حرارة المحيطات تخرج عن السيطرة.. موجات الحر البحرية تهدد الشعاب والأسماك
من ابيضاض المرجان إلى نفوق الأسماك.. كيف تدمر موجات الحر البحرية النظم البيئية؟
قد لا يرى الإنسان موجات الحر البحرية من الشاطئ، لكنها تترك آثارًا مدمرة في أعماق البحار، من نفوق الأسماك وابيضاض الشعاب المرجانية إلى تضرر الأعشاب البحرية وتراجع قدرة الكائنات البحرية على التكاثر.
ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيطات بسبب تغير المناخ، أصبحت هذه الظاهرة أكثر تكرارًا وشدة واستمرارًا، ما يهدد النظم البيئية البحرية والاقتصادات الساحلية التي تعتمد على الصيد والسياحة والاستزراع المائي.
وتحدث موجات الحر البحرية عندما تظل مياه المحيط أكثر دفئًا من المعتاد لفترة زمنية ممتدة، وقد تحدث في أي منطقة من المحيط وفي أي وقت من العام، لأن تعريفها يعتمد على مقارنة درجات الحرارة بالمعدلات التاريخية الطبيعية لكل منطقة وموسم.
وتشير دراسة منشورة في دورية Interdisciplinary Environmental Review إلى الحاجة إلى توسيع نطاق الاستجابة لأزمة البلاستيك أحادي الاستخدام نحو الاقتصاد الدائري. لكن الدراسات الحديثة حول المحيطات تقدم إنذارًا موازيًا: ارتفاع الحرارة البحرية أصبح خطرًا متزايدًا يحتاج إلى مراقبة واستعداد مبكر.
ما موجات الحر البحرية؟
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجة حرارة مياه البحر بصورة غير معتادة مقارنة بالظروف الطبيعية في المنطقة نفسها.
ويستخدم العلماء سجلات درجات الحرارة التاريخية لتحديد درجة الحرارة الطبيعية لكل موقع وفي كل فترة من العام.
وتُصنف المياه باعتبارها تحت تأثير موجة حر بحرية عندما تكون درجة حرارتها أعلى من نحو 90% من درجات الحرارة المسجلة تاريخيًا في المنطقة نفسها، على أن يستمر هذا الارتفاع غير المعتاد لمدة 5 أيام متتالية على الأقل.
وهذا يعني أن درجة حرارة معينة قد تكون طبيعية في منطقة استوائية، لكنها تمثل موجة حر شديدة في منطقة أكثر برودة.
فعلى سبيل المثال، قد لا تبدو درجة حرارة مياه تبلغ 25 درجة مئوية استثنائية في منطقة استوائية مثل شعاب نينجالو في غرب أستراليا، لكنها قد تكون شديدة الارتفاع بالنسبة إلى المياه المحيطة بتسمانيا.

كيف تتكون موجات الحر في البحر؟
يمكن أن تنشأ موجات الحر البحرية نتيجة مجموعة من العوامل الطبيعية.
أحد السيناريوهات يحدث عندما تصبح المياه القريبة من سطح المحيط شديدة الحرارة ولا تختلط بصورة كافية بالمياه الأكثر برودة الموجودة في الأعماق.
ويصبح هذا السيناريو أكثر احتمالًا في ظروف الطقس الحارة والجافة والهادئة، عندما تضعف الرياح التي تساعد عادة على خلط طبقات المياه.
لكن التيارات البحرية يمكن أن تلعب دورًا أيضًا، إذ يمكن للتيارات القوية أن تنقل كميات كبيرة من المياه الدافئة من المناطق الاستوائية إلى مناطق أبرد.
وهكذا قد تنتقل الحرارة عبر المحيط وتصل إلى نظم بيئية لم تكن معتادة على درجات الحرارة المرتفعة.

لماذا تمثل موجات الحر البحرية كارثة تحت الماء؟
لا تستطيع جميع الكائنات البحرية التعامل مع ارتفاع درجات الحرارة بالطريقة نفسها.
فالأسماك والكائنات البحرية المتحركة يمكنها أحيانًا الانتقال إلى مياه أكثر برودة هربًا من الحرارة.
أما الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية وعشب البحر والكائنات التي تعيش في قاع البحر، مثل قنافذ البحر، فلا تستطيع الانتقال بسهولة.
وهذا يجعلها أكثر عرضة للتأثر المباشر بارتفاع الحرارة.
وقد يؤدي الإجهاد الحراري إلى اضطراب التكاثر أو إضعاف قدرة الكائنات على البقاء، كما يمكن أن يؤدي إلى نقص الغذاء عندما تتضرر الكائنات الموجودة في المستويات الأدنى من السلسلة الغذائية.
وبالتالي لا تقتصر آثار موجة الحر البحرية على الأنواع التي تتعرض مباشرة لارتفاع درجات الحرارة، بل يمكن أن تنتقل آثارها عبر الشبكة الغذائية البحرية بأكملها.
ابيضاض الشعاب المرجانية أحد أخطر العلامات
يعد ابيضاض الشعاب المرجانية من أكثر العلامات وضوحًا على تعرض النظم البحرية للإجهاد الحراري.
فعندما ترتفع حرارة المياه بصورة غير معتادة، تتعرض الشعاب المرجانية لضغط شديد يؤدي إلى فقدانها الطحالب التكافلية التي تمنحها جزءًا كبيرًا من ألوانها وطاقة بقائها.
وقد تستعيد الشعاب عافيتها إذا انخفضت درجات الحرارة سريعًا، لكن استمرار الحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى نفوق مساحات واسعة منها.
وهذا يجعل موجات الحر البحرية تهديدًا مباشرًا للتنوع البيولوجي في المناطق المرجانية.

غرب أستراليا شهد أمثلة صادمة
شهدت المياه المحيطة بغرب أستراليا خلال السنوات الأخيرة موجات حر بحرية شديدة كشفت حجم الخطر.
وفي فبراير 2011، تزامنت موجة حر بحرية مع موجة حر على اليابسة، فيما يعرف باسم موجة الحر المركبة.
وتسببت هذه الظاهرة في أضرار واسعة للنظم البيئية في غرب أستراليا.
فعلى اليابسة، نفقت أشجار وتراجعت أعداد طائر الكوكاتو المهدد بالانقراض.
أما تحت سطح البحر، فقد شهدت مناطق بيلبارا ونينجالو وجزر هوتمن أبرولهوس ابيضاضًا واسع النطاق للشعاب المرجانية، لكن ما حدث في عام 2011 لم يكن نهاية المشكلة.
موجة حر بحرية قياسية في 2024
في سبتمبر 2024، اجتاحت موجة حر بحرية أخرى المياه قبالة سواحل غرب أستراليا واستمرت عدة أشهر.
ووصفت بأنها الأطول والأكبر والأشد حدة التي تسجلها الولاية.
وكانت آثارها شديدة بصورة خاصة في منطقة الجرف الشمالي الغربي، حيث أدت إلى نفوق نحو نصف الشعاب المرجانية في المنطقة.
وتوضح هذه الحوادث أن موجات الحر البحرية لم تعد مجرد ظاهرة قصيرة الأجل يمكن للنظم البيئية التعافي منها بسهولة.
فكلما زادت مدة الموجة وشدتها، ارتفع احتمال وصول الضرر إلى نقطة يصعب معها التعافي.

موجات الحر البحرية تهدد الاقتصاد أيضًا
لا تقتصر الخسائر على البيئة، فالمجتمعات الساحلية تعتمد بصورة كبيرة على صحة النظم البحرية من أجل الصيد والاستزراع المائي والسياحة.
وعندما تتراجع أعداد الأسماك أو تتضرر الشعاب المرجانية، يمكن أن تخسر قطاعات اقتصادية كاملة مليارات الدولارات.
كما يمكن أن تتضرر مواقع ذات قيمة ثقافية أو سياحية، مثل النظم البحرية المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي.
وتزداد الخسائر عندما تتعرض المناطق الساحلية لموجات حر بحرية متكررة، لأن النظم البيئية قد لا تحصل على الوقت الكافي للتعافي بين حدث وآخر.
تهديد للكربون الأزرق
هناك جانب آخر بالغ الأهمية يتعلق بما يعرف باسم الكربون الأزرق.
وتشمل النظم البيئية للكربون الأزرق أشجار المانجروف والأعشاب البحرية وغيرها من الموائل الساحلية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون وتخزنه.
وبالتالي فإن تدمير هذه البيئات بسبب موجات الحر البحرية لا يعني خسارة التنوع البيولوجي فقط.
بل قد يؤدي أيضًا إلى إضعاف إحدى الأدوات الطبيعية التي تساعد على امتصاص الكربون وتنظيم المناخ.
وهذا يخلق حلقة خطيرة: تغير المناخ يرفع حرارة المحيطات، وموجات الحر البحرية تدمر بعض النظم التي تساعد على امتصاص الكربون، ما قد يضعف قدرة الطبيعة على الحد من تراكم ثاني أكسيد الكربون.

تغير المناخ يجعل الموجات أكثر خطورة
موجات الحر البحرية ظاهرة طبيعية وجزء من التغيرات المناخية الطبيعية التي يشهدها الكوكب.
لكن المشكلة أن خط الأساس الحراري للمحيطات نفسه يرتفع بسبب تغير المناخ.
وبالتالي فإن موجة حر بحرية تحدث فوق محيط أصبح أكثر دفئًا من السابق تبدأ من مستوى حراري أعلى أصلًا.
وتشير الأبحاث إلى أن موجات الحر البحرية أصبحت أكثر تكرارًا وشدة وأطول مدة مع ارتفاع حرارة المحيطات.
وهذا يعني أن الكائنات البحرية تواجه خطرين في الوقت نفسه: ارتفاعًا تدريجيًا ومستمرًا في حرارة المحيط، ثم أحداثًا حرارية حادة تضيف ضغطًا مفاجئًا فوق هذا الاحترار الأساسي.
النينيو واللانينيا يزيدان التعقيد
يمكن لأنماط المناخ واسعة النطاق، مثل النينيو واللانينيا، أن تزيد من احتمالات حدوث موجات الحر البحرية في بعض المناطق.
ففي أستراليا، يرتبط النينيو عادة بارتفاع حرارة المياه قبالة الساحل الشرقي، بينما يمكن للانينيا أن تدفع المياه الدافئة نحو الساحل الغربي.
لكن مع استمرار الاحترار العالمي، لم يعد وجود أحد هذه الأنماط المناخية ضروريًا لحدوث موجة حر بحرية شديدة.
وهذا يعني أن تغيرات صغيرة في الظروف المناخية قد تكون كافية لدفع بعض المناطق البحرية إلى درجات حرارة شديدة الارتفاع.

موجات حر مخفية لا ترصدها الأقمار الصناعية
من أكبر التحديات التي تواجه العلماء أن الأقمار الصناعية تراقب بصورة رئيسية درجة حرارة سطح البحر.
لكن بعض موجات الحر البحرية الشديدة قد تحدث في طبقات أعمق من المحيط.
وبالتالي يمكن أن تتعرض الكائنات البحرية لإجهاد حراري كبير بينما لا تظهر المشكلة بوضوح في بيانات سطح البحر.
ولهذا يدعو الباحثون إلى زيادة الأبحاث المتعلقة بالمياه العميقة وتيارات المحيطات، إلى جانب تحسين نماذج التنبؤ.
فقد تكون الكارثة تحدث بالفعل تحت سطح البحر قبل أن يتم اكتشافها.
ماذا يمكن فعله؟
يرى الباحثون أن الخطوة الأكثر أهمية للحد من موجات الحر البحرية تتمثل في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
فكلما تباطأ ارتفاع حرارة المحيطات، انخفض الضغط الأساسي الذي يجعل موجات الحر البحرية أكثر شدة.
لكن في الوقت نفسه، يجري البحث عن وسائل تساعد النظم البيئية على التكيف مع الظروف الجديدة.
ومن بين الأفكار المطروحة دراسة إمكانية إدخال أنواع بحرية أكثر قدرة على تحمل الحرارة إلى المناطق المعرضة للخطر، مع ضرورة دراسة المخاطر البيئية المترتبة على ذلك بعناية.
كما يجري بحث مفهوم تفتيح السحب البحرية، الذي يهدف إلى جعل السحب أكثر انعكاسًا لأشعة الشمس بصورة مؤقتة، وبالتالي تقليل كمية الحرارة التي تصل إلى سطح البحر.
ولا تزال هذه التقنيات محل بحث ودراسة، وليست بدائل عن خفض الانبعاثات.

الإنذار المبكر قد ينقذ النظم البحرية
يمكن أن يكون تطوير أنظمة الإنذار المبكر أحد أكثر الإجراءات العملية فائدة.
فإذا أمكن التنبؤ بموجة حر بحرية قبل حدوثها أو قبل وصولها إلى ذروتها، تستطيع السلطات والباحثون والمناطق المحمية وقطاعا الصيد والاستزراع المائي اتخاذ إجراءات استباقية.
وقد تشمل هذه الإجراءات تعديل عمليات الصيد، وحماية مناطق حساسة، ومراقبة الشعاب المرجانية، والاستعداد لتغير حركة الأسماك.
لكن نجاح هذه الأنظمة يعتمد على تطوير نماذج مناخية وبحرية أكثر دقة قادرة على التنبؤ بالمكان والوقت والشدة والمدة.
المحيطات تدخل عصرًا حراريًا جديدًا
تكشف موجات الحر البحرية عن أحد أخطر الجوانب غير المرئية لأزمة تغير المناخ.

فبينما يستطيع الإنسان رؤية موجة الحر على اليابسة والشعور بارتفاع درجات الحرارة، يمكن أن تحدث موجة حر بحرية على مساحة شاسعة بعيدًا عن الأنظار وتحت سطح الماء، بينما تتعرض الشعاب والأسماك والأعشاب البحرية لضغط هائل.
ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيطات، لا يتعلق السؤال فقط بموعد حدوث الموجة البحرية المقبلة، وإنما بقدرة النظم البيئية على التعافي بين موجات متكررة وأطول وأكثر شدة.
ولهذا، فإن حماية المحيطات لن تعتمد على خفض الانبعاثات فقط، بل ستحتاج أيضًا إلى مراقبة أفضل، ونماذج تنبؤ أكثر دقة، وأنظمة إنذار مبكر، وخطط لحماية النظم البحرية الأكثر هشاشة.





