يدخل العالم مرحلة جديدة من الضغوط على أسواق الطاقة، مع تزامن الارتفاع القياسي في الطلب على الكهرباء مع استمرار التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تصدير النفط والغاز في العالم، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن أمن الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج.
ويأتي ذلك في وقت تتوقع فيه وكالة الطاقة الدولية نمو الطلب العالمي على الكهرباء بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعًا بالتوسع السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانتشار السيارات الكهربائية، والتوسع الصناعي، وزيادة الاعتماد على مراكز البيانات الضخمة.

طلب عالمي قياسي على الكهرباء
توقعت وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3.6% خلال عام 2026، على أن يرتفع بنسبة 3.8% في عام 2027، مدفوعًا بالنمو الاقتصادي والتوسع في استخدام التقنيات الرقمية والاعتماد المتزايد على الكهرباء في مختلف القطاعات.
وتشير التقديرات إلى أن الطلب على الكهرباء في الصين سيرتفع بنحو 5.5% خلال العام الجاري، مقابل نحو 2% في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وتؤكد خبيرة تحولات الطاقة وعضو شبكة عدالة الموارد هلا مراد أن الاقتصادات الناشئة والبنية التحتية الرقمية أصبحت المحرك الرئيسي لنمو استهلاك الكهرباء، مشيرة إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة مقارنة بالتطبيقات التقليدية، وهو ما يضاعف الضغط على شبكات الكهرباء عالميًا.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق الأخطر
في المقابل، يواجه هذا الطلب المتزايد تحديًا كبيرًا مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وأدى التصعيد العسكري الأخير في المنطقة إلى اضطراب حركة الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، بينما تجاوزت أسعار خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل لفترة وجيزة، وسط مخاوف من نقص الإمدادات وعودة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
كما دفعت الأزمة العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما تسبب في ارتفاع تكاليف النقل البحري بشكل كبير، وقفز أقساط التأمين على السفن العابرة لمياه الخليج.

الوقود الأحفوري يزيد هشاشة قطاع الكهرباء
ورغم التوسع في الطاقة المتجددة، لا يزال قطاع الكهرباء يعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، وهو ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بالأزمات الجيوسياسية.
وتحذر هلا مراد من أن الاعتماد على النفط والغاز في توليد الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، يضاعف الضغوط على شبكات الطاقة، إذ يزداد استهلاك الكهرباء بنسبة تتراوح بين 2 و5% مع كل ارتفاع في درجات الحرارة.
وترى أن استمرار أزمة هرمز قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى، ويزيد تكلفة تشغيل محطات الكهرباء والصناعة والنقل، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.

سباق عالمي لبناء الاحتياطيات
ومع استمرار المخاطر، بدأت العديد من الدول في تعزيز احتياطاتها الاستراتيجية من النفط والوقود.
فقد أعلنت الهند توسيع منشآت التخزين الاستراتيجي، بينما رفعت جنوب أفريقيا خططها لتأمين احتياجاتها لفترات أطول، كما تعمل باكستان والفلبين وبنغلاديش والمغرب وأستراليا على زيادة مخزوناتها من الوقود تحسبًا لأي اضطرابات مستقبلية.
أما الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، فواصلت تعزيز احتياطاتها الاستراتيجية وتوسيع قدراتها في قطاع النقل البحري وبناء ناقلات النفط، لتقليل اعتمادها على الإمدادات العابرة للمضيق.
الاحتياطيات ليست الحل الكامل
ورغم اعتماد العديد من الدول على السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، يؤكد خبراء الطاقة أن هذه الإجراءات تمثل حلولًا مؤقتة فقط، ولا يمكنها تعويض توقف الإمدادات لفترات طويلة.
وكانت دول وكالة الطاقة الدولية قد أفرجت عن مئات الملايين من البراميل من احتياطاتها الاستراتيجية، بالتزامن مع زيادة صادرات النفط والغاز من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وكازاخستان، إلا أن هذه الإجراءات لم تُنهِ حالة القلق في الأسواق.
وحذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن استمرار التوترات الجيوسياسية يؤدي إلى تقليص هامش الأمان في أسواق الطاقة العالمية، ويزيد حالة عدم اليقين بشأن استقرار الإمدادات.
إعادة رسم خريطة أمن الطاقة
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العالم يتجه نحو إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، فلم يعد تأمين الإمدادات يعتمد فقط على زيادة الإنتاج أو بناء الاحتياطيات، بل أصبح يرتبط أيضًا بتنويع مصادر الطاقة، وتطوير شبكات الكهرباء، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وإنشاء خطوط نقل بديلة تقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
ويرى خبراء أن استمرار نمو الطلب على الكهرباء، بالتوازي مع التوترات في مضيق هرمز، سيجعل أمن الطاقة أحد أكبر التحديات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة، مع تأثيرات مباشرة على التضخم، والتجارة العالمية، وأسعار الوقود والكهرباء.





