كشف فريق دولي من الباحثين عن أول قاعدة بيانات رقمية متكاملة ترسم الحدود الدقيقة لجميع مواقع التراث العالمي الساحلية التابعة لليونسكو، في خطوة تمثل نقلة مهمة لفهم تأثيرات ارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات الساحلية الناتجة عن تغير المناخ.
ونُشرت الدراسة في دورية Scientific Data، بعد مشروع استغرق أكثر من عامين، نجح خلاله الباحثون في رقمنة حدود 1,250 موقعًا تراثيًا ساحليًا، لتصبح متاحة لأول مرة بصيغة رقمية يمكن استخدامها في نماذج تقييم المخاطر المناخية.
عقبة أمام دراسة مخاطر المناخ
رغم أن منظمة اليونسكو تنشر خرائط لمواقع التراث العالمي، فإن معظمها صُمم لأغراض التوثيق وليس للتحليل الرقمي، إذ تختلف جودة الخرائط بشكل كبير، بينما تفتقر العديد منها إلى الإحداثيات الجغرافية الدقيقة، ما جعل استخدامها في الدراسات المتعلقة بارتفاع مستوى سطح البحر أمرًا بالغ الصعوبة.
وأوضح الباحثون أن غياب الحدود الرقمية الدقيقة كان يمثل عائقًا رئيسيًا أمام العلماء الراغبين في تقدير حجم المخاطر التي تواجهها المواقع التراثية الساحلية بفعل تغير المناخ.

رقمنة 1250 موقعًا تراثيًا
بين يناير 2022 وأبريل 2024، عمل 14 باحثًا ومتخصصًا في نظم المعلومات الجغرافية على رسم الحدود يدويًا باستخدام صور الأقمار الصناعية عبر برنامج Google Earth Pro.
واعتمد الفريق على خرائط اليونسكو الأصلية، وربطها بالصور الفضائية والمعالم الجغرافية الظاهرة لتحديد الحدود بدقة، خاصة في المواقع التي لم تكن تحتوي على شبكة إحداثيات.
وشملت عملية الرقمنة حدود المواقع التراثية فقط، دون المناطق العازلة المحيطة بها، نظرًا لعدم وجود معيار موحد من اليونسكو لتحديد هذه المناطق.
ثلث مواقع التراث العالمي يقع في مناطق ساحلية
بحلول نهاية عام 2023، ضمت قائمة التراث العالمي 1,199 موقعًا، بينها 386 موقعًا يقع جزء منها على ارتفاع لا يتجاوز 20 مترًا فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يجعلها ضمن المناطق المعرضة لتأثيرات ارتفاع مستوى البحر والتعرية الساحلية.
ولأن بعض المواقع تتكون من جزر أو أجزاء متفرقة، بلغ إجمالي الحدود الرقمية التي رسمها الباحثون 1,250 مضلعًا جغرافيًا تغطي مساحة تقدر بنحو 2.35 مليون كيلومتر مربع، أي مساحة تفوق مساحة ولايتي ألاسكا وكاليفورنيا الأمريكيتين مجتمعتين.
وتضم هذه المواقع معالم بارزة مثل دار أوبرا سيدني، وأجزاء ساحلية من سور الصين العظيم، وتماثيل المواي في جزيرة إيستر، إضافة إلى أجزاء واسعة من مدينة سانت بطرسبرغ التاريخية.

التغير المناخي يهدد التراث العالمي
قال الباحثون إن أكثر من ربع مواقع التراث العالمي يقع على السواحل، وهو ما يعادل نحو 235 مليون هكتار من المناطق ذات القيمة الثقافية والطبيعية.
وأشاروا إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر والتعرية الساحلية يمثلان من أخطر التهديدات المستقبلية لهذه المواقع، في ظل تسارع آثار تغير المناخ عالميًا.
مراجعة دقيقة للبيانات
خضع نحو 5% من المواقع لعملية مراجعة مستقلة للتحقق من دقة الرقمنة.
وحققت حدود دار أوبرا سيدني أعلى درجات الدقة، في حين واجه الباحثون صعوبات أكبر في رسم حدود المواقع الطبيعية، مثل الشعاب المرجانية والمتنزهات، بسبب عدم وضوح حدودها في صور الأقمار الصناعية.
وبعد المراجعة، تبين أن خمسة مواقع فقط كانت بحاجة إلى تحسينات إضافية، وهو ما يعكس مستوى مرتفعًا من دقة قاعدة البيانات الجديدة.

قاعدة بيانات لا تحدد المواقع الأكثر خطرًا
أكد الباحثون أن الدراسة لا تصنف المواقع الأكثر تعرضًا للغرق أو الفيضانات، وإنما توفر البنية الرقمية اللازمة لإجراء هذه التحليلات مستقبلًا.
وأوضح الفريق أن قاعدة البيانات أصبحت متاحة للباحثين ومديري مواقع التراث حول العالم، ما يسمح بإجراء مقارنات دقيقة بين المواقع المختلفة، وتقييم مخاطر الفيضانات والتعرية الساحلية باستخدام نماذج حديثة.
كما يعتزم الفريق تحديث قاعدة البيانات لتشمل قائمة التراث العالمي حتى عام 2026، مع الاستمرار في استخدامها ضمن دراسات جديدة لتقييم مخاطر الفيضانات، بالإضافة إلى دراسة تأثير موجات الحر على الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف داخل مواقع التراث العالمي.
وأكد الباحثون أن هذه القاعدة تمثل خطوة أساسية لفهم التأثيرات المستقبلية لتغير المناخ على التراث الثقافي والطبيعي العالمي، وتوفير أدوات علمية تدعم جهود الحماية والتكيف.





