المناخ والتنوع البيولوجي وتدهور الأراضي.. أزمات متشابكة وحلول لا تزال مجزأة
أزمة واحدة بأوجه متعددة.. تغير المناخ وتدهور الأراضي وفقدان التنوع البيولوجي في دائرة متشابكة
لم تعد أزمة المناخ أو فقدان التنوع البيولوجي أو تدهور الأراضي أو مخاطر الكوارث أزمات منفصلة يمكن التعامل معها كل واحدة على حدة، إذ تكشف التطورات البيئية المتسارعة أن هذه التحديات تتداخل وتغذي بعضها بعضًا، بينما لا تزال الاستجابات والسياسات الدولية في كثير من الأحيان تعمل ضمن مسارات منفصلة.
وتدعو تحليلات حديثة إلى إعادة النظر في طريقة إدارة هذه الأزمات، من خلال الانتقال من سياسات متفرقة إلى نهج متكامل يربط بين العمل المناخي وحماية التنوع البيولوجي وإدارة الأراضي والحد من مخاطر الكوارث.
أزمات مختلفة.. واقع واحد
يمثل تغير المناخ التحدي البيئي العالمي الأكثر شهرة، لكن المجتمع الدولي أنشأ على مدار العقود الثلاثة الماضية أطرًا منفصلة لمعالجة مجموعة أوسع من المشكلات البيئية.
وتشمل هذه الأطر اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وهي الاتفاقيات المعروفة مجتمعة باسم اتفاقيات ريو.
وإلى جانبها يأتي إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث للفترة 2015-2030، الذي يتعامل مع مخاطر الكوارث الناتجة عن الأخطار الطبيعية والبشرية.
ورغم اختلاف أهداف كل اتفاقية وآليات عملها، فإن المشكلات التي تحاول هذه الأطر مواجهتها لا تحدث بصورة مستقلة على أرض الواقع.
فعندما ترتفع درجات الحرارة وتزداد حدة الجفاف، تتعرض النباتات لضغوط أكبر، ويتراجع التنوع البيولوجي، بينما يؤدي تدهور النظم البيئية إلى فقدان التربة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
ومع تدهور الأراضي وجفافها، ترتفع احتمالات اندلاع حرائق الغابات والعواصف الترابية، في حين تخزن النظم البيئية المتدهورة كميات أقل من الكربون، ما يمكن أن يؤدي بدوره إلى تفاقم تغير المناخ.
وهكذا تتحول الأزمات المختلفة إلى سلسلة مترابطة من الضغوط التي تؤثر في الأشخاص أنفسهم والأراضي والاقتصادات ذاتها.

عندما تؤدي أزمة إلى تفاقم أخرى
توضح هذه العلاقة أن تدهور الأراضي، على سبيل المثال، ليس مجرد مشكلة زراعية أو بيئية منفصلة، إذ يمكن أن يؤدي إلى تراجع قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، وزيادة التأثر بالجفاف والفيضانات، وفقدان التنوع البيولوجي، وانخفاض قدرة النظم البيئية على تخزين الكربون.
وبالمثل، يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة الضغوط على النظم البيئية، بينما يؤدي فقدان هذه النظم إلى إضعاف قدرة المجتمعات على التكيف مع تغير المناخ.
وتخلق هذه الحلقة المترابطة واقعًا تصبح فيه معالجة مشكلة واحدة بمعزل عن المشكلات الأخرى أقل كفاءة، بل قد تؤدي بعض التدخلات إلى نقل المخاطر من قطاع أو مجتمع إلى آخر.
خطط كثيرة.. ومهام متشابهة
رغم اختلاف مسميات الخطط والاستراتيجيات الوطنية، فإن الدول تقوم في كثير من الحالات بالمهام نفسها تقريبًا عند التعامل مع هذه القضايا.
فعند إعداد خطط التكيف الوطنية مع تغير المناخ، أو استراتيجيات التنوع البيولوجي، أو أهداف تحقيق حياد تدهور الأراضي، أو خطط مواجهة الجفاف، أو استراتيجيات الحد من مخاطر الكوارث، تحتاج الحكومات إلى تقييم المخاطر، وتحديد الأولويات، وإشراك أصحاب المصلحة، وحشد التمويل، ومراقبة التقدم وتحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات محلية.
لكن هذه العمليات غالبًا ما تتم داخل مؤسسات وقطاعات منفصلة، ما يؤدي إلى تكرار الجهود والاعتماد على قواعد بيانات مختلفة، وإجراء مشاورات متكررة مع أصحاب المصلحة أنفسهم، فضلًا عن المنافسة على الموارد المالية والخبرات الفنية المحدودة.
وفي ظل تسارع التغيرات البيئية، يمكن لهذا التجزؤ أن يؤدي إلى إهدار الموارد وتأخير تنفيذ الإجراءات الضرورية.

من “التجزئة” إلى العمل المتكامل
تزايدت خلال السنوات الأخيرة الدعوات إلى تعزيز التنسيق بين الأهداف البيئية المختلفة، وهو ما يعرف في الأوساط العلمية والسياساتية بمفهوم التآزر أو التكامل بين الأهداف البيئية.
الفكرة بسيطة: إذا كانت التحديات البيئية مترابطة، فيجب أن تعكس خطط مواجهتها هذه الروابط.
وبدلًا من إعداد سياسات منفصلة للمناخ والتنوع البيولوجي والأراضي والحد من مخاطر الكوارث، يمكن للدول تحديد الإجراءات التي تحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الإدارة المستدامة للأراضي، والإدارة المتكاملة للموارد المائية، واستعادة النظم البيئية، والحلول القائمة على الطبيعة.
فهذه الإجراءات يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن المائي، وحماية التنوع البيولوجي، وتقليل مخاطر الكوارث، ودعم التكيف مع تغير المناخ، وتحسين سبل عيش المجتمعات المحلية في الوقت نفسه.
لكن تحقيق هذه الفوائد لا يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى إدماجها بصورة واضحة ومتعمدة في عمليات التخطيط واتخاذ القرار.
استعادة النظم البيئية.. حل لأكثر من أزمة
يمكن لمشروعات استعادة الأراضي الرطبة، على سبيل المثال، أن تجمع بين الحد من مخاطر الفيضانات وحماية التنوع البيولوجي ودعم التكيف المناخي.
كما يمكن دمج الإدارة المستدامة للأراضي وتحقيق حياد تدهور الأراضي ضمن خطط التكيف مع تغير المناخ، بدل التعامل معها كمسارين منفصلين.
وتوفر هذه الإجراءات فرصة لتحقيق مكاسب بيئية واجتماعية متعددة من خلال استثمار واحد، بدل توزيع الموارد على مشروعات منفصلة قد تتعامل مع كل مشكلة بصورة محدودة.
كما يمكن لأنظمة تقييم المخاطر والرصد والمشاركة المجتمعية أن توفر معلومات تخدم أكثر من استراتيجية وطنية في الوقت نفسه.
التحدي ليس إنشاء أجندة جديدة
المطلوب، وفق هذا النهج، ليس إنشاء اتفاقية أو أجندة دولية جديدة، وإنما ربط الأجندات الموجودة بالفعل.
وتحتاج الحكومات إلى إيجاد طرق تجعل الخطط والسياسات تعمل عبر القطاعات والأهداف، بدل بقائها محصورة داخل مؤسسات منفصلة.
ويشمل ذلك إدماج الحلول القائمة على النظم البيئية في سياسات الحد من مخاطر الكوارث والمناخ وإدارة الأراضي وحماية التنوع البيولوجي، فضلًا عن جعل الروابط بين هذه المجالات واضحة في السياسات والوثائق التي تحدد كيفية التعامل مع الأزمات البيئية.

عام 2026.. فرصة لتعزيز التنسيق
تكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة خلال عام 2026، الذي يشهد انعقاد مؤتمرات الأطراف الخاصة بالاتفاقيات البيئية الرئيسية.
ومع انعقاد مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر COP17، تتزايد أهمية تحويل التعاون بين الاتفاقيات الدولية من مبدأ عام إلى إجراءات ملموسة في السياسات والخطط والقرارات المحلية.
فالبيئة لا تعرف الحدود التي تفصل بين الوزارات أو الاتفاقيات أو القطاعات، كما أن الأزمات لا تصل واحدة تلو الأخرى.
الجفاف يمكن أن يفاقم تدهور الأراضي، وتدهور الأراضي قد يزيد مخاطر الحرائق، وفقدان النظم البيئية يمكن أن يضعف قدرة المجتمعات على مواجهة تغير المناخ، بينما يؤدي تغير المناخ بدوره إلى زيادة الضغوط على التنوع البيولوجي.
ومن ثم، فإن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى استجابة تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها الأزمات نفسها: مترابطة، متزامنة ومتعددة الأهداف.
والرسالة الأساسية هي أن العالم لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من الخطط المنفصلة، بقدر حاجته إلى ربط الخطط الموجودة بالفعل وتحويل هذا الترابط إلى إجراءات عملية تحمي المناخ والطبيعة والأراضي والمجتمعات في آن واحد.





