالباً ما يُقاس الغطاء الشجري باستخدام "مؤشر مساحة الورقة"
غالباً ما يُقاس الغطاء الشجري باستخدام “مؤشر مساحة الورقة”

هل يستطيع ارتفاع ثاني أكسيد الكربون إنقاذ الغابات؟

تحمل هذه النتائج درسًا مهمًا بالنسبة إلى عالم اليوم، صحيح أن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يحفز نمو النباتات، وهي ظاهرة تعرف باسم تأثير التسميد بثاني أكسيد الكربون، لكن هذا التأثير لا يستمر بلا حدود.

فالاستفادة من ارتفاع ثاني أكسيد الكربون تعتمد على بقاء درجات الحرارة وتوافر المياه ضمن الحدود التي تستطيع الأشجار تحملها.

وعندما تتجاوز الظروف المناخية تلك الحدود، يمكن للحرارة والجفاف والآفات والأمراض وحرائق الغابات أن تطغى على أي زيادة في النمو ناتجة عن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون.

وتشير بيانات حديثة إلى أن العديد من الغابات حول العالم بدأت بالفعل تظهر علامات تراجع مع ارتفاع درجات الحرارة، فضلًا عن الضغوط الأخرى الناتجة عن إزالة الغابات لصالح الأخشاب والزراعة والمراعي، وهي عوامل تقلل قدرة النظم البيئية على مقاومة التغير المناخي.

الغابات تعافت.. لكن بعد أكثر من 100 ألف عام

رغم أن قصة غابات وايومنج القديمة تبدو في البداية قصة انهيار بيئي، فإنها لا تنتهي عند هذه النقطة.
فمع مرور الوقت، أدت زيادة عمليات تجوية الصخور في المناخ الأكثر دفئًا إلى سحب كميات من الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه في الرواسب البحرية، وساعد ذلك تدريجيًا على تبريد المناخ وزيادة توافر المياه.

ومع تحسن الظروف، بدأ غطاء الغابات في التعافي، ووصل في نهاية المطاف إلى كثافة أكبر حتى من مستوياته التي سبقت فترة الاحترار.

ومع توسع الغابات من جديد، استعادت على الأرجح قدرتها على تثبيت التربة وتنظيم دورة المياه وسحب الكربون من الغلاف الجوي، وهو ما ساعد في الحد من تأثير الاحتباس الحراري ودعم التعافي طويل الأجل للكوكب.

يعمل كل من ريغان دان وإلين كورانو -مؤلفي الدراسة- على عينة أسطوانية من الرواسب استخرجها زملاء لهما من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية
 عينة أسطوانية من الرواسب استخرجها زملاء لهما من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية

رسالة من الماضي إلى الحاضر

تكشف الدراسة أن ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سبق أن دفع الغابات إلى ما يتجاوز حدود قدرتها الفسيولوجية على التحمل، ما أدى إلى تغيرات امتدت آثارها من النباتات إلى الأنهار والمناظر الطبيعية بأكملها.

وفي الوقت نفسه، تؤكد النتائج أن الغابات تتمتع بقدرة كبيرة على التعافي إذا مُنحت الوقت الكافي.

لكن المشكلة أن الوقت الذي تحتاج إليه الطبيعة ليس بالضرورة متوافقًا مع عمر الإنسان.

فالتعافي الذي استغرق أكثر من 100 ألف عام في الماضي يعني آلاف الأجيال البشرية، وليس عقودًا أو حتى قرونًا.

والأكثر إثارة للقلق أن الانبعاثات البشرية وارتفاع درجات الحرارة يحدثان اليوم بوتيرة أسرع بكثير مما حدث خلال فترة الحد الأقصى الحراري في العصر الباليوسين-الإيوسين.

ولهذا، فإن سجل الأحافير لا يخبرنا فقط بأن الغابات قادرة على التعافي من الاحترار، بل يوجه تحذيرًا أكثر أهمية: قد يكون التعافي ممكنًا، لكن إذا تجاوزت الغابات حدود قدرتها على التحمل، فقد يستغرق استعادة النظام البيئي آلاف الأجيال.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة