كارثة بيئية تقترب من مصيرة.. تسرب نفطي يهدد واحدة من أهم مناطق السلاحف في العالم
كنز بيئي في بحر العرب مهدد بالنفط.. جزيرة مصيرة أمام اختبار بيئي صعب
بينما تتواصل جهود احتواء التسرب النفطي قبالة سواحل سلطنة عُمان، تتجه الأنظار إلى واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في بحر العرب: جزيرة مصيرة، حيث تتقاطع طرق الكائنات البحرية المهاجرة مع شواطئ تستخدمها السلاحف للتعشيش ووضع البيض.
الخطر بالنسبة للجزيرة لا يتعلق فقط باحتمال ظهور بقع زيتية على الرمال؛ فالوصول إلى الشاطئ قد يعني انتقال آثار التلوث إلى منظومة بيئية كاملة تبدأ من المياه الضحلة والشعاب المرجانية، وتمتد إلى الأسماك والقشريات والطيور والسلاحف والثدييات البحرية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت أكدت فيه السلطات العُمانية وصول التلوث النفطي إلى شواطئ في منطقة رأس مدركة، مع احتمال امتداده إلى الجزء الجنوبي من مصيرة.
في أحدث التطورات، أشارت تقارير إلى أن مساحة البقعة النفطية قبالة عُمان بلغت نحو 2000 كيلومتر مربع، مع استمرار المخاوف من اتساع نطاقها.

لماذا تكتسب مصيرة كل هذه الأهمية؟
تقع مصيرة قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لعُمان، في بحر العرب، وتتميز بمزيج من الشواطئ الرملية والبيئات البحرية والمناطق التي تعتمد عليها الكائنات البرية والبحرية في الغذاء والتكاثر.
وتصف الجهات السياحية العُمانية الجزيرة بأنها من أبرز المناطق الطبيعية في السلطنة، وتؤكد وجود أنواع متعددة من السلاحف البحرية على شواطئها، من بينها السلاحف ضخمة الرأس والخضراء ومنقار الصقر وريدلي الزيتونية، إلى جانب الطيور المهاجرة.
وتزداد قيمة الموقع عند وضعه ضمن الصورة الأوسع للبيئة البحرية العُمانية؛ إذ تسجل السلطنة أكثر من 20 نوعًا ونوعًا فرعيًا من الحيتان والدلافين، بينما توجد في مياهها خمسة أنواع من السلاحف البحرية، أربعة منها تعشش على الشواطئ العُمانية.
وتعد مصيرة من أهم مواقع تعشيش السلحفاة ضخمة الرأس «الريماني» أو Caretta caretta.
موسم التعشيش يجعل التوقيت أكثر حساسية
تعيش السلاحف البحرية معظم حياتها في المحيط، لكنها تضطر إلى العودة إلى اليابسة في مرحلة حاسمة من دورة حياتها: وضع البيض.
وخلال موسم التعشيش، تخرج الإناث ليلًا من البحر وتتجه إلى الرمال، حيث تحفر أعشاشها وتضع البيض، ثم تعود إلى المياه.
وتوضح بيانات هيئة البيئة العُمانية أن موسم تعشيش السلاحف في جنوب الشرقية يمتد خلال أشهر الصيف، وقد شهدت المنطقة في يونيو الماضي مشاهد لآلاف السلاحف الخضراء وهي تصل إلى الشواطئ لوضع البيض.
وهنا تكمن حساسية وصول النفط إلى الشاطئ؛ إذ لا يعود التلوث مشكلة تخص المياه وحدها، وإنما يمكن أن يتحول إلى تهديد مباشر لمناطق تستخدمها السلاحف كحاضنات طبيعية لأجيال جديدة.

النفط لا يضر السلاحف وحدها
عند وصول النفط الخام إلى بيئة بحرية، تبدأ سلسلة معقدة من التأثيرات.
فالطبقة النفطية يمكن أن تقلل من جودة المياه وتؤثر في الكائنات التي تعيش بالقرب من السطح، بينما تتعرض الكائنات الساحلية للتلوث عندما يلتصق النفط بالرمال والصخور والنباتات.
وفي المناطق الضحلة، يمكن أن تصبح الشعاب المرجانية واللافقاريات والأسماك الصغيرة من أوائل الكائنات المتضررة، وهو ما قد يؤدي لاحقًا إلى التأثير في الحيوانات التي تعتمد عليها في الغذاء.
أما الطيور البحرية، فقد تواجه خطرًا إضافيًا عندما يلتصق النفط بريشها، لأن ذلك قد يؤثر في قدرتها على العزل الحراري والحركة والبحث عن الغذاء.
أخطر ما في التلوث قد يبقى بعد اختفاء البقعة
المشكلة البيئية في حوادث التسرب النفطي لا تنتهي بالضرورة عندما تختفي البقعة من سطح البحر.
فجزء من النفط يمكن أن يصل إلى الشواطئ ويختلط بالرمال والرواسب، بينما قد تبقى بعض مكوناته في البيئة لفترات أطول.
ولهذا فإن المناطق التي تجمع بين الشواطئ الرملية ومواقع التعشيش والبيئات البحرية الغنية تحتاج إلى مراقبة طويلة الأمد، وليس فقط عمليات تنظيف سريعة للنفط الظاهر على سطح المياه.
وتصبح هذه المسألة أكثر تعقيدًا عندما يكون الموقع جزءًا من مسارات تغذية أو تكاثر لكائنات بحرية تتحرك لمسافات كبيرة.

ناقلة محملة بمئات الآلاف من براميل النفط
وتعود الأزمة الحالية إلى الناقلة «كارولين بيزنجي»، التي جنحت قبالة السواحل العُمانية بعد حادث وقع في يونيو، وكانت تحمل شحنة ضخمة من النفط الخام.
وتشير تقارير حديثة إلى أن السفينة كانت تحمل أكثر من 800 ألف برميل من النفط الخام، بينما تقترب الكمية الإجمالية من مليون برميل وفق تقديرات أخرى. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تدهور وضع السفينة واتساع نطاق التسرب.
ومع استمرار التسرب، أصبح العامل الزمني حاسمًا؛ فكلما طال بقاء النفط في البحر، زادت احتمالات وصوله إلى مناطق ساحلية جديدة، بينما تجعل الظروف الموسمية في بحر العرب عمليات المكافحة أكثر صعوبة.

الرياح والتيارات تضيف عنصرًا من عدم اليقين
لا يتحرك النفط في البحر بطريقة عشوائية تمامًا، لكنه يتأثر بمجموعة من العوامل في مقدمتها اتجاه الرياح والتيارات البحرية وحركة الأمواج ودرجة حرارة المياه.
وتزداد صعوبة التنبؤ بمسار البقعة عندما تتغير هذه العوامل على مدار الأيام، وهو ما يجعل صور الأقمار الصناعية وعمليات الرصد البحري أدوات أساسية لتحديد المناطق التي قد يصل إليها التلوث.
وفي حالة التسرب الحالي، ساهمت الظروف الموسمية والرياح في اتساع نطاق البقعة، بينما تواصل الجهات العُمانية مراقبة الساحل وتقييم المناطق المتضررة.
هل تستطيع الطبيعة التعافي؟
تعتمد قدرة البيئة على التعافي على كمية النفط التي تصل إليها، ونوع النفط، ومدة بقائه، وطبيعة الموطن المتضرر، إضافة إلى سرعة الاستجابة.
وقد تتعافى بعض البيئات الساحلية تدريجيًا بعد إزالة التلوث، لكن المناطق التي تضم شعابًا مرجانية أو مواقع تعشيش أو تجمعات حيوية حساسة قد تحتاج إلى سنوات من المراقبة وإعادة التأهيل.
والأكثر أهمية أن الضرر لا يقاس فقط بعدد الحيوانات النافقة التي يمكن رصدها مباشرة؛ فقد تظهر التأثيرات على التكاثر والنمو ومصادر الغذاء والسلوك الحيوي للكائنات بعد فترة من انتهاء الحادث.
مصيرة ليست مجرد جزيرة
تُظهر الأزمة الحالية لماذا تمثل مصيرة قيمة بيئية تتجاوز حدودها الجغرافية.
فالجزيرة تقع ضمن شبكة واسعة من البيئات البحرية التي تستخدمها السلاحف والحيتان والدلافين والطيور والأسماك، بينما تمثل شواطئها جزءًا من دورة حياة أنواع مهددة تحتاج إلى ظروف بيئية دقيقة حتى تستمر في التكاثر.
وتؤكد الجهات العُمانية أن البيئة البحرية في السلطنة تتمتع بتنوع استثنائي، مع وجود أنواع من الثدييات البحرية والسلاحف المصنفة ضمن قوائم الحماية العالمية.
ولهذا فإن وصول النفط إلى جنوب مصيرة، إذا حدث على نطاق واسع، لن يكون مجرد حادث تلوث ساحلي، بل اختبارًا لقدرة منظومة الحماية والاستجابة على إنقاذ موطن بحري بالغ الحساسية في بحر العرب.
سباق مع النفط
وبينما تتواصل عمليات احتواء التسرب ومحاولات السيطرة على الناقلة، يبقى العامل الأكثر أهمية هو منع النفط من الوصول إلى أكبر مساحة ممكنة من الشواطئ الحساسة.
وقد بدأت شركة «أمبري» البريطانية المشاركة في جهود احتواء التسرب، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من التداعيات البيئية للحادث.
وفي مصيرة تحديدًا، تتجاوز المسألة حماية شاطئ أو مياه إقليمية؛ فالمطلوب هو حماية مواقع تعشيش، وشعابًا، ومناطق تغذية، ومسارات حياة لكائنات بحرية قد تحتاج أجيالًا حتى تعود إلى مستوياتها الطبيعية إذا تعرضت لأضرار واسعة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا خلال الأيام المقبلة: هل تصل جهود احتواء التسرب قبل أن يصل النفط إلى شواطئ مصيرة ومواقع تعشيش السلاحف





