أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

دراسة تمتد لـ539 مليون عام تكشف علاقة تحولات المناخ ودورة الكربون وانقراضات الأرض الكبرى

إشارة خفية سبقت أكبر انقراضات الحياة على الأرض.. كشف لغز الانقراضات الجماعية

على مدار أكثر من نصف مليار عام، شهدت الأرض أزمات كبرى أبادت نسبًا هائلة من أشكال الحياة. وغالبًا ما يرتبط كل انقراض جماعي بسبب معروف أو مرجح؛ فالكويكب ارتبط بانقراض نهاية العصر الطباشيري، بينما ارتبط أكبر انقراض جماعي في تاريخ الأرض تقريبًا بالنشاط البركاني الهائل في سيبيريا عند نهاية العصر البرمي.

لكن دراسة جديدة تكشف أن وراء هذه الأحداث نمطًا أعمق قد يجمع بينها جميعًا.

فبعد تحليل سجلات تمتد لنحو 539 مليون سنة، وجد فريق دولي من علماء الرياضيات والحفريات ونمذجة المناخ أن نظام الأرض المناخي ودورة الكربون مرّا خلال هذه الفترة عبر خمس حالات مستقرة طويلة الأمد، وأن هشاشة الحياة ارتفعت بصورة ملحوظة عندما كان الكوكب ينتقل من حالة مناخية إلى أخرى.

الدراسة نُشرت في مجلة Nature Communications، وتشير إلى أن الظروف المناخية ودورة الكربون لا تحدد بالضرورة سبب الانقراض مباشرة، لكنها قد تهيئ الخلفية التي تجعل النظم البيئية أكثر أو أقل قدرة على تحمل الصدمات الكبرى.

خمسة عصور مناخية كبرى خلال 539 مليون سنة

قاد الدراسة عالم الرياضيات إيفان سوداكوف من الجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة، بينما تولى عالم الحفريات وعلوم نظام الأرض أندريه سبيريدونوف من جامعة فيلنيوس تطوير الجزء المتعلق بقياس حالة المحيط الحيوي ومدى هشاشته.

وتشكل الفريق خلال مجموعة بحثية استضافها المركز الدولي للعلوم الرياضية في إدنبرة، وجمعت علماء من تخصصات مختلفة لدراسة العلاقة بين تطور الحياة والتغيرات طويلة الأمد في المناخ ودورة الكربون.

ولفهم تاريخ الأرض، استخدم الباحثون سجلات كيميائية محفوظة في صخور الكربونات التي تكونت في قيعان البحار القديمة.

وتضم هذه السجلات نسبًا كيميائية يمكن استخدامها لتقدير درجة حرارة المحيطات وتتبع التغيرات في دورة الكربون.

وقسّم الباحثون السجل إلى 1140 نقطة زمنية متساوية تقريبًا، تفصل بينها نحو 472 ألف سنة، وتمتد من الحاضر إلى حوالي 538.5 مليون سنة مضت.

وعند مقارنة الحالات المناخية والكربونية المختلفة، ظهرت مجموعات متكررة من الظروف، وكأن نظام الأرض كان يعود مرارًا إلى حالات معينة بدلًا من التغير بصورة عشوائية ومستمرّة.

انقراضات الأرض الكبرى

وحددت الدراسة حدودًا تقريبية لهذه الحالات عند نحو:

  • 447 مليون سنة مضت
  • 358 مليون سنة مضت
  • 239 مليون سنة مضت
  • 57 مليون سنة مضت

وتتوافق هذه التحولات تقريبًا مع أربع مراحل مناخية وجيولوجية كبرى: العالم الدافئ في بدايات حقب الحياة القديمة، ثم العصر الجليدي المتأخر من حقب الحياة القديمة، ثم عالم الدفيئة خلال عصر الديناصورات، وأخيرًا العالم الأكثر برودة الذي يميز العصر الحديث.

ارتفاع ثاني أكسيد الكربون لا يعني دائمًا التأثير نفسه

من النتائج المثيرة للاهتمام أن الباحثين لم يجدوا علاقة واحدة ثابتة بين ثاني أكسيد الكربون ودرجة الحرارة يمكن تطبيقها على جميع الفترات الجيولوجية.

فعندما رسم الفريق درجة الحرارة مقابل تركيز ثاني أكسيد الكربون، تجمعت البيانات الخاصة بكل حالة مناخية في منطقة مختلفة من الرسم البياني.

ويشير ذلك إلى أن تأثير زيادة ثاني أكسيد الكربون على الاحترار قد يعتمد جزئيًا على الحالة المناخية التي يوجد فيها الكوكب أصلًا.

لكن هناك قيد مهم؛ إذ إن سجلات ثاني أكسيد الكربون المتاحة لا تمتد إلى كامل الفترة البالغة 539 مليون سنة، ولذلك أمكن اختبار هذه العلاقة بصورة مباشرة في أربع حالات مناخية فقط.

ماذا يحدث عندما يقترب نظام الأرض من نقطة تحول؟

ركز الباحثون بعد ذلك على سؤال أكثر أهمية: هل يمكن اكتشاف علامات مبكرة تشير إلى أن النظام المناخي يقترب من التحول من حالة مستقرة إلى أخرى؟

في الأنظمة المعقدة، يمكن أن تصبح العودة إلى الحالة الأصلية أبطأ عندما يقترب النظام من نقطة تحول. بمعنى آخر، الاضطرابات الصغيرة التي كانت تختفي بسرعة قد تستغرق وقتًا أطول حتى يتعافى النظام منها.

وتُعرف هذه الظاهرة في علوم المناخ والأنظمة المعقدة باسم تباطؤ التعافي، وتُستخدم بوصفها إحدى الإشارات المحتملة إلى الاقتراب من نقاط التحول.

طبّق الفريق هذا النوع من التحليل على نوافذ زمنية يبلغ عرضها نحو 20 مليون سنة.

واللافت أن الفترات التي ظهرت فيها إشارات واضحة على ضعف قدرة النظام على التعافي تركزت بالقرب من بعض أكبر أزمات التنوع الحيوي في التاريخ الجيولوجي.

وشملت هذه الفترات:

  • انقراض نهاية العصر الأوردوفيشي
  • أزمة أواخر حقب الحياة القديمة
  • انقراض نهاية العصر الترياسي
  • الاحترار الشديد عند الانتقال من الباليوسين إلى الإيوسين

ولا يعني ذلك أن الانتقال المناخي تسبب وحده في كل انقراض، لكنه يشير إلى أن الاضطراب في النظام المناخي ودورة الكربون قد يكون تزامن مع ارتفاع قابلية المحيط الحيوي للتأثر بالصدمات.

الانقراضات الكبرى ظهرت عند ذروة هشاشة الحياة

لم يكتف الباحثون بحساب عدد الأنواع التي اختفت، لأن الانقراض وحده لا يصف بصورة كاملة حالة النظام البيئي.

وبدلًا من ذلك، جمعوا بين معدل اختفاء الأجناس ومعدل ظهور أجناس جديدة، ثم قارنوا حركة التجدد هذه بحجم التنوع الحيوي الموجود في ذلك الوقت.

والجنس في التصنيف الحيوي يضم مجموعة من الأنواع المتقاربة، كما أن السجل الأحفوري يسجل الأجناس بصورة أكثر موثوقية من تسجيله لكل نوع على حدة.

واستخدم الفريق بيانات اللافقاريات البحرية الموجودة في قاعدة بيانات علم الأحياء القديمة، ولم تشمل الحسابات الكائنات التي عاشت على اليابسة.

وأظهرت النتائج أن مؤشر هشاشة المحيط الحيوي ارتفع بوضوح خلال فترات عدة، وكان من أبرزها الفترة المحيطة بحدود العصر البرمي–الترياسي، عندما وقع أكبر انقراض جماعي معروف تقريبًا، والذي يُقدّر أنه قضى على ما يصل إلى 95% من الأنواع.

كما ظهرت مستويات مرتفعة من الهشاشة خلال أجزاء من حقب الحياة القديمة.

والأهم أن الباحثين اختبروا النتيجة باستخدام طريقتين مختلفتين للتعامل مع مشكلة عدم اكتمال السجل الأحفوري، وتوصلتا إلى النتيجة العامة نفسها.

انقراضات الأرض الكبرى
انقراضات الأرض الكبرى

عالم الكامبري كان أكثر هشاشة مما يبدو

أقدم حالة من الحالات المناخية الخمس تمتد من نحو 539 إلى 447 مليون سنة مضت، وهي الفترة التي تشمل الانفجار الكامبري، عندما شهدت الحياة الحيوانية تنوعًا وتطورًا كبيرين.

لكن مؤشر هشاشة المحيط الحيوي ظل مرتفعًا خلال هذه الفترة، بمستويات قاربت تلك التي ظهرت حول كارثة نهاية العصر البرمي.

ويرى الباحثون أن السبب المحتمل يعود إلى أن الأرض في ذلك الوقت كانت دافئة جدًا وغير مستقرة نسبيًا.

كانت الأجناس تظهر وتختفي بمعدلات مرتفعة، في حين ظل التنوع العالمي أقل من المستويات التي تطورت لاحقًا، وهي تركيبة تجعل المحيط الحيوي أكثر عرضة للاضطرابات وفق المؤشر المستخدم في الدراسة.

وانتهى هذا العالم الدافئ بفترة طويلة من التبريد انتهت إلى العصر الجليدي في نهاية الأوردوفيشي، بالتزامن مع أحد الانقراضات الجماعية الكبرى.

ويشير سبيريدونوف إلى أن الإشارات التي رصدها الباحثون في معدلات التطور والانقراض ظهرت قبل هذه الأزمة، ما يفتح احتمال أن تكون بعض الانقراضات الجماعية قد سبقتها مؤشرات يمكن رصدها في السجل الجيولوجي.

لكن ذلك لا يعني أن العلماء يستطيعون حاليًا التنبؤ بانقراض جماعي مستقبلي بالطريقة نفسها.

لماذا أصبحت الحياة أكثر استقرارًا خلال ملايين السنين الأخيرة؟

بعد انقراض نهاية الأوردوفيشي، أصبح النمط أكثر تكرارًا، ويرجح الباحثون أن أحد العوامل المهمة وراء ذلك كان انتشار النباتات على اليابسة.

فاستقرار النباتات البرية غيّر حركة الكربون بين الصخور والغلاف الجوي والمحيطات والتربة، وأعاد تشكيل الطريقة التي يعمل بها نظام الأرض على المدى الطويل.

وخلال آخر 57 مليون سنة، بدا المشهد مختلفًا بصورة لافتة.

فقد ظل مؤشر هشاشة المحيط الحيوي منخفضًا طوال هذه الفترة، واستمر في الانخفاض حتى نهايتها.

ووصف سبيريدونوف العصر السينوزوي بأنه يمثل تقريبًا النقيض من عالم الكامبري من حيث هشاشة الحياة.

ويشير هذا إلى أن التنوع الحيوي تراكم تدريجيًا، بينما انخفضت معدلات الانقراض، وأصبحت الأجناس الموجودة اليوم تميل إلى أن تكون أطول عمرًا وأكثر استقرارًا على المقياس الجيولوجي.

هل يعني ذلك أن الأرض تتجه إلى انقراض جديد؟

ليس بالضرورة.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين ما تثبته الدراسة وما لا تثبته.

فالسجل الذي استخدمه الباحثون مقسم إلى خطوات زمنية تبلغ في أفضل حالاتها نحو نصف مليون سنة، وبالتالي لا يمكن استخدامه للحكم المباشر على التغيرات التي تحدث خلال عقود أو حتى قرون.

كما أن الدراسة لا تقول إن الانتقال من حالة مناخية إلى أخرى هو السبب المباشر لكل انقراض جماعي.

فعلى سبيل المثال، قد يصل كويكب أو يحدث نشاط بركاني هائل في وقت يكون فيه النظام البيئي أصلًا أكثر هشاشة، فتكون قدرة الحياة على امتصاص الصدمة أقل.

وبعبارة أخرى، يمكن أن تكون الحالة المناخية الخلفية عاملًا يحدد مدى قابلية النظام البيئي للتضرر، وليس بالضرورة الشرارة التي تطلق الانقراض.

الدراسة تكشف نمطًا.. لكنها لا تحل كل اللغز

هناك قيود مهمة على النتائج.

فالسجلات الجيولوجية القديمة ليست كاملة، كما أن بعض الطبقات اختفت بفعل التعرية أو العمليات الجيولوجية، بينما تختلف دقة تأريخ الطبقات من فترة إلى أخرى.

ولهذا اضطر الباحثون إلى تنعيم بعض البيانات واستكمال أجزاء منها قبل إجراء المقارنات.

كما أن الحدود بين الحالات المناخية الخمس لا تتطابق بصورة مثالية مع جميع أنواع الانقراضات المعروفة.

ولا يزال السؤال الأكبر بلا إجابة: ما الذي يجعل حالة مناخية معينة مستقرة لعشرات الملايين من السنين؟ وما الذي يدفع نظام الأرض في النهاية إلى الانتقال إلى حالة أخرى؟

قد تكون الإجابة مرتبطة بتفاعل عدد كبير من العمليات البطيئة، مثل التجوية، ودورة الكربون، ونشاط البراكين، وتطور الحياة، وتغير الغطاء النباتي، وحركة القارات والمحيطات.

الخطوة التالية: اختبار الصدمة نفسها في عوالم مختلفة

يريد الباحثون في المرحلة المقبلة اختبار ما إذا كان الظرف المناخي الأساسي يمكن أن يغير حجم تأثير الصدمة نفسها.

فالفكرة هي وضع اضطراب مماثل على خلفيات مناخية مختلفة، ثم دراسة مدى اختلاف الاستجابة والانقراض الناتج عنه.

وقد يساعد هذا النهج في الإجابة عن سؤال جوهري في تاريخ الحياة: هل الانقراضات الجماعية كانت نتيجة الصدمات وحدها، أم أن حالة الأرض قبل وصول الصدمة كانت العامل الذي حدد حجم الكارثة؟

الدراسة الجديدة لا تقدم إجابة نهائية، لكنها تضيف قطعة مهمة إلى لغز تطور الحياة على الأرض: أكبر أزمات التنوع الحيوي لم تحدث بالضرورة في فراغ، بل تزامنت في كثير من الحالات مع فترات كان فيها نظام المناخ ودورة الكربون يمران بتحولات، وكانت قدرة الحياة على التعافي من الاضطرابات أقل.

والأهم أن الباحثين لا يقدمون هذا النمط بوصفه نبوءة بانقراض مستقبلي، وإنما باعتباره إشارة إلى أن استقرار نظام الأرض نفسه قد يكون جزءًا أساسيًا من قدرة الحياة على الصمود أمام الصدمات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة