أشجار البلوط العتيقة في إنجلترا تحتضر بسبب موجات الحر والجفاف
حتى الأشجار المقاومة للجفاف تحتضر.. أزمة مناخية تضرب غابات أوروبا
تواجه أشجار البلوط العتيقة في إنجلترا خطرًا متزايدًا بسبب موجات الحر الشديدة والجفاف، مع عجز الأشجار والأنظمة البيئية عن التكيف بالسرعة الكافية مع التغيرات المناخية المتسارعة.
وحذر صندوق الغابات البريطاني (Woodland Trust) من أن الظروف الحارة والجافة التي شهدتها إنجلترا خلال صيف 2026 تسببت في إجهاد شديد للأشجار، ودفع بعضها إلى الدخول في حالة تشبه «الخريف المبكر»، إذ تذبل الأوراق وتتساقط قبل موعدها الطبيعي.
وتزامنت هذه الظروف مع موجات حر واسعة شهدتها أجزاء كبيرة من أوروبا خلال الصيف، وأثرت بصورة ملحوظة في نمو المحاصيل وصحة النباتات.
الأشجار تفقد قدرتها على نقل المياه
وأوضح إيد باين، كبير مستشاري الحفاظ على البيئة في صندوق الغابات، أن فهم تأثير الجفاف على الأشجار يمكن أن يتم من خلال تصورها باعتبارها «أنبوبًا كبيرًا» ينقل المياه والمعادن والعناصر الغذائية باستمرار من التربة عبر الجذور، ثم إلى الجذع والفروع والأوراق.
وعندما تفقد الأشجار كميات أكبر من المياه التي تستطيع الحصول عليها وتعويضها، تتعطل هذه العملية، فتبدأ الأوراق في الذبول والموت، وهو ما يؤدي إلى ظاهرة تساقط الأوراق المبكر التي أصبحت أكثر وضوحًا خلال موجات الحر الحالية.
وقال جون باركر، الرئيس التنفيذي لجمعية علم الأشجار البريطانية، إن علامات الإجهاد الحراري وتأثير الطقس الجاف أصبحت واضحة على الأشجار.

الأشجار الأقدم هي الأكثر تضررًا
ورغم أن تأثير الحرارة والجفاف يمتد إلى أنواع مختلفة من الأشجار، فإن الأشجار العتيقة والمعمرة في إنجلترا تتعرض لتأثيرات غير متناسبة، وفقًا لصندوق الغابات.
وقال باين إن هذه الأشجار القديمة تمثل «ناجين» من ظروف بيئية متغيرة على مدى قرون، لكنها، مثل البشر، تصبح أقل قدرة على تحمل الضغوط مع تقدمها في العمر.
وبرز حجم الخطر بصورة لافتة مع موت شجرة الميجور أوك (Major Oak) في غابة شيروود خلال يونيو الماضي، وهي واحدة من أقدم وأكبر وأشهر الأشجار العتيقة في أوروبا.
ويرى باين أن الظروف المناخية القاسية كانت من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في موت الشجرة الشهيرة.
آلاف الأشجار العتيقة مهددة
تُصنف أشجار البلوط باعتبارها «عتيقة زمنيًا» عندما يتجاوز عمرها 400 عام، رغم أن العديد منها يبدأ في إظهار خصائص الأشجار العتيقة منذ نحو 300 عام.
وتضم إنجلترا نحو 3300 شجرة بلوط يزيد محيط جذعها على 6 أمتار، من بينها نحو 114 شجرة يتجاوز محيطها 9 أمتار.
وفي المقابل، لا يتجاوز عدد أشجار البلوط المسجلة التي يزيد محيطها على 9 أمتار في بقية أوروبا مجتمعة، بما في ذلك اسكتلندا وويلز، نحو 98 شجرة.

وفقدت غابة شيروود ثماني أشجار بلوط عتيقة خلال عامي 2024 و2025، فيما حدد صندوق الغابات سبع أشجار أخرى في إنجلترا وويلز باعتبارها في حالة حرجة، وهي:
- شجرة Crow Leasow في شروبشاير.
- شجرة Tea Party في سوفولك.
- شجرة King John في ديفون.
- شجرة Enmore في سومرست.
- شجرة Lydham Manor في شروبشاير.
- شجرة Old Knobbley في إسيكس.
- شجرة Pwllpriddog في كارماثنشاير.
نصف أشجار البلوط قد تختفي خلال 60 عامًا
وتشير تحليلات معدلات نفوق أشجار البلوط العتيقة إلى أن نحو نصف هذه الأشجار قد يختفي خلال السنوات الستين المقبلة.
لكن هذه التقديرات لم تأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية المستقبلية، ما يعني أن العدد الحقيقي للأشجار المهددة قد يكون أكبر بكثير.
وقال باين إن الجفاف المتكرر عامًا بعد عام يؤدي إلى تأثير تراكمي يزداد سوءًا مع مرور الوقت، مؤكدًا أن معظم الأشجار العتيقة تواجه صعوبة في تحمل الظروف الحالية، وأن العديد منها يموت نتيجة الإجهاد الناجم عن الجفاف.
أشجار الزان والصنوبر تواجه الخطر أيضًا
ولا تقتصر الأزمة على أشجار البلوط، إذ تواجه أشجار الزان بدورها ضغوطًا متزايدة بسبب الحرارة والجفاف.
وحذر باركر من أن أشجار الزان قد تدخل في مرحلة تراجع وقد تموت، وهو ما سيكون له تأثير بيئي كبير.
وفي أوروبا، تتعرض حتى بعض أنواع الأشجار التي تتمتع بقدرة نسبية على تحمل الجفاف، مثل أشجار الصنوبر، للنفوق.
وقال ألكسندر هيلد، كبير الخبراء في المعهد الأوروبي للغابات، إن الأشجار الأوروبية لا تستطيع مواكبة الظروف المتغيرة بالسرعة المطلوبة، مشيرًا إلى أن بعض الأشجار تتضرر من الحرارة، بينما تعاني أخرى من حروق بسبب شدة أشعة الشمس.
الحرارة تزيد خطر سقوط فروع الأشجار
وأصبح تأثير الحرارة والجفاف واضحًا أيضًا في المناطق الحضرية، حيث سجل العاملون في إدارة الأشجار ارتفاعًا في حالات فشل الفروع خلال فترات الطقس الحار والجاف.
وقال أنجيلو مورغان، مدير إدارة الأشجار الحضرية في شركة Trees UK في بروملي، إن فرق العمل كانت تتعامل تاريخيًا مع معظم الحالات خلال فصل الشتاء، عندما تتسبب الرياح القوية والأمطار في اقتلاع أنظمة الجذور.
لكنها تتلقى حاليًا عددًا متزايدًا من البلاغات بشأن انكسار وسقوط الفروع خلال فترات الحر والجفاف.
وأوضح أن الجهاز الوعائي للأشجار لا يمتص الكمية نفسها من الرطوبة التي يحصل عليها عادة، ما يجعل العديد من الفروع أكثر هشاشة، ويزيد احتمالات سقوط الفروع الكبيرة.

سرعة تغير المناخ تتجاوز قدرة الغابات على التكيف
وأكد خبراء أن المشكلة الأساسية لا تتمثل فقط في ارتفاع درجات الحرارة أو تكرار الجفاف، وإنما في السرعة التي تحدث بها التغيرات المناخية.
وقال هيلد إن الغابات في حالة تكيف مستمر مع الظروف المحيطة، لكن الأشجار والأنظمة البيئية لا تستطيع التكيف بالسرعة نفسها التي يتغير بها المناخ.
وحذر من أن استمرار هذه الوتيرة السريعة من التغير قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في النظم البيئية الأوروبية، ويهدد الأشجار المعمرة التي ظلت قائمة لمئات السنين لكنها أصبحت الآن تواجه ظروفًا لم تتطور بالسرعة الكافية للتعامل معها.
وتكشف أزمة أشجار البلوط العتيقة في إنجلترا عن أحد الآثار الأقل وضوحًا لأزمة المناخ؛ فارتفاع الحرارة والجفاف لا يهددان صحة الإنسان والمحاصيل فقط، بل يضغطان أيضًا على أشجار تمثل مخزونًا حيًا من التنوع البيولوجي والتراث الطبيعي، وقد يؤدي استمرار الاحترار والجفاف إلى فقدان جزء كبير من هذا التراث خلال العقود المقبلة.





