أخبارالاقتصاد الأخضر

أوروبا تبحث عن مزيد من الليثيوم والمعادن النادرة بدل خفض الطلب.. ماذا تكشف الدراسة؟

هل تحتاج أوروبا إلى مزيد من المعادن أم إلى استهلاك أقل؟.. دراسة تكشف معضلة التحول الأخضر

أظهر تحليل جديد للسياسات الأوروبية أن سباق الاتحاد الأوروبي لتأمين إمدادات الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المواد الخام الحرجة دفع قضية خفض استهلاك الموارد إلى هامش النقاش السياسي، رغم التحذيرات المتكررة من المخاطر البيئية والجيوسياسية للطلب المتزايد على المعادن.

ويأتي ذلك في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده على دول خارجية، وفي مقدمتها الصين، من خلال زيادة إنتاج المعادن داخل أوروبا وتوسيع عمليات إعادة التدوير.

وتوصل باحثون في مركز هلمهولتز للأبحاث البيئية (UFZ) إلى أن التركيز المتزايد على أمن الإمدادات أدى تدريجيًا إلى تراجع مبادئ الاستدامة في الخطاب السياسي الأوروبي المتعلق بالمواد الخام.

ونُشرت الدراسة في دورية Communications Earth & Environment.

المعادن النادرة
المعادن النادرة

قانون المواد الخام الحرجة يغيّر أولويات أوروبا

دخل قانون المواد الخام الحرجة الأوروبي (CRMA) حيز التنفيذ عام 2024، بهدف تعزيز قدرة أوروبا على تأمين المعادن والمواد اللازمة للصناعات الاستراتيجية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على هذه الموارد منذ بداية الألفية الجديدة.

ويرتبط هذا الطلب بالتوسع في تقنيات الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، والإلكترونيات، وغيرها من القطاعات التي تعتمد على مجموعة متزايدة من المعادن الحيوية.

وتسعى أوروبا، من خلال القانون، إلى تقليل اعتمادها على دول أخرى في الحصول على هذه المواد، وزيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع عمليات إعادة التدوير.

لكن الباحثين يرون أن هذه الاستراتيجية تركز بصورة أساسية على كيفية توفير المزيد من الموارد بدلًا من طرح سؤال آخر أكثر جوهرية: هل يمكن تقليل الحاجة إلى هذه الموارد من الأساس؟

كيف تغير الخطاب الأوروبي حول المعادن؟

حلل فريق بحثي في مركز هلمهولتز للأبحاث البيئية أكثر من 180 وثيقة متاحة للعامة، شملت استراتيجيات ووثائق مواقف وبيانات صحفية ونشرات معلوماتية، نُشرت بين عامي 2000 و2024.

وشملت الوثائق مواقف جهات رئيسية من عالم السياسة والصناعة والأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية.

واعتمد الباحثون على تحليل نوعي للنصوص، إذ جرى تصنيف المقاطع وفق موضوعاتها، مثل تعريف المشكلة والحلول المقترحة، بهدف تحديد الأفكار التي تكررت واكتسبت نفوذًا أكبر خلال أكثر من عقدين من النقاش السياسي.

وقالت تيريزا هيردلِتشكا، الباحثة التي قادت الدراسة، إن تتبع النقاش على مدار هذه الفترة أتاح للفريق تحديد الأحداث والتفسيرات التي كان لها التأثير الأكبر في مختلف المجموعات المشاركة في النقاش.

المعادن النادرة

من «التنافسية» إلى الاستقلالية الاستراتيجية

كشفت الدراسة عن تحول واضح في الرواية السياسية الأوروبية بشأن المواد الخام، ففي بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت «القدرة التنافسية للشركات» هي الفكرة المهيمنة على سياسات المواد الخام.

وبعد الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008، ثم توقيع اتفاق باريس للمناخ عام 2015، برز خطاب جديد يقدم الاتحاد الأوروبي باعتباره «رائدًا عالميًا في حماية البيئة».

لكن هذا الخطاب تغير مرة أخرى بعد جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة، لصالح مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية».

ويعني هذا المفهوم أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يقلل اعتماده على الدول الأخرى في القطاعات الحيوية، بما في ذلك إمدادات المعادن والمواد الخام الأساسية.

ورغم تغير الخطابات السياسية مع الأزمات المختلفة، وجد الباحثون أن مبدأً واحدًا ظل ثابتًا: ضرورة ضمان أمن الإمدادات.

لماذا تراجع الحديث عن خفض الاستهلاك؟

يرى الباحثون أن أفكارًا بديلة مثل خفض الطلب والاكتفاء وتقليل استهلاك الموارد لم تحصل على المساحة نفسها داخل النقاش السياسي الأوروبي.

وقالت هيردلِتشكا إن هذه الأفكار ظلت مهمشة باستمرار، حتى في الحالات التي يكون فيها خفض الطلب ضروريًا من الناحية البيئية.

وأضافت أن السبب يعود إلى أن الرواية السياسية السائدة تقدم المشكلة أساسًا باعتبارها نقصًا في أمن الإمدادات والقدرة التنافسية، وليس باعتبارها مشكلة ناتجة عن ارتفاع الاستهلاك نفسه.

وبحسب الدراسة، بدأت هذه الرؤية داخل قطاع الصناعة، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى صانعي السياسات، ومن بينهم مؤسسات في المفوضية الأوروبية.

وهكذا أصبح الحل السياسي الأساسي هو تأمين مزيد من المواد الخام، بدلًا من إعادة التفكير في حجم الطلب عليها.

احتياطيات الليثيوم
المعادن النادرة

العدالة البيئية لم تحصل على مساحة كافية

لم تتمكن روايات أخرى من الحصول على نفوذ مماثل داخل النقاش الأوروبي، ومن بينها الانتقادات الموجهة إلى ما يعرف بـالاستخراجية الجديدة.

وتشير هذه الرؤية إلى أن استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها من دول الجنوب العالمي يشكل أحد أسس التنمية الاقتصادية الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى استمرار علاقات التبعية ونقل الأعباء البيئية إلى مناطق أخرى من العالم.

كما لم تحظَ عدالة الموارد، التي تدعو إلى توزيع واستخدام الموارد الطبيعية بصورة عادلة ومستدامة على المستوى العالمي، بالزخم السياسي الكافي.

وكانت المنظمات غير الحكومية وبعض الجهات العاملة في مجال السياسات البيئية من أبرز المدافعين عن هذه الرؤية.

بعض إجراءات الاستدامة وصلت إلى السياسات الأوروبية

وجدت الدراسة أن عددًا محدودًا فقط من مبادئ الاستدامة تمكن من الدخول إلى الخطاب السياسي السائد، ومن أبرز الأمثلة لائحة البطاريات الأوروبية ولائحة معادن النزاعات، اللتان تتضمنان بعض الاعتبارات البيئية والاجتماعية المتعلقة بالموارد وسلاسل التوريد.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن الأفكار لا تنتشر بالضرورة لمجرد كونها أكثر استدامة، إذ يمكن للرواية السياسية الأقوى أن تستوعب بعض حجج الطرف الآخر وتعيد صياغتها بطريقة تقلل من تأثيرها.

كما يلعب تحديد الأجندة السياسية دورًا أساسيًا، إذ إن الجهة التي تنجح في وضع قضية معينة على جدول الأعمال تمتلك تأثيرًا كبيرًا على الطريقة التي يمكن للجهات الأخرى أن تتعامل بها مع القضية.

تحذيرات العلماء من استهلاك الموارد لم تصل إلى القانون

استخراج المعادن النادرة في الكونغو
استخراج المعادن النادرة في الكونغو

رغم أن باحثين في الأوساط العلمية دعوا مرارًا إلى خفض الاستهلاك الإجمالي للمواد الخام واحترام الحدود البيئية للكوكب، فإن هذه الأصوات لم يكن لها تأثير كبير في المفاوضات السياسية التي سبقت قانون المواد الخام الحرجة.

وقالت هيردلِتشكا إن الدراسات التي تناولت تقليل استهلاك المواد الخام أو طرحت أفكارًا للاستخدام الرشيد للمعادن الحيوية لم تصدر إلا عن مجموعة صغيرة نسبيًا من الباحثين، ولم تتمكن هذه الآراء من فرض نفسها في المفاوضات.

وتكشف هذه النتيجة عن فجوة بين ما يحذر منه العلماء بشأن حدود الموارد والبيئة وبين ما تعتبره السياسات الأوروبية ممكنًا ومقبولًا من الناحية السياسية.

أوروبا بحاجة إلى رواية جديدة للموارد

يرى الباحثون أن مواجهة هذه المعضلة تتطلب دورًا أكبر للعلماء في المنطقة الفاصلة بين البحث العلمي وصنع السياسات، من خلال التواصل المباشر مع صناع القرار.

ومن المتوقع أن يستمر الطلب على المواد الخام في الارتفاع، خصوصًا مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتسارع التحول في قطاعات الطاقة والنقل والتكنولوجيا.

لكن الدراسة تقترح أن تغيير طريقة التفكير في المواد الخام قد يكون ضروريًا بقدر أهمية تأمين الإمدادات نفسها.

الاقتصاد الدائري قد يقدم الحل

الاقتصاد الدائري
الاقتصاد الدائري

يرى الباحثون أن الاقتصاد الدائري يمكن أن يكون أحد المفاهيم القادرة على تغيير النقاش، خصوصًا إذا ارتبط بالنقاشات المتعلقة بالنزاعات في قطاع التعدين داخل أوروبا.

ويمكن لهذا النهج أن يسلط الضوء على بدائل تقوم على سلاسل توريد محلية، وخفض الاستهلاك، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، والمشاركة المجتمعية.

ومن شأن إعادة تعريف مفهوم الاستقلالية في مجال المواد الخام أن تنقل النقاش من سؤال «كيف نحصل على مزيد من الموارد؟» إلى سؤال أكثر شمولًا: كيف نحقق احتياجات الاقتصاد والمجتمع باستخدام موارد أقل وبأكبر قدر ممكن من الكفاءة والعدالة؟

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن نجاح التحول الأخضر الأوروبي لا يعتمد فقط على تأمين كميات كافية من الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، وإنما أيضًا على إعادة التفكير في حجم الاستهلاك نفسه، حتى لا يؤدي التحول نحو الطاقة النظيفة إلى فتح دورة جديدة من الضغوط البيئية والاجتماعية المرتبطة باستخراج الموارد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة