من أكبر مصادر الانبعاثات إلى أداة لمكافحة تغير المناخ.. مستقبل جديد لمصانع الأسمنت.. لماذا يكون الحل مهمًا للدول العربية؟
4 مليارات طن من الأسمنت سنويًا.. تقنية جديدة قد تحول المصانع إلى «مصائد» لثاني أكسيد الكربون
تُعد صناعة الأسمنت واحدة من أكبر مصادر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، إذ يتم إنتاج نحو 4 مليارات طن من الأسمنت سنويًا، وتساهم الصناعة بنحو 5% إلى 8% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.
لكن دراسة جديدة أجراها باحثون في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ ETH Zurich تطرح سيناريو مختلفًا تمامًا: تحويل مصانع الأسمنت نفسها إلى منشآت قادرة على إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
وتقوم الفكرة على دمج صناعة الأسمنت مع تقنية تعرف باسم الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء (DAC)، باستخدام دورة كيميائية تعتمد على الكالسيوم.
ووفق الحسابات التي أجراها الباحثون، يمكن لهذا الدمج، إلى جانب كهربة عملية تصنيع الأسمنت، أن يخفض التأثير المناخي للصناعة بنسبة تصل إلى 78% بحلول عام 2050.
والأهم أن منشآت الالتقاط المباشر للكربون التي تعتمد على هذه التقنية يمكن، عند تشغيلها بالطاقة منخفضة الكربون وتخزين ثاني أكسيد الكربون بصورة دائمة، أن تصبح سالبة الانبعاثات على مدار دورة حياتها؛ أي أنها تزيل من الغلاف الجوي كمية من ثاني أكسيد الكربون أكبر مما يتم إطلاقه لإنتاج وتشغيل المنشأة.
نُشرت الدراسة في دورية Chem Circularity.

لماذا يصعب التخلص من انبعاثات الأسمنت؟
تنبع مشكلة صناعة الأسمنت من أكثر من مجرد الوقود الذي تستخدمه المصانع لتوليد الحرارة.
فالمادة الخام الأساسية لصناعة الأسمنت هي الحجر الجيري، ويتكون بصورة رئيسية من كربونات الكالسيوم.
ولإنتاج الأسمنت، يتم تسخين الحجر الجيري إلى درجات حرارة مرتفعة للغاية، في عملية تعرف باسم التكلس أو التكليس (Calcination).
وخلال هذه العملية يتحلل الحجر الجيري إلى الجير الحي وثاني أكسيد الكربون.
وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من انبعاثات الأسمنت ناتج عن التفاعل الكيميائي نفسه، وليس فقط عن حرق الفحم أو الغاز لتوفير الحرارة.
لذلك، حتى إذا نجحت المصانع في التحول بالكامل إلى الطاقة المتجددة، ستظل هناك انبعاثات مرتبطة بتحلل الحجر الجيري.
وهنا تظهر أهمية تقنية التقاط الكربون من الهواء وربطها بعملية إنتاج الأسمنت.

الفكرة تقوم على دورة الكالسيوم
تعتمد التقنية التي درسها الباحثون على ما يعرف باسم حلقة الكالسيوم (Calcium Looping)، وهي دورة كيميائية تستخدم مركبات الكالسيوم لالتقاط ثاني أكسيد الكربون وإعادة استخدامها بصورة متكررة.
وتبدأ العملية بالحجر الجيري، الذي يتم تسخينه حتى يتحلل إلى الجير الحي وثاني أكسيد الكربون.
وفي مصنع الأسمنت التقليدي، يذهب ثاني أكسيد الكربون الناتج عن هذه العملية إلى الغلاف الجوي.
لكن في النظام المقترح، يمكن التقاط هذا الغاز مباشرة لأنه يكون منفصلًا عن غازات احتراق الوقود إذا تم تشغيل الفرن بالكهرباء بدلًا من الوقود الأحفوري.
وهذا يوفر ميزة مهمة، إذ يصبح ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التكليس أكثر سهولة في الفصل والالتقاط.
ماذا يحدث لثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء؟
هنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة في النظام، بعد إضافة الماء إلى الجير الحي، يتحول إلى الجير المطفأ، وهو قادر على امتصاص ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء.
وبمرور الوقت، يتحول الجير المطفأ مرة أخرى إلى الحجر الجيري، وهذا الحجر الجيري يمكن استخدامه مجددًا كمادة خام في صناعة الأسمنت، وبالتالي يمكن تكرار دورة الكالسيوم مرات متعددة.
كلما تعرضت المادة لعدد أكبر من دورات التفاعل مع الهواء قبل استخدامها في إنتاج الأسمنت، زادت كمية ثاني أكسيد الكربون التي يمكن سحبها من الغلاف الجوي.
لكن هناك نقطة مهمة: الكربون الذي يتم التقاطه من الهواء لا يبقى داخل الأسمنت النهائي.
بدلًا من ذلك، يتم فصل ثاني أكسيد الكربون وضغطه ثم نقله إلى مواقع تخزين جيولوجي عميقة، حيث يمكن عزله عن الغلاف الجوي على المدى الطويل.

78% خفضًا للتأثير المناخي
أجرى الباحثون حسابات لسيناريوهات مختلفة حتى عام 2050.
ووجدوا أن كهربة فرن الأسمنت واستخدام التقاط مباشر لثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية التكليس وحدهما يمكن أن يخفضا التأثير المناخي لصناعة الأسمنت بنحو 78% بحلول عام 2050.
وتكمن أهمية الكهربة في التخلص من الانبعاثات الناتجة عن حرق الفحم أو الغاز داخل الفرن.
أما التقاط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تحلل الحجر الجيري فيعالج الجزء الآخر من المشكلة.
وعندما يجتمع الإجراءان مع تقنية سحب الكربون مباشرة من الهواء، يصبح المصنع قادرًا ليس فقط على تقليل انبعاثاته، وإنما على إزالة كميات إضافية من ثاني أكسيد الكربون الموجود بالفعل في الغلاف الجوي.
هل تزيل هذه التقنية كربونًا أكثر مما تطلق؟
هذا هو السؤال الأهم في الدراسة، فأي تقنية لإزالة الكربون تحتاج إلى طاقة ومواد ومعدات، وهذه العناصر نفسها قد تولد انبعاثات.
لذلك لا يكفي القول إن المصنع يلتقط طنًا من ثاني أكسيد الكربون من الهواء.
يجب حساب جميع الانبعاثات المرتبطة ببناء وتشغيل المنشأة، واستخراج المواد الخام، وإنتاج الطاقة، ونقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه.
وأجرى الباحثون أول تحليل مستقبلي لدورة الحياة لتقنية الالتقاط المباشر للكربون باستخدام حلقة الكالسيوم على نطاق صناعي.
وأظهرت النتائج أن المنشآت التجارية التي تستخدم هذه التقنية وتخزن ثاني أكسيد الكربون يمكن أن تكون سالبة الكربون على مدار دورة حياتها.
وبحسب سيناريوهات الطاقة المستخدمة، تراوحت كفاءة إزالة ثاني أكسيد الكربون المتوقعة بحلول عام 2050 بين 85% و96%.
وهذا يعني أنه مقابل كل طن من ثاني أكسيد الكربون يتم التقاطه وتخزينه، يتم إطلاق نحو 40 إلى 150 كيلوجرامًا من ثاني أكسيد الكربون في سلسلة العملية بأكملها.

الطاقة هي نقطة الضعف الرئيسية
رغم النتائج الواعدة، تكشف الدراسة عن تحدٍ كبير، التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
فالهواء يحتوي على تركيز منخفض نسبيًا من ثاني أكسيد الكربون، ولذلك تحتاج أنظمة الالتقاط إلى معالجة كميات ضخمة من الهواء لاستخراج الغاز منه.
وهذا يجعل مصدر الطاقة المستخدم في تشغيل المنشأة عاملًا حاسمًا في نجاحها المناخي.
إذا تم تشغيل المنشأة بالكهرباء الناتجة عن مصادر كثيفة الكربون، فقد ترتفع الانبعاثات المرتبطة بعملية الالتقاط وتقل فائدتها المناخية.
أما إذا استخدمت الكهرباء الناتجة عن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فيمكن أن ترتفع كفاءة إزالة الكربون بصورة كبيرة.
ثلاثة سيناريوهات للطاقة
اختبر الباحثون عدة سيناريوهات للطاقة المستخدمة في تشغيل أنظمة الالتقاط المباشر.
شملت السيناريوهات استخدام مزيج الكهرباء الحالي في الولايات المتحدة، ومزيج كهرباء منخفض الكربون يعتمد بدرجة كبيرة على الرياح والطاقة الشمسية، إضافة إلى نظام مستقل يعتمد على الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتخزين الكهرباء بالبطاريات.
وأظهرت الحسابات أن استخدام الطاقة المتجددة يحقق أعلى كفاءة في إزالة الكربون.
وهذا يعني أن نجاح التقنية لا يعتمد فقط على الكيمياء المستخدمة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون، وإنما أيضًا على كيفية إنتاج الكهرباء اللازمة لتشغيل المصنع.

تجربة تجارية في كاليفورنيا
تعاون الباحثون مع شركة Heirloom Carbon Technologies، التي تعمل على تطوير أنظمة الالتقاط المباشر للكربون من الهواء باستخدام حلقة الكالسيوم.
وتشغل الشركة منذ عام 2023 منشأة في ولاية كاليفورنيا تبلغ قدرتها الاسمية نحو 1000 طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
كما تخطط الشركة لبناء منشأة أكبر بكثير في ولاية لويزيانا خلال السنوات المقبلة.
وأتاح التعاون للباحثين استخدام بيانات صناعية حقيقية بدلًا من الاعتماد فقط على افتراضات مخبرية أو نماذج نظرية.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة فيتوريا بولونجارو إن هذه البيانات ساعدت الفريق على بناء الحسابات والسيناريوهات اعتمادًا على عمليات حقيقية.
ما الذي يدخل في حساب البصمة الكربونية؟
لم يكتف الباحثون بحساب الانبعاثات الناتجة عن تشغيل منشأة الالتقاط، بل نظروا إلى دورة الحياة الكاملة للتقنية، بدءًا من استخراج المواد الخام، مرورًا ببناء المنشأة وتشغيلها، وانتهاءً بتخزين ثاني أكسيد الكربون الذي تم التقاطه.
وهذه نقطة مهمة لأن منشأة ضخمة لإزالة الكربون يمكن أن تبدو فعالة إذا تم تجاهل الانبعاثات غير المباشرة.
لكن عندما يتم احتساب الانبعاثات الناتجة عن تصنيع المعدات واستهلاك الطاقة والنقل والبنية التحتية والتخزين، يمكن معرفة ما إذا كانت المنشأة تحقق بالفعل إزالة صافية للكربون.
ووفق الدراسة، تظل الطاقة المطلوبة للعملية هي المصدر الأكبر للبصمة البيئية.
هل يمكن دمج التقنية في مصانع الأسمنت الحالية؟
إحدى أبرز مزايا النظام المقترح هي أنه لا يحتاج إلى بناء صناعة منفصلة تمامًا.
فتقنية حلقة الكالسيوم تستخدم بالفعل مركبات تدخل في صناعة الأسمنت، كما أن العمليات الكيميائية الأساسية متشابهة.
ويحتاج دمج نظام الالتقاط المباشر للكربون بصورة أساسية إلى إضافة وحدات تلامس الهواء (Air Contactors) التي تسمح بمرور الهواء عبر المواد القادرة على التقاط ثاني أكسيد الكربون.
كما يحتاج فرن التكليس إلى العمل باستخدام طاقة منخفضة الكربون أو خالية من الكربون لتحقيق أعلى معدل ممكن من إزالة الانبعاثات.
وهذا قد يجعل دمج التكنولوجيا مع البنية الصناعية القائمة أكثر سهولة مقارنة ببناء نظام جديد بالكامل من الصفر.

من صناعة ملوثة إلى مصنع سالب الكربون
إذا نجح النموذج على نطاق تجاري، يمكن أن يتغير دور مصانع الأسمنت بصورة جذرية، فبدلًا من أن تكون المنشأة مجرد مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن تصنيع مادة البناء، يمكن أن تصبح منشأة تجمع بين إنتاج الأسمنت وإزالة الكربون من الغلاف الجوي.
وهذا التحول يحمل أهمية خاصة لأن الأسمنت مادة يصعب الاستغناء عنها في البنية التحتية العالمية.
فالمباني والطرق والجسور والموانئ والمنشآت الصناعية تعتمد بدرجة كبيرة على الخرسانة والأسمنت، ومن الصعب التخلص من الطلب العالمي عليه في المستقبل المنظور.
لذلك فإن تقليل الانبعاثات من صناعة الأسمنت، أو تحويل جزء من منشآتها إلى منشآت لإزالة الكربون، قد يكون أكثر واقعية من محاولة إلغاء استخدام الأسمنت بالكامل.

لكن هناك عقبات لم تُحسم بعد
رغم النتائج الواعدة، لا تزال التقنية في حاجة إلى إثبات قدرتها على العمل اقتصاديًا وعلى نطاق صناعي واسع.
فبعض مكونات النظام، وخصوصًا أفران التكليس الكهربائية ذات التسخين غير المباشر، لم تدخل بعد مرحلة الاستخدام الصناعي واسع النطاق.
كما أن الدراسة لم تتضمن تحليلًا اقتصاديًا تفصيليًا للتكاليف.
وهذا يعني أن الباحثين يعرفون إلى حد كبير ما يمكن أن تحققه التقنية من الناحية المناخية وفق السيناريوهات المستقبلية، لكنهم لا يملكون بعد إجابة نهائية حول تكلفة إزالة كل طن من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالبدائل الأخرى.
كما تعتمد الحسابات حتى عام 2050 على افتراض إحراز تقدم كبير في إزالة الكربون من قطاع الكهرباء.
وبالتالي، فإن انخفاض الانبعاثات الفعلي سيعتمد أيضًا على مدى سرعة تحول شبكات الكهرباء إلى مصادر منخفضة الكربون.
لماذا قد يكون الحل مهمًا للدول العربية؟
تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة بالنسبة للدول العربية التي تمتلك صناعات أسمنت كبيرة وتوسعًا سريعًا في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
فدمج التقاط الكربون مع مصانع الأسمنت يمكن أن يوفر مسارًا لخفض الانبعاثات من قطاع يصعب إزالة الكربون منه بالكامل.
كما أن وجود موارد شمسية ضخمة في عدد من الدول العربية يمكن أن يساعد في توفير الكهرباء منخفضة الكربون اللازمة لتشغيل أنظمة الالتقاط المباشر للهواء والأفران الكهربائية.
لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى أكثر من تركيب وحدات التقاط الكربون، فلا بد من تطوير منظومة كاملة تشمل مصادر كهرباء نظيفة، وبنية تحتية لنقل ثاني أكسيد الكربون، ومواقع تخزين جيولوجي آمنة، وتشريعات واضحة لحساب الانبعاثات السالبة والتحقق منها.

هل يمكن أن يصبح الأسمنت جزءًا من الحل؟
تقدم الدراسة تصورًا غير تقليدي للتعامل مع واحدة من أصعب الصناعات في التحول المناخي.
فبدلًا من النظر إلى الأسمنت باعتباره مشكلة يجب التخلص منها، يمكن النظر إلى مصانع الأسمنت نفسها باعتبارها بنية تحتية محتملة لإزالة الكربون.
وتشير النتائج إلى أن الجمع بين الكهرباء منخفضة الكربون، والتقاط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التكليس، والالتقاط المباشر من الهواء، والتخزين الجيولوجي، يمكن أن يحول منشآت الأسمنت إلى أنظمة ذات انبعاثات سالبة صافية.
لكن هذه النتيجة تظل حتى الآن وعدًا علميًا يحتاج إلى اختبارات صناعية واسعة وإثبات الجدوى الاقتصادية.

