أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

ابتكارات خضراء وتمويلات ضخمة.. كيف تعيد الاقتصادات الصاعدة تشكيل مستقبل النقل

شاحنات كهربائية وموانئ ذكية.. ملامح الثورة اللوجستية الخضراء في الأسواق الناشئة

الأسواق الناشئة يمكنها قيادة التحول في اللوجستيات الخضراء.

خبراء يوضحون كيفيشكل قطاع اللوجستيات ما يصل إلى 11% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، إذا ما أُخذت في الحسبان المستودعات والموانئ إلى جانب وسائل النقل.

ورغم كونه العمود الفقري للاقتصاد العالمي، فإنه يُعد أيضًا من أبرز المساهمين في تغيّر المناخ.

مع تسارع الرقمنة، وتحوُّل أنماط التجارة، وتزايد ضغوط المناخ، يقف القطاع العالمي للوجستيات عند نقطة تحول حرجة.

وتشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على الشحن سيُضاعف بين عامي 2019 و2050، وتُعد الأسواق الناشئة، مثل الصين والشرق الأوسط، محورية في هذا النمو، بفضل التوسع العمراني السريع، وتزايد حجم التجارة، والاستثمارات في البنية التحتية، والتقدم التكنولوجي.

فالصين، على سبيل المثال، أصبحت أكبر سوق للتجارة الإلكترونية في العالم، حيث تُنتج ما يقارب 50% من المعاملات الإلكترونية العالمية، ويستند هذا النمو إلى أنظمة لوجستية فعالة ومتطورة.

الشرق الأوسط وأفريقيا

أما منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فمن المتوقع أن يصل سوق الشحن والخدمات اللوجستية بها إلى 173.27 مليار دولار بحلول عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.36% حتى عام 2030، مدفوعًا بتوسعات ضخمة في الموانئ والممرات الحدودية.

وتخطط السعودية وحدها لرفع حجم سوق اللوجستيات إلى 15.31 مليار دولار بحلول عام 2030، عبر تطوير 59 منطقة لوجستية.

وسائل النقل

تحوّلاً أخضر غير مسبوق بالاقتصادات الناشئة

ويشهد القطاع في الاقتصادات الناشئة تحوّلاً أخضر غير مسبوق، مدفوعًا بنضج التكنولوجيا وزيادة التشريعات المناخية.

فعلى سبيل المثال، بدأت الشاحنات الكهربائية والهيدروجينية في تجاوز نطاق 500 كيلومتر في الرحلة الواحدة، ومع تطور هذه التكنولوجيا، ستنخفض تكلفة الملكية بشكل كبير.

وأطلقت الصين خمس مجموعات لعرض تقنيات خلايا الوقود، تضم أكثر من 40 مدينة؛ كما التزمت 36 دولة بتحقيق مبيعات 100% من الشاحنات عديمة الانبعاثات بحلول عام 2040.

فرصة فريدة للأسواق الناشئة

تتحمل الأسواق الناشئة عبئًا غير متناسب في عملية التحول الأخضر، إذ تتأخر بنيتها التحتية نسبيًا، وتعاني من استخدام أساطيل نقل قديمة تزيد من الانبعاثات الكربونية.

وتبرز هذه الفجوات الحاجة الملحة لتسريع اللوجستيات الخضراء، لضمان عدم تخلف أي منطقة عن الركب في أجندة الاستدامة العالمية.

والأهم من ذلك، أن التجارب أثبتت أن التحول الأخضر يوفر لتلك المناطق فرص نمو اقتصادي قوية وميزات تنافسية ملموسة.

وعلى عكس الاقتصادات المتقدمة التي تحتاج إلى تحديث شامل لأنظمتها القائمة، تملك الأسواق الناشئة القدرة على “القفز النوعي” مباشرة نحو البنى التحتية الخضراء، من خلال اعتماد التكنولوجيا النظيفة من البداية، متجنبة بذلك الانحباس طويل الأمد في الأنظمة كثيفة الكربون.

وخلال الاجتماع السنوي لأبطال النمو العالمي (AMNC) الذي عُقد مؤخرًا في تيانجين، الصين، ناقشت مبادرة “فرص صافي الصفر لسلاسل القيمة” (NOVA) الدور الريادي الذي يمكن أن تلعبه الاقتصادات الناشئة في تسريع التحول نحو لوجستيات خضراء عبر نماذج مبتكرة وآليات فعّالة.

وقالت ليو بينج، المديرة العامة لمركز الابتكار والمعرفة للنقل المستدام التابع لوزارة النقل الصينية: “تشهد الأسواق الناشئة، بما في ذلك الصين، زخمًا قويًا في الابتكار باللوجستيات الخضراء، نشهد تطورات في وقود الطيران المستدام، والوقود الأخضر للسفن، وتكنولوجيا تغيير بطاريات الشاحنات الثقيلة، والتعاون الدولي هو المفتاح لتحقيق انتقال عالمي فعال في هذا القطاع.”

وتُظهر الأرقام أن 20.9% من مبيعات الشاحنات الثقيلة الجديدة في الصين خلال ديسمبر 2024 كانت كهربائية، وهي نسبة تضاعفت مقارنة بشهر يناير من نفس العام، ما يدل على تسارع في عملية الكهربة.

الهيدروجين والنقل الثقيل
الوقود الأخضر والنقل الثقيل

النقل الكهربائي عالميًا

في الوقت ذاته، استثمر المستثمرون 757 مليار دولار في النقل الكهربائي عالميًا عام 2024، من أصل رقم قياسي بلغ 2.1 تريليون دولار وُجه إلى التحول في الطاقة، ما يمثل نقطة تحول واضحة لصالح اللوجستيات الخضراء.

الابتكارات التكنولوجية واللينة التي تدفع التحول

لتحقيق التحول الأخضر واغتنام الفرص السوقية، لا بد من الابتكار التحويلي في منظومة اللوجستيات.

ومع تطور متطلبات الاستدامة وديناميكيات السوق، ينبغي على الشركات تبني تقدم متعدد الأبعاد في التكنولوجيا ونماذج الأعمال لتقليل الانبعاثات، وزيادة الكفاءة، وخلق قيمة جديدة.

من أبرز محاور الابتكار:

– حلول الوقود البديل: الاعتماد على وقود منخفض أو معدوم الكربون مثل الهيدروجين الأخضر، الميثانول، والوقود الحيوي كوقود الطيران المستدام.

– مركبات وتقنيات الدفع: استخدام الشاحنات الكهربائية والهيدروجينية، والطائرات المعدة للوقود المستدام، والسفن والقطارات منخفضة الانبعاثات.

البنية التحتية الخضراء: بناء شبكات تزويد نظيفة، ومحاور نقل ذكية، ومستودعات صديقة للبيئة.

– الرقمنة وتحسين التشغيل: تطبيق الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والمنصات الرقمية لتحسين المسارات والكفاءة التشغيلية.

– التحول في أنماط النقل: التحول من الطرق إلى السكك الحديدية والممرات المائية لتقليل كثافة الكربون وزيادة الكفاءة.

– نماذج تشغيل مبتكرة: تطوير خدمات التوصيل المستدام، واللوجستيات الدائرية، وتدريب القوى العاملة على المهارات الخضراء.

وقالت أديتي راسكينها، الرئيس التنفيذي في DHL Forwarding الصين الكبرى: “المستقبل الخالي من الكربون لقطاع اللوجستيات يعتمد على التكنولوجيا، والقدرة على التوسع، والتنفيذ العملي، من تطوير قدرات المركبات الكهربائية إلى تحويل تسليم الميل الأخير، نشهد تحولات فعلية في كل أركان سلسلة القيمة.”

وسائل النقل

تحديات التنفيذ والتوسعة

رغم الزخم الكبير، لا تزال العقبات كبيرة أمام تنفيذ هذه الابتكارات على نطاق واسع، أبرزها التكاليف العالية، وعدم وضوح السياسات، وسوء تنسيق الموارد.

فوقود الطيران المستدام، مثلًا، لا يزال يكلف أكثر من 3 أضعاف وقود الطائرات التقليدي.

أما شاحنات خلايا الوقود الهيدروجينية من الفئة 8، فتبلغ تكلفة ملكيتها الإجمالية 3-4 أضعاف نظيراتها العاملة بالديزل، ما يجعل شركات النقل مترددة في تحمل تلك الأعباء.

وعلى الصعيد التنظيمي، تؤدي التقلبات في التشريعات الدولية إلى تهديد استقرار الأعمال وأمن سلاسل التوريد.

كما يعرقل ضعف التوافق بين العرض والطلب توسيع نطاق الحلول الخضراء، ما يؤكد ضرورة التخطيط المتكامل وزيادة الاستثمارات.

وقال وانج كون، المدير العام لشركة جويتشو تاير، “نرى فرصًا كبيرة للعمل مع الشركاء في سلاسل القيمة لتقليل الانبعاثات، لكن لتوسيع نطاق هذه الحلول، نحتاج إلى شراكات أقوى، ما زلنا بحاجة إلى أدوات لإزالة المخاطر، وإشارات سياسية واضحة لبناء الثقة طويلة الأجل في السوق.”

نحو منظومة متكاملة للنمو المستدام

يتبنى رواد القطاع من القطاعين العام والخاص نماذج تعاون جديدة، ويعملون على توسيع آليات التمويل المختلط، وتضمين مؤشرات الاستدامة في قراراتهم.

هؤلاء يشكلون نماذج يُحتذى بها، ويوضحون أنه حينما تتوافق الحوافز وتُعبّأ المنظومات، يمكن للوجستيات الخضراء أن تنتقل من الطموح إلى التسارع.

تتبنى الحكومات بشكل متزايد أطرًا سياساتية متكاملة تجمع بين الحوافز المالية، والتخطيط للبنية التحتية، والتنظيم الواضح لدفع التحول الهيكلي.

وفي الوقت ذاته، تعمل المؤسسات المالية على تطوير أدوات تمويل مبتكرة مثل السندات الخضراء، والقروض المرتبطة بالكربون، وآليات تقاسم المخاطر بين القطاعين العام والخاص.

أما من جانب الصناعة، فتتعاون الشركات عبر القطاعات لتقاسم البنية التحتية، وتجميع الطلب على الحلول منخفضة الكربون، وتوحيد بيانات الانبعاثات ومنهجياتها.

وقال نوام بوسيدان، رئيس برنامج “تحالف أول المتبنين” في المنتدى الاقتصادي العالمي: “ما تزال آليات السوق عاملاً حاسمًا في تسريع اعتماد اللوجستيات الخضراء. فمبادرات مثل تحالف أول المتبنين تساعد الشركات على الاستعداد للمستقبل والحفاظ على التنافسية.”

تُشكّل هذه الجهود أساسًا لنموذج لوجستي جديد – خالٍ من الكربون، متصل رقميًا، وشامل اقتصاديًا، وإن توسيع نطاق هذه النماذج في الأسواق الناشئة لا يُعد ضروريًا فقط لتحقيق أهداف المناخ، بل يفتح أيضًا آفاقًا أوسع للتنمية، من خلق الوظائف، إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد، وتحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading