أخبارالطاقة

أفريقيا الرابح الجديد من أزمة هرمز؟ النفط فوق 100 دولار ومشاريع الغاز تتسارع

أزمة هرمز تعيد رسم خريطة الطاقة.. أفريقيا تتحول إلى البديل لإنقاذ أسواق النفط والغاز

دفعت الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة في الممرات المائية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيقا هرمز وباب المندب، أسواق الطاقة العالمية إلى حالة من الاضطراب الحاد، بعدما أدى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى هبوط أعداد السفن العابرة إلى مستويات شديدة الانخفاض، بلغت 6 إلى 7 سفن يوميًا وفق بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في رصد حركة السفن وتتبعها.

وفي ظل المخاوف من استمرار تعطل نحو 10 ملايين برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل قرابة 10% من الاستهلاك العالمي البالغ نحو 102 مليون برميل يوميًا، تحولت أنظار الدول الصناعية وكبار مستوردي الطاقة في آسيا وأوروبا إلى أفريقيا، باعتبارها أحد البدائل المتاحة لتعويض جانب من نقص الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.

وتزامن اضطراب حركة الملاحة مع قفزات قوية في أسعار النفط، إذ تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، بينما تخطى خام غرب تكساس الوسيط 104 دولارات في ذروة التعاملات، مع تسجيل الخامين مكاسب أسبوعية كبيرة، في انعكاس مباشر لتصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية.

ويرى حسن حافظ، المتحدث السابق باسم منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» والمتخصص في شؤون الطاقة، أن أسواق الطاقة تواجه مزيجًا من العوامل الصعودية، نتيجة تراجع الحركة في المضايق الرئيسية بالتزامن مع عودة المنافسة الشرسة على البراميل المتاحة، ولا سيما من جانب الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم.

ورغم خفض توقعات نمو الطلب العالمي على النفط لعام 2026، فإن تراجع المخزونات الاستراتيجية لدى الدول الكبرى قد يعيد تعزيز الطلب على الخام، مع اتجاه هذه الدول إلى إعادة بناء احتياطياتها الاستراتيجية التي تعرضت للسحب خلال فترة اضطراب الإمدادات.

حرب إيران تشعل أسعار النفط.. ومضيق هرمز على شفا أزمة غير مسبوقة

أفريقيا تدخل قلب معركة أمن الطاقة

أعادت أزمة الممرات البحرية الاستراتيجية وضع منتجي النفط والغاز الأفارقة في دائرة الاهتمام العالمي، بعدما أصبح الخام الأفريقي خيارًا مهمًا أمام المصافي الآسيوية والأوروبية التي تبحث عن إمدادات بديلة.

وتنتج القارة الأفريقية أكثر من 7 ملايين برميل من النفط يوميًا، وتصل تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى نحو 7.5 ملايين برميل يوميًا، ما يمنح منتجي القارة فرصة لتعزيز حضورهم في الأسواق العالمية، رغم التحديات المرتبطة ببعد المسافات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وتتصدر نيجيريا قائمة الدول المستفيدة من زيادة الطلب، بإنتاج يقدر بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا، إذ شهدت خاماتها اهتمامًا متزايدًا من المشترين الآسيويين الراغبين في تعويض جزء من الفجوة التي خلفها اضطراب الإمدادات الخليجية.

كما عادت أنغولا، التي يبلغ إنتاجها نحو مليون برميل يوميًا، إلى لعب دور أكثر أهمية في تلبية احتياجات كبار المستوردين، وفي مقدمتهم الصين وإندونيسيا.

وفي شمال أفريقيا، عززت ليبيا والجزائر، حضورهما في الأسواق الأوروبية، مع إنتاج يقدر بنحو 1.4 مليون برميل يوميًا لليبيا ونحو 1.1 مليون برميل يوميًا للجزائر، فيما بدأت الجزائر تحظى أيضًا باهتمام أكبر من مشترين آسيويين، بينهم الهند، الباحثة عن شحنات بديلة.

ولم يقتصر الاهتمام على كبار المنتجين، بل امتد إلى دول أفريقية ذات إنتاج أصغر، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون وغينيا الاستوائية وغانا وتشاد وجنوب السودان، مع سعي المشترين إلى تنويع مصادر الإمدادات في سوق تعاني شحًا متزايدًا في المعروض.

وفي مؤشر على التحول في حركة التجارة النفطية، كشفت بيانات التداول عن شراء شركات تكرير هندية نحو 6 ملايين برميل من خام غرب أفريقيا، في محاولة للتعامل مع اضطرابات الملاحة ونقص بعض الإمدادات التقليدية.

وقال فيرنر أيوكيجبا، نائب الرئيس الأول للغرفة الأفريقية للطاقة، إن الأزمة الجارية أعادت أفريقيا إلى صدارة خريطة أمن الطاقة العالمي.

وأشار إلى توقيع 12 عقدًا طاقيًا مؤخرًا في رواندا لتأمين إمدادات لدول آسيوية، من بينها إندونيسيا، بالتزامن مع تكثيف شركات طاقة عالمية كبرى، من بينها «قطر للطاقة» و«إيني» و«بي بي»، أنشطتها واستثماراتها في القارة الأفريقية.

الغاز الأفريقي يدخل المنافسة

ولا تقتصر إعادة رسم خريطة الطاقة على النفط الخام، إذ يشهد قطاع الغاز الأفريقي أيضًا زخمًا متزايدًا مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية.

فقد دخلت موريتانيا والسنغال نادي مصدري الغاز الطبيعي المسال من خلال مشروع «السلحفاة الكبرى أحميم»، الذي سجل 19 شحنة خلال النصف الأول من عام 2026.

وبالتوازي، تتقدم مشاريع غاز ضخمة في القارة، من بينها مشاريع في تنزانيا بتكلفة تصل إلى 42 مليار دولار، وأخرى في موزمبيق بنحو 20 مليار دولار، إلى جانب تحركات استثمارية متسارعة في ناميبيا وكوت ديفوار وأوغندا.

وتمنح هذه المشاريع أفريقيا فرصة للتحول من مجرد مورد إضافي للنفط الخام إلى لاعب أكثر أهمية في سوق الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا مع تنامي حاجة أوروبا وآسيا إلى تنويع مصادر إمدادات الطاقة وتقليل الاعتماد على المناطق الأكثر تعرضًا للصدمات الجيوسياسية.

الغاز الطبيعي المسال بؤرة الصراع على الطاقة
الغاز الطبيعي المسال

مكاسب للمصدرين وضغوط على المستوردين

وتحمل الأزمة وجهين متناقضين بالنسبة إلى الاقتصادات الأفريقية، فالدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز مرشحة لتحقيق إيرادات إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على خاماتها وشحناتها، كما يمكن أن تستفيد من تسارع الاستثمارات الأجنبية في مشاريع الاستكشاف والإنتاج والبنية التحتية.

لكن الصورة تختلف بالنسبة إلى الدول الأفريقية المستوردة للطاقة، وحذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يفرض ضغوطًا كبيرة على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، من خلال زيادة فاتورة الاستيراد، وتوسيع الضغوط على الميزان التجاري، ورفع معدلات التضخم.

وبذلك، فإن أزمة الطاقة العالمية لا تعني بالضرورة مكاسب جماعية للقارة، بل قد تؤدي إلى تعميق الفوارق بين الدول المصدرة للطاقة والدول التي تعتمد على استيراد احتياجاتها.

هرمز.. نقطة الاختناق الأخطر

تكمن خطورة الأزمة في أن الاضطرابات لا تضرب سوق النفط من جانب واحد، بل تستهدف في الوقت نفسه عددًا من أهم الممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارة الطاقة العالمية.

وأظهرت بيانات «كبلر» أن عدد السفن التي عبرت مضيق هرمز انخفض إلى 7 سفن يوم الخميس، مقابل 11 سفينة في اليوم السابق، وبالمقارنة مع متوسط بلغ 15 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة.

وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، كان المضيق يشهد مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا، تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره قرابة 20% من الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

ومع استمرار انخفاض حركة السفن، يتزايد خطر حدوث نقص فعلي في الإمدادات، خصوصًا إذا استمر الاضطراب لفترة طويلة ولم تتمكن الأسواق من تعويض الكميات المفقودة من مصادر أخرى.

باب المندب يضيف طبقة جديدة من المخاطر

وفي الوقت نفسه، يكتسب باب المندب أهمية متزايدة بالنسبة إلى أسواق الطاقة، إذ تمر عبره كميات تعادل نحو 7% من إنتاج النفط العالمي وفق بيانات «كبلر».

وأي اضطراب واسع في هذا الممر قد يجبر مزيدًا من ناقلات النفط والغاز على تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني زيادة المسافات والمدة الزمنية للرحلات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

ومع تعرض البحر الأحمر لمخاطر أمنية متزايدة، فإن الأزمة لم تعد مرتبطة بمضيق هرمز وحده، بل باتت تمتد إلى شبكة أوسع من الممرات البحرية التي تربط منتجي الطاقة بالأسواق الآسيوية والأوروبية.

ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة علاوة المخاطر على أسعار النفط، حتى في الحالات التي لا يحدث فيها فقدان كامل للإمدادات، إذ يكفي ارتفاع مخاطر النقل والتأمين وتأخر وصول الشحنات لدفع المتعاملين إلى تسعير احتمال حدوث نقص مستقبلي.

ناقلة نفط تعبر مضيق باب المندب وسط أجواء بحرية متوترة في البحر الأحمر
ناقلة نفط تعبر مضيق باب المندب وسط أجواء بحرية متوترة في البحر الأحمر

وكالة الطاقة الدولية تحذر من أزمة أطول

وفي أحدث تطورات سوق الطاقة، قالت وكالة الطاقة الدولية إن المعروض العالمي من النفط والطلب عليه سيتراجعان بأكثر مما كان متوقعًا سابقًا خلال العام الجاري، في ظل استمرار اضطرابات الشرق الأوسط وتأخر عودة تدفقات الطاقة من المنطقة إلى مستوياتها الطبيعية.

وأشارت الوكالة إلى أن عدم إحراز تقدم في التوصل إلى حل للحرب مع إيران يؤخر عودة التدفقات إلى طبيعتها حتى عام 2027، وهو ما يرفع الضغوط على أسعار الوقود.

وأكدت الوكالة في تقريرها الشهري أن المخزونات لعبت حتى الآن دورًا حاسمًا في تحقيق التوازن داخل السوق، لكنها حذرت من أن تقلص المخزونات الاحتياطية، بالتزامن مع وصول نظام التكرير العالمي إلى مستويات مرتفعة من التشغيل، يزيد الحاجة إلى التوصل إلى حلول للصراعات التي تهدد تدفقات الطاقة.

وقالت الوكالة إن الحاجة إلى إحراز تقدم في حل الصراع في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية أصبحت أكثر إلحاحًا لتجنب تفاقم شح الإمدادات في السوق العالمية.

النفط فوق 100 دولار

وعلى صعيد الأسعار، اتجهت أسعار النفط إلى إنهاء الأسبوع فوق مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ منتصف مايو، مع تصاعد المخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات نتيجة الهجمات المتزايدة على طرق الشحن الرئيسية في الشرق الأوسط.

وتراجع خام برنت في تعاملات الجمعة بنحو 2.01 دولار إلى 105.62 دولار للبرميل، بعدما تخلى عن جزء من مكاسبه المبكرة، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 1.38 دولار إلى 101.10 دولار للبرميل.

ورغم هذا التراجع اليومي، ظل الخامان مرتفعين بنحو 13% على أساس أسبوعي، في أكبر مكاسب أسبوعية منذ 17 يوليو، بعد أن صعد المؤشران بأكثر من 6% خلال تعاملات الخميس.

وجاء التراجع خلال تعاملات الجمعة بعد تقارير عن محاولات وزراء خارجية في الشرق الأوسط التوصل إلى اتفاق مؤقت مع إيران لإدارة حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو ما خفف بصورة مؤقتة من مخاوف السوق.

الصين.. العامل الحاسم في اتجاه الأسعار

وتبقى الصين أحد أهم المتغيرات التي ستحدد اتجاه سوق النفط خلال المرحلة المقبلة.

فاستمرار الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، في شراء كميات كبيرة من النفط قد يضاعف أثر اضطرابات الإمدادات، ويزيد المنافسة على البراميل المتاحة من المنتجين خارج منطقة الخليج، وفي مقدمتهم منتجو غرب أفريقيا.

وهنا تكتسب أفريقيا أهمية استراتيجية متزايدة، إذ يمكن للخامات الأفريقية أن تساعد المصافي الآسيوية والأوروبية على تنويع مصادرها، لكن قدرتها على سد الفجوة الخليجية تظل محدودة إذا طال أمد الأزمة أو اتسعت نطاقاتها.

أوبك تخفض توقعات الطلب

وفي تطور آخر، خفضت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026 إلى نحو 380 ألف برميل يوميًا، في خامس تعديل متتالٍ بالخفض.

وتعكس هذه التعديلات التوقعات المتغيرة بشأن الاقتصاد العالمي واستهلاك الطاقة، في وقت تواجه فيه السوق صدمة معاكسة تتمثل في ارتفاع الأسعار بسبب مخاطر الإمدادات.

وبينما يمكن لارتفاع الأسعار أن يحفز المنتجين على زيادة الإمدادات والاستثمار في مشاريع جديدة، فإن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يؤدي في المقابل إلى إضعاف الطلب، وزيادة تكاليف النقل والصناعة، ورفع معدلات التضخم في الاقتصادات المستوردة.

أفريقيا أمام فرصة تاريخية.. ولكن

تكشف أزمة هرمز وباب المندب أن أهمية أفريقيا في سوق الطاقة العالمية لم تعد مرتبطة فقط بحجم احتياطياتها وإنتاجها الحالي، وإنما بقدرتها على توفير إمدادات بديلة في عالم أصبحت فيه المخاطر الجيوسياسية جزءًا دائمًا من معادلة أمن الطاقة.

فكلما طال اضطراب الممرات البحرية في الشرق الأوسط، زادت قيمة البراميل الأفريقية، وارتفعت جاذبية مشاريع الغاز الجديدة، وتسارعت محاولات شركات الطاقة العالمية لتأمين موطئ قدم في القارة.

لكن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب طويلة الأجل يتطلب استثمارات ضخمة في الإنتاج والنقل والموانئ والغاز المسال والبنية التحتية، فضلًا عن تحسين البيئة الاستثمارية والأمنية في عدد من الدول المنتجة.

وبذلك، فإن أزمة هرمز قد لا تكون مجرد أزمة مؤقتة في أسعار النفط، بل نقطة تحول في خريطة أمن الطاقة العالمي، تدفع المستوردين إلى إعادة تقييم مصادر إمداداتهم، وتمنح أفريقيا فرصة للانتقال من موقع المورد البديل إلى أحد المحاور الرئيسية في سوق الطاقة خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة