د.رفعت جبر: لعبة الهيمنة الكبرى.. واشنطن تعيد ضبط المنطقة عبر بوابة طهران
عضو المجلس الأعلى للثقافة _ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
لم تكن مسرحية “التغيير والوعود البراقة” التي تسلق عليها حزب العمال ورئيس الوزراء البريطاني سوى فصلٍ جديد من دراما قديمة يُعاد إنتاجها في دهاليز “داونينغ ستريت”.
ففي أقل من 48 ساعة من تسلم مقاليد السلطة، تبخرت الشعارات السيادية والوعود الانتخابية تحت وطأة الهاتف القادم من البنتاغون، ليوقع ببرودة تامة قرار فتح القواعد العسكرية البريطانية أمام آلة الحرب الأمريكية لضرب إيران.
هذا الانكشاف المبكر يرفع الستار عن حقيقة غير قابلة للتجميل, ألا وهي إن التغيير السياسي في لندن ليس إلا عرضًا مسرحيًا لامتصاص غضب الشارع المتضرر من التضخم والغلاء، بينما يظل القرار الاستراتيجي والأمني رهينة كاملة للمشروع الأنجلو-أمريكي والكيان الصهيوني.
إن فتح القواعد (لا سيما القواعد السيادية في قبرص مثل “أكروتيري”) يتجاوز مجرد الدعم اللوجستي؛ إنه يجعل بريطانيا شريكًا أصيلاً ومباشرًا في القصف، ويضع المنطقة بأكملها فوق بركان من المواجهة الجيوسياسية الحتمية.
إلى أين تتجه الحرب الأمريكية على إيران؟
تتجه المواجهة مع إيران نحو مسار “الإنهاك المباشر وإعادة الهندسة الإقليمية”، وهي استراتيجية تعتمد على تقليم أظافر طهران الإقليمية أولاً، ثم توجيه ضربات مركزة للبنية التحتية والعسكرية داخل العمق الإيراني.
تدرك واشنطن وتل أبيب أن إيران دولة تعاني من أزمات طاحنة (اقتصاد متهالك، عقوبات خناق، وضغوط داخلية)، لكنهما تدركان أيضًا أن استهداف إيران لا يتعلق فقط بالنظام السياسي، بل بفكفكة دورها كجهة قادرة على تهديد الممرات المائية وأمن الطاقة ونفوذ الهيمنة الغربية.
لماذا يتوحد الجميع ضد دولة تعاني من كل شيء؟
لم يكن التكتل الغربي ضد إيران رغم أزماتها الداخلية مجرد تناقض ظاهري، بل يرجع إلى حزمة من الأسباب الاستراتيجية الحاسمة. فالمحرك الأساسي يكمن في السعي للكسر النهائي لمحور المقاومة عبر تصفية أذرع إيران ولجم نفوذها الممتد من باب المندب إلى شرق المتوسط.
يضاف إلى ذلك الرغبة الأنجلو-أمريكية في إعادة ضبط سوق الطاقة العالمي من خلال السيطرة المباشرة على تحركات النفط والملاحة البحرية لضمان عدم حدوث هزات اقتصادية خارج إملائيات العواصم الغربية، فضلاً عن استباق التحالفات الشرقية وقطع الطريق أمام تشكّل حلف استراتيجي متين يجمع طهران ببكين وموسكو في قلب الشرق الأوسط.
الأهداف الحقيقية.. بين توسيع النفوذ وهدم القوى الإقليمية (مصر في المرمى)
إن الحرب المعاصرة لا تُدار فقط بالجيوش الجرارة، بل بإدارة “الفوضى الخلاقة” والهندسة الجغرافية الاقتصادية، حيث تتدرج الأهداف من تفتيت إيران وإضعافها، مرورًا بإعادة إحياء مخططات التهجير والتفتيت، وصولاً إلى تطويق القوى المركزية وفي مقدمتها مصر واستهداف أمنها القومي.
تتعدى هذه التحركات فكرة استخراج النفط بذاته كما كان السائد في حروب القرن الماضي، لتركز بالأساس على السيطرة على صمامات تدفق الثروة والغرف اللوجستية للشرق الأوسط؛ بدءاً من مضيقي هرمز وباب المندب، وصولاً إلى قناة السويس. وعلى الرغم من أن واشنطن وتل أبيب لا تهدفان بالضرورة إلى شن حرب عسكرية مباشرة على مصر، إلا أنهما تعملان بضراوة على خلق بيئة إقليمية خناقة ومحاصرة حول القاهرة.
يتجلى هذا الاستهداف في فرض ضغوط اقتصادية وملاحية هائلة جراء اضطراب البحر الأحمر وتأثر حركة الملاحة التي تضرب موارد قناة السويس الحيوية في مقتل، إلى جانب إغراق مصر في أزمات حدودية متفجرة على كافة الاتجاهات؛ سواء باشتعال الموقف في غزة شرقًا، أو استمرار التوتر المدمّر في السودان جنوبًا والداخل الليبي غربًا، وهو ما يهدف بالأساس إلى استنزاف وتفريغ قدرات الدولة المصرية في إدارة حزام أمني ملتهب يحيط بحدودها.
وتتوج هذه الضغوط بمخططات التهجير والتغيير الديموغرافي التي تسعى لإعادة توطين السكان على حساب أمن مصر القومي ووجودها المباشر.
تقاطعات الاستراتيجية وخارطة التأثير الإقليمي
تتشابك أدوار الفاعلين الرئيسيّين في هذه المواجهة لتترجم الأبعاد الحقيقية للأزمة:
- الولايات المتحدة: تقود المشهد بموقف استراتيجي يرتكز على إدارة التصعيد والقيادة المباشرة بهدف إحكام الهيمنة وإعادة ترسيم خريطة النفوذ، مما يؤدي بالضرورة إلى استنزاف القوى الإقليمية وضمان تبعيتها المطلقة.
- المملكة المتحدة: تجسد التبعية المطلقة للبنتاغون عبر تقديم الدعم اللوجستي وتسهيل استخدام قواعدها في قبرص، وهو ما يُعرّض الأراضي والمصالح البريطانية للرد المباشر بمسيرات وصواريخ طهران.
- إيران: تجد نفسها في موقع الدفاع عن البقاء والرد المباشر، محاولة رفع كلفة الحرب على الغرب وإرباك حركة الملاحة البحرية، رغم ما يعنيه ذلك من زيادة الانكماش الداخلي والمخاطرة بضربات هيكلية موجعة.
- مصر والدول العربية: تقف في موقع المحاول لامتصاص الصدمات وحماية أمنها القومي، من خلال تركيز جهودها المباشرة على منع التهجير، والحفاظ على أمن الملاحة، وحماية الحدود السيادية، تحت وطأة ضغوط اقتصادية وسياسية هائلة وإشغال دائم يُعطل مسارات التنمية.
جدار الصد.. كيف تواجه القاهرة والعرب “مخطط الإنهاك”؟
الخروج من هذه المحرقة يتطلب الانتقال من السياسات الدفاعية إلى استراتيجيات الردع المبكر؛ ويتحقق ذلك بتأسيس مظلة أمنية وبحرية عربية مشتركة لحماية الملاحة في البحر الأحمر بعيدًا عن الهيمنة الغربية، واستخدام أوراق الضغط الجيوسياسي وموقعية قناة السويس لتنويع الشراكات الأمنية والعسكرية فورًا مع التكتلات الشرقية (مثل الصين وروسيا والبريكس)، مع التمسك بالخطوط الحمراء لرفض التهجير واعتباره “إعلان حرب” يهدد معادلة السلام الإقليمي برمتها.
الاستعمار الجديد والأرض المحروقة
إن تسليم “داونينغ ستريت” المفاتيح للبنتاغون في غضون 48 ساعة يثبت أن الديمقراطيات الغربية باتت واجهات مدنية لمؤسسات عسكرية وأمنية لا تتغير بتغير صناديق الاقتراع.
إن المخطط الذي يُحاك للمنطقة لا يستهدف طهران كوجهة أخيرة، بل يجعل منها مجرد حجر الدومينو الأكبر في سلسلة تهدف إلى تفكيك المنطقة برمتها.
إن تفجير الشرق الأوسط وتحويل القواعد البريطانية في قبرص وغيرها إلى منصات انطلاق للعدوان، يُنذر بمرحلة من “الأرض المحروقة” التي سيمتد لهيبها ليشمل الجميع؛ حيث لن تكون أي دولة عربية في مأمن من ارتدادات هذه المحرقة، لا سيما القوى المركزية وفي مقدمتها مصر، التي أضحت تحيط بها الأزمات المفتعلة من كل صوب لإنهاكها وإجبارها على القبول بواقع إقليمي جديد تُصنع خريطته بالدماء والصواريخ!





