الحرارة القاتلة تستهدف كبار السن.. دراسة تكشف تقديرات سابقة أقللت من حجم الخطر
كل درجة احترار إضافية تعرض مليار شخص لحرارة خطرة.. كبار السن في مواجهة الخطر
كشفت دراسة نمذجة أمريكية أن المخاطر الصحية الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة بفعل تغير المناخ على كبار السن جرى التقليل من شأنها بصورة كبيرة، محذرة من أن الحرارة التي لا يستطيع الجسم تحملها قد تصبح أكثر انتشارًا وتستمر لفترات أطول خلال العقود المقبلة.
ونُشرت الدراسة، الثلاثاء، في دورية The Lancet Planetary Health، بالتزامن مع صيف شديد الحرارة في نصف الكرة الشمالي، شهد تحطيم العديد من الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، وأسهمت موجات الحر الشديدة خلاله في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص.

لماذا لا تكفي المقاييس التقليدية لقياس خطر الحرارة؟
قاد الدراسة فريق من الباحثين في الولايات المتحدة، من بينهم باحثون في جامعة ستانفورد، بهدف تقدير عدد المرات التي يمكن أن يؤدي فيها الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية إلى دفع درجات الحرارة إلى مستويات لا يستطيع كبار السن تحملها.
واعتمدت دراسات سابقة في هذا المجال على مقياس يُعرف باسم درجة حرارة البصيلة الرطبة، وهو مؤشر يأخذ في الاعتبار درجة الحرارة والرطوبة لتقدير قدرة جسم الإنسان على تحمل الحرارة.
لكن المشكلة أن التجارب التي استندت إليها هذه التقديرات أُجريت بشكل أساسي على بالغين أصحاء من فئات عمرية صغيرة.
وبالتالي، لم تعكس بصورة كافية المخاطر الأكبر التي تواجه كبار السن، خاصة أن أجسامهم قد تكون أقل قدرة على التخلص من الحرارة من خلال التعرق، كما أن كثيرًا منهم يعانون ضعفًا في وظائف القلب أو حالات صحية مزمنة سابقة.
كبار السن أكثر هشاشة أمام موجات الحر
استند الباحثون إلى بيانات جديدة من تجارب أكثر حداثة أُجريت في الولايات المتحدة، واختبرت قدرة أشخاص تزيد أعمارهم على 60 عامًا على تحمل مستويات مرتفعة من الحرارة والرطوبة.
وبعد ذلك، أخذ الباحثون في الاعتبار الاتجاهات المتوقعة لزيادة أعداد كبار السن حول العالم، ووضعوا نماذج لتقدير تأثير الحرارة على صحة ثلاث فئات عمرية مختلفة حتى عام 2100، وفق سيناريوهات متعددة لارتفاع درجة حرارة الكوكب.
وخلصت الدراسة إلى أن الحرارة غير القابلة للتحمل ستظهر على نطاق أكبر ولمدد أطول، ما سيعرض أعدادًا أكبر بكثير من الأشخاص للخطر مقارنة بالتقديرات السابقة.

22 % من كبار السن قد يتعرضون لحرارة خطرة شهريًا
إذا ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، فقد يتعرض نحو 22% من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا لحرارة غير آمنة لمدة شهر واحد على الأقل كل عام، وفق تقديرات الباحثين.
ولا يتوقف الخطر عند هذا الحد؛ إذ تشير الدراسة إلى أن كل درجة مئوية إضافية من الاحترار العالمي قد تؤدي إلى تعرض نحو مليار شخص إضافي لنحو شهر آخر من الحرارة والرطوبة، بمستويات تتجاوز قدرة أجسامهم على التكيف.
وتكشف هذه الأرقام أن ارتفاع درجات الحرارة لا يمثل خطرًا موزعًا بالتساوي بين سكان العالم، بل يمكن أن يضاعف أوجه عدم المساواة القائمة بالفعل.
جنوب آسيا والخليج في دائرة الخطر
في سيناريو يصل فيه الاحترار العالمي إلى 3 درجات مئوية، قد يواجه كبار السن في المناطق الأكثر تضررًا، خصوصًا جنوب آسيا ومنطقة الخليج، حرارة خطرة على مدار الليل والنهار لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر متواصلة سنويًا.
وتبرز المخاطر بصورة خاصة في الدول التي تجمع بين ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات الفقر وضعف الوصول إلى وسائل التبريد.
وتشمل الدول التي حددتها الدراسة باعتبارها الأكثر تعرضًا للخطر:
وتشير هذه النتائج إلى أن آثار تغير المناخ لا ترتبط بدرجات الحرارة وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بقدرة المجتمعات والأفراد على الوصول إلى الكهرباء والتبريد والرعاية الصحية والبنية التحتية القادرة على مواجهة موجات الحر.

الحرارة قد تدفع إلى النزوح والهجرة المناخية
حذرت الدراسة من أن تزايد التعرض للحرارة التي يتعذر على الجسم تعويض آثارها يمكن أن يؤدي بصورة متزايدة إلى النزوح الداخلي والهجرة المناخية عبر الحدود.
ومع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مدة موجات الحر، قد تصبح بعض المناطق أقل قدرة على توفير ظروف معيشية آمنة لكبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
وهذا يضيف تحديات جديدة أمام الحكومات والمنظمات الإنسانية، التي ستحتاج إلى دمج مخاطر الحرارة الشديدة في سياسات الصحة العامة والتخطيط العمراني والحماية الاجتماعية والهجرة.
معظم وفيات الحرارة تحدث داخل المنازل
شدد الباحثون على أن خطط التعامل مع موجات الحر المستقبلية يجب أن تعطي أولوية أكبر لكبار السن وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ومن النقاط المهمة التي أبرزتها الدراسة أن معظم الوفيات المرتبطة بالحرارة تحدث داخل الأماكن المغلقة، وليس بالضرورة أثناء وجود الأشخاص في الخارج.
لذلك، فإن توسيع نطاق الوصول إلى أجهزة تكييف الهواء ووسائل التبريد الأخرى يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية كبار السن، خاصة في المناطق التي تشهد موجات حر طويلة ومتكررة.
لكن الاعتماد على أجهزة التكييف وحدها يطرح بدوره تحديات تتعلق بتكلفة الطاقة والقدرة على الوصول إلى الكهرباء، فضلًا عن زيادة الطلب على الطاقة خلال فترات الحرارة الشديدة.

تغير المناخ يضاعف الخطر على الفئات الأكثر هشاشة
تأتي نتائج الدراسة في وقت تشهد فيه أوروبا حرائق غابات وموجات حر طويلة وفترات جفاف، خلال صيف يُتوقع أن يكون الأكثر حرارة على الإطلاق في القارة التي تُعد الأسرع احترارًا بين قارات العالم.
وتكشف الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة يمثل تهديدًا صحيًا متزايدًا، لكن هذا التهديد لا يصيب جميع الأشخاص بالدرجة نفسها.
فمع تقدم السكان في العمر وازدياد انتشار الأمراض المزمنة، يمكن أن يصبح كبار السن من أكثر الفئات تأثرًا بموجات الحر المتطرفة.
ولهذا، فإن الحد من انبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحترار العالمي يظل الإجراء الأساسي لتجنب أسوأ السيناريوهات، بالتوازي مع تطوير خطط وطنية للتعامل مع موجات الحر تضع كبار السن في مقدمة الفئات التي تحتاج إلى الحماية.
فكل درجة إضافية من الاحترار لا تعني مجرد ارتفاع درجات الحرارة على مقياس الحرارة، بل قد تعني مليارات الأشخاص الذين يواجهون أيامًا أو أسابيع إضافية من حرارة تتجاوز قدرة أجسادهم على التحمل





