أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

تغير المناخ يفتح الباب أمام فيروسات جديدة.. تحذير من تصاعد مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ

لماذا قد يؤدي تغير المناخ إلى انتشار أمراض جديدة بين الحيوانات والبشر؟

حذرت أستاذة في الصحة العامة والطب من أن تغير المناخ والتغيرات المتسارعة في النظم البيئية والموائل الطبيعية قد تزيد فرص انتقال الأمراض بين الحيوانات والبشر، بما يرفع مخاطر الصحة العامة عالمياً، ويفتح المجال أمام ظهور أمراض معدية جديدة.

وقالت البروفيسورة الدكتورة روزيتا هود، المحاضرة في قسم الصحة العامة والطب بجامعة كيبانغسان ماليزيا، إن التغيرات التي تطرأ على الموائل والنظم البيئية يمكن أن تؤدي إلى زيادة التفاعلات بين الحياة البرية والبشر، وهو ما قد يرفع احتمالات انتقال الأمراض الحيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي يمكن أن تنتقل بين الحيوانات والبشر.

وأشارت إلى جائحة «كوفيد-19» باعتبارها مثالاً على مرض جديد ارتبطت مخاطره بتداخل عوامل حيوانية وبشرية وبيئية معقدة.

وقالت هود إن هناك دراسات بحثت في الروابط المحتملة بين تغير المناخ وكوفيد-19، موضحة أن التغيرات البيئية قد تدفع بعض الحيوانات أو العوائل الحاملة لمسببات الأمراض إلى التحرك من موائلها الطبيعية والتفاعل بصورة أكبر مع البشر.

وأضافت أن عدداً من العلماء يحذرون من أن العالم قد يواجه مستقبلاً ظهور أمراض جديدة لا تزال غير معروفة، في ظل التغيرات البيئية والمناخية المتسارعة.

تغير المناخ والأمراض المعدية

جاءت تصريحات هود خلال حديثها للصحفيين، عقب إلقائها محاضرة بعنوان «تغير المناخ وتأثيره على صحة الإنسان: انتشار الأمراض المعدية وغير المعدية» في مستشفى كانسلور توانكو مظفر بمدينة كوالالمبور.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تغير المناخ يمكن أن يؤثر في أنماط انتشار الأمراض المعدية، من خلال التغيرات التي تطرأ على توزيع موائل الحيوانات، وكذلك على مسببات الأمراض والنواقل التي تحمل الأمراض وتنقلها.

ولا يعني ذلك أن تغير المناخ يتسبب بصورة مباشرة في ظهور كل مرض جديد، وإنما يمكن أن يغير الظروف البيئية التي تؤثر في الحيوانات والناقلات ومسببات الأمراض، وبالتالي يعيد تشكيل المناطق التي يمكن أن تنتشر فيها بعض الأمراض.

تغير المناخ لا يهدد الطقس فقط.. خطر متزايد لظهور أمراض معدية جديدة

لماذا تزيد المخاطر مع تغير المناخ؟

تؤدي التغيرات في درجات الحرارة وهطول الأمطار وتوافر المياه وتوزيع الغطاء النباتي إلى تغيرات واسعة في النظم البيئية.

وقد تدفع هذه التغيرات بعض أنواع الحيوانات إلى الانتقال إلى مناطق جديدة بحثاً عن الغذاء أو المياه أو ظروف بيئية أكثر ملاءمة، ما قد يزيد فرص احتكاكها بالبشر أو بحيوانات أخرى.

وتزداد المخاطر بصورة أكبر عندما تتداخل هذه العوامل مع إزالة الغابات، والتوسع العمراني، والتغير في استخدام الأراضي، وتجارة الحيوانات، وتكثيف الزراعة وتربية الحيوانات.

وفي مثل هذه الظروف يمكن أن تزداد فرص انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر، أو انتقالها بين أنواع حيوانية مختلفة قبل وصولها إلى الإنسان.

كوفيد-19.. ماذا نعرف؟

أشارت هود إلى كوفيد-19 كمثال على تعقيد العلاقة بين الإنسان والحيوان والبيئة.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن هناك أدلة تشير إلى احتمال دخول فيروس SARS-CoV-2 إلى البشر من خلال انتقال حيواني المنشأ، سواء بصورة مباشرة من الخفافيش أو عبر حيوان وسيط، مع استمرار عدم تحديد المصدر النهائي للمرض بشكل قاطع.

ولهذا من المهم التمييز بين وجود علاقة بحثية محتملة بين التغيرات المناخية والبيئية ومخاطر الأمراض، وبين القول إن تغير المناخ كان السبب المباشر في ظهور كوفيد-19؛ فهذه مسألة علمية أكثر تعقيداً ولا تزال تخضع للدراسة.

سلالة من البكتيريا المكورات العنقودية الذهبية، والتي يمكن أن تستوعب مجموعة متنوعة من الأمراض المتنوعة
لماذا قد يؤدي تغير المناخ إلى انتشار أمراض جديدة بين الحيوانات والبشر؟

«الصحة الواحدة».. مواجهة المرض من مصدره

ترى هود أن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب تبني نهج «الصحة الواحدة – One Health»، الذي يقوم على دمج الخبرات والمعلومات المتعلقة بصحة الإنسان والحيوان والبيئة بدلاً من التعامل مع كل مجال بصورة منفصلة.

ويعتمد هذا النهج على التعاون بين الأطباء والأطباء البيطريين وخبراء البيئة والصحة العامة والباحثين والجهات الحكومية، بهدف اكتشاف المخاطر مبكراً ومنع انتقال الأمراض قبل تحولها إلى أزمات صحية واسعة.

وقالت هود إن خبراء الجامعات والجهات الصحية يعملون منذ سنوات على تطوير هذا النهج للحد من انتقال الأمراض من الحيوانات إلى البشر.

وأضافت أن وحدة «الصحة الواحدة» في وزارة الصحة الماليزية تعمل بالتعاون مع إدارة الخدمات البيطرية، وتتبادل البيانات المتعلقة ببعض الأمراض، من بينها داء الكلب.

تطعيم الحيوانات الأليفة خطوة للوقاية

كما دعت هود أصحاب الحيوانات الأليفة إلى الالتزام بتطعيمها باعتباره أحد الإجراءات الوقائية التي يمكن أن تساعد في خفض مخاطر انتقال بعض الأمراض إلى البشر.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، إذ تمثل السيطرة على المرض في الحيوان أحد أهم عناصر الحد من انتقاله إلى الإنسان.

شبكة جامعية لمواجهة الأمراض الحيوانية المنشأ

وتقود شبكة جامعات ماليزيا للصحة الواحدة MyOHUN جهوداً لتطوير الخبرات في هذا المجال.

وأُطلقت الشبكة عام 2012 كجزء من شبكة جامعات جنوب شرق آسيا للصحة الواحدة SEAOHUN، وتضم حالياً أكثر من 17 جامعة، من بينها جامعة كيبانغسان ماليزيا، إلى جانب أربع جهات حكومية.

وتركز الشبكة على التدريب والبحث العلمي وبناء القدرات في مجال الأمراض المعدية والأمراض الحيوانية المنشأ.

التعاون بين القطاعات ضرورة وليست خياراً

وعلى مستوى السياسات، تعمل وزارة الصحة الماليزية منذ عام 2024 على دعم إنشاء اللجنة الوطنية للصحة الواحدة، بهدف تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين القطاعات المختلفة.

ويعكس ذلك اتجاهاً متزايداً نحو التعامل مع مخاطر الأوبئة باعتبارها قضية تتجاوز حدود القطاع الصحي وحده.

فمواجهة الأمراض الناشئة لا تبدأ دائماً داخل المستشفى؛ بل يمكن أن تبدأ من حماية الغابات والأنظمة البيئية، ومراقبة الحياة البرية، والسيطرة على الأمراض الحيوانية، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز مراقبة مسببات الأمراض والنواقل.

تغير المناخ.. خطر صحي يتجاوز موجات الحر

لم يعد تأثير تغير المناخ على صحة الإنسان مرتبطاً فقط بموجات الحر والجفاف والفيضانات وسوء جودة الهواء.

فالتغيرات المناخية يمكن أن تؤثر أيضاً في أنماط الأمراض المعدية وتوزيع النواقل والموائل الحيوانية، ما يجعل الاستعداد الصحي والبيئي جزءاً أساسياً من سياسات التكيف مع تغير المناخ.

ولهذا يزداد الاهتمام عالمياً بنهج «الصحة الواحدة»، الذي ينظر إلى صحة الإنسان والحيوان وسلامة البيئة باعتبارها منظومة مترابطة.

وفي عالم يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة وتغيراً في أنماط الأمطار وتدهوراً في بعض النظم البيئية، تصبح مراقبة الأمراض الحيوانية ومسبباتها، وحماية التنوع البيولوجي، وتعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر، والاستثمار في البحث العلمي، أدوات أساسية للحد من مخاطر الأوبئة المستقبلية.

فالوقاية من الوباء المقبل قد تبدأ قبل ظهور أول حالة بشرية بوقت طويل، من خلال فهم ما يحدث في البيئة والحياة البرية ومراقبة التغيرات التي قد تقرب الإنسان من مسببات أمراض جديدة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة