أخبارالطاقة

الوقود الحيوي يشتعل مع أزمة النفط.. هل ينقذ أمن الطاقة أم يهدد غذاء العالم؟

من النفط إلى المحاصيل.. لماذا قد تدفع طفرة الوقود الحيوي أسعار الغذاء والأسمدة إلى الأعلى؟

تزايد الطلب العالمي على الوقود الحيوي بصورة حادة مع ارتفاع أسعار النفط، مدفوعًا بالتوترات الجيوسياسية ورغبة الدول في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

لكن هذا التوسع يفتح في الوقت نفسه معركة أخرى على الموارد، إذ تعتمد أنواع رئيسية من الوقود الحيوي على محاصيل مثل الذرة والقمح وقصب السكر وفول الصويا، ما يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل الأمن الغذائي العالمي، خصوصًا في وقت يعاني فيه مئات الملايين من الجوع، وتتعرض الزراعة لضغوط متزايدة من تغير المناخ ونقص الأسمدة.

وتشير تقديرات مركز النقل والبيئة الأوروبي، المعروف اختصارًا بـT&E، إلى أنه إذا جرى تنفيذ جميع أهداف إنتاج الوقود الحيوي المقترحة، فقد يقفز الطلب العالمي عليه بنحو 30% خلال العام الحالي، وبنحو 70% بحلول عام 2030.

أزمة النفط تدفع الدول نحو الوقود الحيوي

أدى تصاعد أسعار النفط إلى زيادة اهتمام الدول بمصادر بديلة للطاقة، في ظل الاضطرابات التي تؤثر في أسواق الوقود العالمية.

ومع ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، اتجهت دول من بينها الولايات المتحدة والبرازيل وإندونيسيا والهند إلى رفع أهداف إنتاج واستخدام الوقود الحيوي، باعتباره وسيلة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل التعرض لصدمات أسواق النفط.

وتأتي هذه التحركات في وقت أصبحت فيه إمدادات الطاقة العالمية أكثر ارتباطًا بالتوترات الجيوسياسية وتعطل طرق التجارة والنقل، ما يدفع الحكومات إلى البحث عن مصادر محلية أو أكثر تنوعًا للوقود.

لكن الوقود الحيوي لا يأتي من فراغ؛ فجزء كبير منه يُنتج من الكتلة الحيوية، بما في ذلك المحاصيل الغنية بالسكر والنشويات مثل البنجر والذرة والقمح، أو المحاصيل الزيتية مثل فول الصويا.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: المحصول نفسه يمكن أن يكون غذاءً للإنسان أو مادة أولية لإنتاج الوقود.

لماذا يقفز الديزل أسرع من النفط
أزمة النفط تدفع الدول نحو الوقود الحيوي

الوقود الحيوي ينافس الغذاء على المحاصيل

كلما اتسعت سوق الوقود الحيوي، زادت الحاجة إلى المواد الأولية الزراعية اللازمة لإنتاجه.

وهذا يعني تحويل جزء من المحاصيل التي يمكن أن تدخل في الغذاء أو الأعلاف إلى إنتاج الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن نحو 645 مليون شخص واجهوا الجوع في عام 2025، بينما لم تكن الأنظمة الغذائية الصحية والمتنوعة والمغذية في متناول نحو 2.7 مليار شخص.

ولا يعني ذلك أن الوقود الحيوي هو السبب المباشر للجوع، لكن توسع إنتاجه يضيف عنصرًا جديدًا إلى المنافسة على الموارد الزراعية، خصوصًا عندما يتزامن مع الجفاف والفيضانات وتراجع الإنتاجية الزراعية واضطرابات التجارة العالمية.

الوقود الحيوي ينافس الغذاء على المحاصيل

معركة أخرى على الأسمدة

لا تتوقف المنافسة عند المحاصيل والأراضي، إذ يمتد تأثير توسع الوقود الحيوي إلى سوق الأسمدة، التي تعاني أصلًا من ضغوط كبيرة بسبب التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.

وتستحوذ روسيا على نحو 20% من سوق الأسمدة العالمية، كما تعد أكبر مصدر للأسمدة في العالم، بينما تمر كميات كبيرة من الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد الممرات الحيوية لتجارة الطاقة والسلع عالميًا.

وتشير تحليلات T&E إلى أن إندونيسيا توجه بالفعل ما يقرب من خُمس إمدادات الأسمدة لديها إلى إنتاج الوقود الحيوي بدلًا من إنتاج الغذاء، بينما تبلغ النسبة في الولايات المتحدة نحو عُشر الإمدادات.

ومع رفع أهداف إنتاج الوقود الحيوي، قد ترتفع هذه الحصص بصورة أكبر، ما يضيف ضغوطًا جديدة على أسعار الأسمدة.

وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد أشارت في تحليل سابق إلى أن إلغاء سياسات إلزام استخدام الوقود الحيوي يمكن أن يؤدي إلى انهيار سوق المواد الأولية للوقود الحيوي، وبالتالي انخفاض الطلب على الأسمدة وانخفاض أسعارها، في إشارة إلى الترابط الوثيق بين سوق الطاقة والزراعة ومدخلات الإنتاج.

ليست كل المواد الأولية متساوية

وتكشف دراسات مختلفة أن نوع المادة الأولية المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي يمكن أن يغير بصورة كبيرة حجم الضغط على الأرض والمياه والأسمدة.

وفي دراسة تناولت سيناريوهات تحقيق هدف الهند لخلط الإيثانول بالوقود، وجد الباحثون اختلافات كبيرة في احتياجات الأراضي والمياه والأسمدة عندما يُنتج الإيثانول من دبس السكر بدلًا من عصير قصب السكر.

وهذا يعني أن السؤال لا يتعلق فقط بزيادة أو خفض إنتاج الوقود الحيوي، وإنما أيضًا بنوع المحاصيل والمواد الأولية المستخدمة وكيفية إدارتها.

وحذر الباحثون من ضرورة إدارة مزيج المواد الأولية بعناية لتجنب المفاضلات بين أهداف خفض الانبعاثات والأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية.

 

الأرض.. ساحة الصراع الأكبر

إنتاج المزيد من المحاصيل اللازمة للوقود الحيوي يعني أيضًا الحاجة إلى مزيد من الأراضي الزراعية.

وتصبح المنافسة على الأرض أكثر تعقيدًا مع تزايد موجات الجفاف والفيضانات وغيرها من الأزمات المناخية التي تضرب الإنتاج الزراعي بالفعل.

وقد يبدو تحويل أراضٍ جديدة إلى الزراعة حلًا مباشرًا لزيادة إنتاج المحاصيل، لكن التوسع على حساب الغابات أو الأراضي الرطبة يمكن أن يؤدي إلى خسائر بيئية كبيرة، إذ إن إزالة النباتات والأشجار التي تخزن الكربون قد ترفع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتقلل من الفوائد المناخية التي يفترض أن يحققها الوقود الحيوي.

وبذلك قد تتحول بعض أشكال التوسع في الوقود الحيوي إلى مفارقة بيئية: تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري من جهة، مع خسارة مخازن طبيعية للكربون من جهة أخرى.

ورغم ذلك.. للوقود الحيوي فوائد حقيقية

رغم هذه التحديات، لا يعني ذلك أن الوقود الحيوي يمثل خيارًا سلبيًا في جميع الحالات.

فالوقود الحيوي السائل يستخدم بصورة رئيسية في قطاع النقل، بينما تعتمد قطاعات الكهرباء والتدفئة بدرجة أكبر على الكتلة الحيوية الصلبة والغاز الحيوي.

وبفضل انخفاض كثافة انبعاثاته مقارنة بالوقود الأحفوري في بعض التطبيقات، يمكن للوقود الحيوي أن يلعب دورًا في خفض الانبعاثات في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها، مثل الطيران والنقل البحري.

كما أتاح إنتاج الوقود الحيوي لبعض الدول خفض اعتمادها على واردات الوقود الأحفوري بنسبة تراوحت بين 5% و15%، وفق تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان «تمويل المستقبل: كيف يمكن للأعمال والتمويل والسياسات تسريع سوق الوقود النظيف».

ويمتلك الوقود الحيوي ميزة أخرى تتمثل في إمكانية استخدامه مع محركات الاحتراق الداخلي التقليدية، ما يوفر وسيلة فورية نسبيًا لخفض الانبعاثات من أساطيل قائمة، بالتوازي مع استمرار التوسع في السيارات الكهربائية.

البرازيل نموذج على دور السياسات

تعتمد زيادة استخدام الوقود الحيوي في معظم الأسواق الحالية بدرجة كبيرة على السياسات الحكومية.

وتبرز البرازيل مثالًا واضحًا على ذلك، إذ يوفر الوقود الحيوي نحو 30% من استخدام الطاقة لديها، مدعومًا بسلسلة من السياسات التي بدأت في أعقاب صدمات أسعار النفط خلال سبعينيات القرن الماضي.

لكن التوسع المستدام في هذا القطاع يتطلب، بحسب التقرير، تنويع المواد الأولية المستخدمة، وتوسيع نطاق التقنيات الناضجة، بما يساعد على خفض تكاليف الإنتاج وتقليل الضغط على محصول أو مورد واحد.

3.6 مليون وظيفة مرتبطة بالمواد الأولية

هناك أيضًا جانب اقتصادي واجتماعي لا يمكن تجاهله.

فإنتاج المواد الأولية للوقود الحيوي يوفر فرص عمل واسعة في المناطق الريفية. وقدرت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا» في عام 2020 أن نحو 3.6 مليون وظيفة كانت مرتبطة بالمواد الأولية المستخدمة في إنتاج الطاقة الحيوية.

لذلك فإن التحول في هذا القطاع لا يتعلق فقط بالطاقة والغذاء والمناخ، بل يرتبط كذلك بسبل معيشة ملايين العاملين في المناطق الزراعية.

هل يصبح الوقود الحيوي تهديدًا للأمن الغذائي؟

الإجابة تعتمد بدرجة كبيرة على كيفية التوسع وليس على الوقود الحيوي في حد ذاته.

فالدول التي تنتج كميات كبيرة من الوقود الحيوي ليست بالضرورة الدول الأكثر تعرضًا لنقص الغذاء، بينما تواجه بعض أفقر دول العالم، التي تمتلك قدرة محدودة على امتصاص الصدمات، مخاطر أكبر من اضطرابات أسعار الغذاء والطاقة والأسمدة والتجارة العالمية.

وهنا تظهر الحاجة إلى سياسات تفصل بين الاستخدامات الغذائية والاستخدامات الخاصة بالطاقة للمحاصيل الأساسية، وتضمن عدم تحول دعم الوقود الحيوي إلى ضغط إضافي على الأمن الغذائي.

وتوصي التوجهات المطروحة بأن تضع سياسات التوسع في الوقود الحيوي الأمن الغذائي في مقدمة الاعتبارات، من خلال حماية المحاصيل الأساسية ومدخلات الإنتاج الزراعي الحيوية، مع تطوير مواد أولية بديلة وتقنيات أكثر كفاءة.

المعادلة الصعبة: غذاء أم وقود أم طاقة أنظف؟

لا يزال الوقود الحيوي يوفر حاليًا نحو 4% فقط من الطلب العالمي على النقل والطاقة، لكن حجمه قد يرتفع بصورة كبيرة إذا تحققت أهداف الإنتاج الجديدة.

وهذا هو مصدر القلق الرئيسي: فحتى حصة صغيرة نسبيًا من مزيج الطاقة العالمي يمكن أن تصبح ذات تأثير كبير على أسواق الغذاء والأراضي والأسمدة عندما تنمو بسرعة.

ويبدو أن التحدي الحقيقي أمام التحول إلى الوقود النظيف لن يكون فقط في إنتاج مزيد من الطاقة منخفضة الانبعاثات، وإنما في إنتاجها دون إضعاف قدرة العالم على إطعام سكانه أو استنزاف موارده الطبيعية.

فأمن الطاقة والأمن الغذائي ليسا هدفين متعارضين بالضرورة، لكن تحقيقهما معًا يتطلب اختيار المواد الأولية المناسبة، واستخدام الأراضي بكفاءة، وحماية المحاصيل الأساسية، وتنويع مصادر الطاقة والمواد الزراعية، إلى جانب سياسات تمنع انتقال تكلفة التحول الأخضر من قطاع الطاقة إلى مائدة الطعام.

وفي عالم يتعرض في الوقت نفسه لصدمات النفط والحروب وتغير المناخ واضطرابات التجارة ونقص الأسمدة، تصبح معركة الوقود الحيوي أكبر من مجرد البحث عن بديل للبنزين والديزل؛ إنها اختبار لقدرة النظام العالمي على موازنة الطاقة والغذاء والمناخ والموارد في آن واحد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة