د.فوزي يونس: مستقبل الزراعة في مصر يبدأ من الدلتا الجديدة
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتاح مشروع الدلتا الجديدة في يوم الأحد 17 مايو 2026 بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة (محور الضبعة سابقا) وهو المشروع الذي يوصف بأنه “أكبر توسع أفقي زراعي في تاريخ الزراعة المصرية الحديثة”. بتكلفة إجمالية بلغت نحو 800 مليار جنيه مصري هذا ويعد هذا المشروع ركيزة أساسية في استراتيجية الدولة لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
يأتي هذا الافتتاح في توقيت بالغ الدقة إذ تشير أحدث الإحصاءات إلى بلوغ عدد السكان داخل مصر 109 ملايين نسمة في مايو 2026 بمعدل زيادة مليون نسمة كل 267 يوما ليصل إجمالي السكان بما فيهم المصريون بالخارج إلى حوالي 120 مليون نسمة. هذا النمو السكاني المتسارع يفرض ضغوطا متزايدة على الموارد المتاحة ويجعل مشروعات التوسع الزراعي ضرورة وجودية لا خيار فيها.
أولا: بيانات المشروع وأبعاده الكمية
1 المساحة المستهدفة
يمتد المشروع على مساحة 2.2 مليون فدان بما يعادل نحو 15% من إجمالي الأراضي الزراعية القائمة حاليا في مصر. يتوزع هذا المشروع الضخم في المناطق الصحراوية الخلفية ليربط بين محافظات البحيرة والجيزة ومطروح والفيوم مما يحدث نقلة نوعية في توزيع الثروة الزراعية والتنموية.
2 الاستثمارات والتكاليف
هذا وقد وصلت تكلفة المشروع إلى 800 مليار جنيه بتكلفة تتراوح بين 350 و400 ألف جنيه لكل فدان.
هذه التكلفة تشمل:
البند التفاصيل الكمية
شبكة طرق جديدة 12,000 كم
محطات رفع رئيسية 19 محطة
قنوات مكشوفة 697 كم
خطوط أنابيب 9,100 كم
أنظمة ري محورية 8,100 نظام
محطات كهرباء فرعية 18 محطة (2,051 ميجا فولت أمبير)
أعمدة كهرباء 121,000 عمود
خطوط نقل كهرباء 19,000 كم
3 نظام المياه المبتكر
يعد نظام توصيل المياه أبرز التحديات الهندسية التي تم التغلب عليها في المشروع. تعتمد فكرة المشروع على تجميع مياه الصرف الزراعي من أراضي الدلتا القديمة ومعالجتها ثلاثيا في محطة الحمام العملاقة على ساحل البحر المتوسط بطاقة تصل إلى 7.5 مليون متر مكعب يوميا.
يتم بعد ذلك نقل هذه المياه عبر قنوات بطول 150 كم وباستخدام محطات رفع ضخمة للتغلب على الانحدار الجغرافي الطبيعي حيث تصل قدرة محطة رفع “نباي” الرئيسية وحدها إلى 9.75 مليون متر مكعب يوميا لخدمة 470 ألف فدان.
ثانيا: الانعكاسات على الأمن الغذائي
1 على المستوى الوطني
يواجه قطاع الزراعة المصري تحديات جسيمة تتمثل في:
· الفجوة الغذائية: تستورد مصر سنويا ما بين 14 و17 مليون طن من الأعلاف، بخلاف واردات القمح.
· الاعتماد على الأسواق العالمية: مع تصاعد التوترات الجيوسياسية (مثل الحرب في أوكرانيا)، أصبحت أسعار الغذاء العالمية عرضة لصدمات متكررة.
في هذا السياق شدد الرئيس السيسي على أن “تحقيق الاكتفاء الذاتي من جميع المحاصيل أمر صعب سواء في مصر أو في أغلب دول العالم لأن الإنتاج الزراعي يعتمد على عدة اعتبارات مناخية ومائية وبيئية”.
لذا فإن المشروع لا يهدف إلى الاكتفاء الذاتي المطلق بل إلى:
· تأمين احتياجات السوق المحلية من المحاصيل الاستراتيجية كالقمح وبنجر السكر والذرة.
· تقليل فاتورة الاستيراد والتخفيف من الضغط على العملة الصعبة.
· بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية.
2 على المستوى الإقليمي
يمكن لمشروع الدلتا الجديدة أن يحدث تأثيرا إيجابيا على الأمن الغذائي الإقليمي بعدة طرق:
1. تصدير فائض الإنتاج: مع زيادة الإنتاجية، يمكن لمصر أن تصبح مركزا إقليميا لتصدير المحاصيل الزراعية والخضراوات والفواكه. وقد أشار وزير الزراعة إلى أن إجمالي الصادرات الزراعية المصرية بلغ حوالي 7.5 مليون طن منذ بداية 2025 بزيادة 650 ألف طن عن الفترة نفسها من العام السابق.
2. مركز لوجستي إقليمي: تم إنشاء سوق سفنكس لتداول المحاصيل الذي يُوصف بأنه “أكبر سوق زراعي متكامل في الشرق الأوسط”، إلى جانب تشغيل خط الشحن “RORO” بين دمياط وتريستا الإيطالية لإنشاء “ممر أخضر” لنقل المنتجات الزراعية إلى أوروبا.
3 على المستوى الدولي
يمثل المشروع نموذجا يحتذى به في:
· الأمن الغذائي العالمي: يساهم في استقرار الأسواق العالمية من خلال توفير بديل للإنتاج في مناطق التوتر.
· نموذج الاستدامة في المناطق القاحلة: يقدم تجربة رائدة في إعادة استخدام المياه المعالجة زراعياً على نطاق واسع.
· مواجهة تحديات تغير المناخ: يظهر كيفية التكيف مع ندرة المياه عبر التكنولوجيا الحديثة.
ثالثا: ارتباط المشروع بأهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030
يرتبط مشروع الدلتا الجديدة ارتباطا وثيقا بالعديد من أهداف التنمية المستدامة (SDGs):
الهدف 2: القضاء على الجوع
يوفر المشروع نحو مليوني فرصة عمل مستدامة (وليست مؤقتة) مما يعزز القدرة الشرائية للمواطنين ويحسن الأمن الغذائي للأسر.
الهدف 6: المياه النظيفة والصرف الصحي
يتم إعادة استخدام 7.5 مليون متر مكعب يوميا من مياه الصرف الزراعي المعالج مما يعد نموذجا رائداً في الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
الهدف 8: العمل اللائق ونمو الاقتصاد
يعمل بالمشروع 150 شركة في الإنتاج الزراعي فقط ومئات الشركات في الأنشطة الأخرى، مما يعزز الشراكة مع القطاع الخاص ويوفر فرص عمل متنوعة.
الهدف 9: الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية
تم إنشاء “مدينة مصر المستقبل الصناعية” التي تضم مصانع للعصائر والخضروات المجففة والسكر والنشا والأعلاف مما يضيف قيمة للمنتج الزراعي ويحقق التكامل بين الزراعة والصناعة.
الهدف 12: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان
تعتمد أنظمة الري على تقنيات حديثة (الري بالتنقيط والري المحوري) مع أنظمة تحكم رقمية ونظم استشعار عن بعد مما يقلل من هدر المياه والطاقة.

رابعا: التحديات الديموغرافية والاقتصادية
1 النمو السكاني
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى:
· عدد السكان الحالي: 109 ملايين داخل البلاد (120 مليونا شاملة الخارج)
· معدل الزيادة: مليون نسمة كل 267 يوما
· متوسط المواليد اليومي: 5,439 مولودا
هذا يعني أن مصر تحتاج إلى توفير احتياجات مليون إنسان إضافي كل أقل من 9 أشهر وهو ما يجعل مشروعات التوسع الزراعي والإنتاجي ضرورة قصوى.
2 العائد الاقتصادي المتوقع
تُقدر التوقعات بأن يحقق المشروع عوائد اقتصادية كبيرة من خلال:
1. تقليل الواردات: كل طن قمح يتم إنتاجه محليا يوفر العملة الصعبة التي كانت ستنفق على الاستيراد.
2. زيادة الصادرات: مع تحسين الجودة وفتح أسواق جديدة (مثل جنوب أفريقيا للرمان والفلبين للبصل والثوم، والمكسيك للكركديه وفنزويلا للموالح).
3. توفير العملة الصعبة: من خلال خفض فاتورة استيراد الأعلاف (14-17 مليون طن سنويا).

خامسا: خطوات تنفيذية مقترحة
1 المدى القصير (6-12 شهرا)
- التشغيل تفعيل أنظمة التحكم الرقمي (SCADA) في محطات الري لضمان كفاءة استهلاك الطاقة هيئة مستقبل مصر
– التسويق إنشاء منصة إلكترونية لتداول المحاصيل بين المنتجين والتجار، تربط المزارع بالأسواق وزارة التموين
– التدريب تنفيذ برامج تدريبية للمزارعين على تقنيات الري الحديث وإدارة المغذيات وزارة الزراعة
– الصيانة وضع جدول زمني لصيانة محطات الرفع وخطوط الأنابيب هيئة مستقبل مصر
– المتابعة إنشاء وحدة متابعة أداء لقياس كفاءة استخدام المياه والطاقة شهريا وزارة الري
2 المدى المتوسط (1-3 سنوات)
1. تكامل سلاسل القيمة: استكمال إنشاء مصانع التعبئة والتغليف والتبريد في مدينة مصر المستقبل الصناعية مع ربطها بشبكة لوجستية متكاملة.
2. التوسع في الأسواق التصديرية: استهداف 10 أسواق جديدة على الأقل للمنتجات الزراعية المصرية مع التركيز على القارة الأفريقية والأسواق الآسيوية الواعدة.
3. نقل التكنولوجيا: إنشاء مركز بحثي تطبيقي في موقع المشروع بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والبنك الدولي لدراسة الممارسات الزراعية الذكية مناخياً.
4. تحسين الأصناف: تطوير أصناف جديدة من القمح والشعير تتحمل الملوحة والجفاف، بالتعاون مع مركز بحوث الصحراء ومراكز البحوث الزراعية العالمية (ICARDA).
5. التوسع في المساحات: استكمال استصلاح الكامل لمساحة 2.2 مليون فدان وبدء الإعداد لمشروعات أخرى في المنيا وبني سويف وكوم أمبو وتوشكى وشرق العوينات وسيناء.
3 المدى الطويل (5-10 سنوات)
1. التحول إلى الزراعة العضوية: تحويل 30% من مساحة المشروع تدريجيا إلى الزراعة العضوية المعتمدة لزيادة القيمة التصديرية.
2. الطاقة المتجددة: تركيب ألواح شمسية على أسطح محطات الرفع والمباني الإدارية لتوليد 500 ميجاوات من الطاقة النظيفة لتقليل الاعتماد على الشبكة القومية.
3. حوكمة الموارد المائية: إنشاء نظام إقليمي لإدارة المياه الجوفية (مع دول الجوار) لضمان الاستدامة طويلة المدى للمخزون الجوفي.
4. الأمن الغذائي الإقليمي: إنشاء مخزون استراتيجي مشترك مع دول حوض النيل ودول أفريقيا لمواجهة أزمات الغذاء العالمية.
5. المدن الزراعية الذكية: تحويل مناطق المشروع إلى مجتمعات عمرانية متكاملة تعمل بنظم المدن الذكية تشمل الإسكان والخدمات والصناعات التحويلية.

سادسا: أهم التوصيات
1. تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية: نشر تقارير دورية مفصلة عن أداء المشروع (تكاليف التشغيل – كميات المياه المستخدمة – الإنتاجية المحققة – فرص العمل المنفذة) لبناء الثقة مع المواطنين والمستثمرين.
2. تطوير منظومة الحوافز: تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تستخدم ممارسات زراعية مستدامة وتوظف العمالة المحلية.
3. دمج القطاع الخاص: توسيع قاعدة المشاركة بحيث لا تقتصر على التنفيذ فقط بل تمتد إلى التمويل طويل الأجل وإدارة بعض مرافق المشروع (نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص).
4. الاستثمار في البحث العلمي: تخصيص نسبة من عوائد المشروع (مثلاً 1%) لتمويل برامج بحثية في مجالات الوراثة الزراعية وإدارة الموارد المائية والتكيف مع تغير المناخ.
5. بناء الشراكات الدولية: تعزيز التعاون مع البنك الدولي، منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والاتحاد الأوروبي لتبادل الخبرات وجذب التمويل المُيسر.
وفي النهاية فإن مشروع الدلتا الجديدة يمثل نقلة نوعية في مسار التنمية الزراعية المصرية ليس فقط من حيث حجمه الهائل (2.2 مليون فدان 800 مليار جنيه) وإنما من حيث نموذج العمل الذي يدمج بين الزراعة الحديثة والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية في منظومة متكاملة تخلق مليوني فرصة عمل مستدامة.
يأتي المشروع في سياق استراتيجي دقيق يتسم بالنمو السكاني المتسارع (109 ملايين نسمة) وتزايد الطلب على الغذاء وتذبذب الأسواق العالمية، وشح الموارد المائية.

وفي هذا الإطار هذا ويعد المشروع تجسيدا عمليا لرؤية مصر 2030 ومساهمة فاعلة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة خاصة الأهداف 2 (القضاء على الجوع)، 6 (المياه النظيفة)، 8 (العمل اللائق)، 9 (الصناعة والابتكار)، 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان).
ومع استمرار تنفيذ مشروعات مماثلة في المنيا وبني سويف وكوم أمبو وتوشكى وشرق العوينات وسيناء تتجه مصر نحو تحقيق قفزة نوعية في إنتاجها الزراعي وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية وبناء اقتصاد زراعي قوي قادر على الصمود في وجه التحديات العالمية.





