صور الأقمار الصناعية تكشف اختفاء أنهار أوروبا تحت وطأة الجفاف
الراين والدانوب واللوار والبو في خطر.. الجفاف يخفض أنهار أوروبا إلى مستويات قياسية
كشفت صور حديثة للأقمار الصناعية عن تراجع حاد في مستويات المياه بعدد من أكبر أنهار أوروبا، في مشهد يعكس تفاقم أزمة الجفاف التي تضرب القارة مع استمرار موجات الحر والطقس شديد الجفاف خلال صيف 2026.
وتُظهر المقارنات بين صور الأقمار الصناعية، التي أجرتها وحدة المصادر المفتوحة في «الجزيرة»، تقلص المساحات المائية في أنهار رئيسية، وظهور مساحات واسعة من الرمال والحصى داخل مجاري الأنهار، إلى جانب تراجع رطوبة التربة وتحول مساحات خضراء في عدد من المدن الأوروبية إلى اللون الأصفر والبني.
ووفق بيانات المرصد العالمي للجفاف، ساءت ظروف الجفاف في وسط وغرب أوروبا منذ بداية الصيف، وكانت مناطق جنوب إنجلترا وشمال إيطاليا وأجزاء من وسط أوروبا من بين الأكثر تضررًا.
وتشير بيانات مؤشر الجفاف المركب إلى أن نحو نصف مساحة أوروبا تعاني الجفاف، فيما وصلت نحو 9% من مساحة القارة إلى مستوى الإنذار، بما يشمل مناطق في ألمانيا والمجر ورومانيا والنمسا والتشيك وسلوفاكيا.
أنهار أوروبا الكبرى تسجل مستويات قياسية من الانخفاض
قال مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية إن أنهار اللوار، وبو، والراين، والدانوب وصلت إلى مستويات قياسية من الانخفاض بعد استمرار الظروف الأكثر حرارة وجفافًا.
ولا تعكس صور الأقمار الصناعية تراجع المياه في مجاري الأنهار فقط، بل تكشف أيضًا التأثير المتسارع للجفاف على الأراضي الزراعية والنباتات والمساحات الخضراء داخل المدن.

نهر اللوار.. جزر رملية تظهر داخل المجرى
تُظهر سلسلة من صور الأقمار الصناعية لنهر اللوار بالقرب من مدينة سومور الفرنسية تغيرًا واضحًا في شكل مجرى النهر خلال شهر أغسطس بين عامي 2023 و2026.
ففي صور السنوات السابقة، كانت أجزاء أكبر من مجرى النهر مغطاة بالمياه، بينما كشفت الصور الأحدث عن اتساع الجزر والمساحات الرملية والحصوية داخل المجرى.
وأظهرت صورة التُقطت في 8 أغسطس 2026 مساحات مكشوفة أكبر بكثير داخل مجرى اللوار مقارنة بالصور السابقة، بالتزامن مع تحول الأراضي الزراعية المحيطة إلى درجات من البني واللون الباهت.
ويتوافق هذا التغير مع بيانات مركز الأبحاث المشترك، الذي أكد وصول نهر اللوار إلى مستويات قياسية من الانخفاض خلال أغسطس.

نهر جارون.. الحقول تتحول من الأخضر إلى البني
وفي جنوب غرب فرنسا، أظهرت مقارنة صور الأقمار الصناعية لمنطقة قريبة من مدينة مواساك تغيرًا واضحًا في لون الحقول والنباتات المحيطة بنهر جارون بين 21 مايو و1 أغسطس.
ففي صورة مايو، بدت مساحات واسعة من الحقول والغطاء النباتي باللون الأخضر، بينما أظهرت صورة أغسطس انتشار مساحات أكبر باللونين البني والباهت.
وتزامنت هذه التغيرات مع إجهاد هيدرولوجي موثق في حوض نهر جارون، حيث بدأت هيئة إدارة النهر في أوائل يوليو تشغيلًا مبكرًا لدعم مستويات المياه، بعدما اقتربت تدفقات النهر بالقرب من تولوز من مستويات قياسية منخفضة بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.
وكان ذلك أبكر تدخل من هذا النوع منذ بدء تطبيق النظام عام 1993.
نهر الراين.. الجفاف يهدد الملاحة الأوروبية
وفي ألمانيا، كشفت مقارنة صور الأقمار الصناعية بالقرب من مدينة كاوب عن اتساع واضح للمناطق الرملية والحصوية المكشوفة داخل مجرى نهر الراين بين 1 مايو و29 يوليو.
وفي حين بدا المجرى ممتلئًا بالمياه نسبيًا في صورة مايو، أظهرت صورة أواخر يوليو اتساع المساحات المكشوفة داخل النهر وعلى ضفافه، بالتزامن مع تغير واضح في لون النباتات والحقول المحيطة.
ووصلت مستويات المياه في الراين إلى مستويات قياسية منخفضة في ألمانيا، ما تسبب في اضطرابات بقطاع النقل النهري.
كما حذرت قطاعات النقل المائي الداخلي من أن الانخفاض الحاد في مستويات المياه بالقرب من كاوب قد يجعل الملاحة التجارية والسياحية مستحيلة في بعض أجزاء النهر.
واضطرت السفن إلى العمل بأحمال أقل بكثير من المعتاد بسبب انخفاض العمق المتاح للملاحة، بينما تعرضت بعض السفن للتعطل أو الجنوح.

نهر بو الإيطالي تحت ضغط مائي شديد
وفي إيطاليا، كشفت صور نهر بو بالقرب من بوريّتو في إقليم إميليا رومانيا عن تغير واضح في حجم المساحات المغطاة بالمياه والمناطق المكشوفة خلال أغسطس، عند مقارنة صور عامي 2023 و2026.
وأظهرت صور عام 2023 مساحات مائية أكبر في أجزاء من مجرى النهر، بينما ظهرت في صور 2026 مساحات أوسع من الرمال والحصى.
ويتزامن ذلك مع تأكيد مركز الأبحاث المشترك أن حوض نهر بو يعاني إجهادًا هيدرولوجيًا شديدًا، بينما تواجه مناطق من إيطاليا ضغوطًا متزايدة على استخدام المياه لأغراض الري وإنتاج الطاقة.
الدانوب.. ضغوط على الزراعة والطاقة والملاحة
وامتد تأثير انخفاض المياه إلى نهر الدانوب، الذي شهد تراجعًا في مستويات المياه على عدة قطاعات داخل المجر ورومانيا.
وقال مركز الأبحاث المشترك إن انخفاض تدفقات الدانوب يفرض ضغوطًا متزايدة على الملاحة وإمدادات المياه والزراعة وقطاع الطاقة.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية تغيرًا ملحوظًا في مستويات المياه عند مقارنة صور التُقطت في 9 أغسطس 2025 و9 أغسطس 2026.
وتكشف صور الدانوب حجم التأثير المباشر للجفاف على أحد أهم الممرات المائية في أوروبا، الذي تعتمد عليه حركة النقل والزراعة والصناعة وإمدادات المياه في عدد من الدول.

إنجلترا تواجه جفافًا استثنائيًا
وفي إنجلترا، كشفت صور الأقمار الصناعية عن تغيرات واسعة في مناطق من لندن، من بينها هايد بارك، وكذلك المنطقة المحيطة بموقع ستونهنج، حيث تراجعت حيوية الغطاء النباتي بصورة ملحوظة.
وسجلت إنجلترا خلال يوليو الماضي 6.5 ملليمتر فقط من الأمطار، أي ما يعادل نحو 10% من متوسطها طويل الأجل، ليصبح يوليو 2026 الأكثر جفافًا منذ بدء تسجيل البيانات عام 1836.
وأعلنت وكالة البيئة البريطانية أن 71.3% من مساحة إنجلترا أصبحت رسميًا ضمن مناطق الجفاف، بما يشمل جميع مناطق لندن الكبرى، بينما انخفض مخزون الخزانات المائية إلى نحو 69%.
وتُظهر صور هايد بارك الملتقطة في يوليو 2025 ويوليو 2026 حجم التدهور الذي أصاب المساحات الخضراء نتيجة الجفاف.
فيينا.. المساحات الخضراء تتحول إلى اللون الأصفر
ولم يقتصر التأثير على الأنهار والمناطق الزراعية، إذ امتد إلى الحدائق والمساحات الخضراء في المدن الأوروبية.
وأظهرت صور عالية الدقة التقطتها أقمار SkySat تغيرًا لافتًا في حيوية الغطاء النباتي داخل متنزه أوير-فيلسباخ في العاصمة النمساوية فيينا بين صيفي 2025 و2026.
وفي صورة التُقطت في 22 يوليو 2025، بدت مساحات واسعة من العشب باللون الأخضر الداكن، مع غطاء كثيف من الأشجار.

لكن صورة 28 يوليو 2026 أظهرت تحول مساحات واسعة من العشب إلى اللون الأصفر والبني، مع تراجع حاد في المساحات الخضراء.
ويعكس هذا التحول وصول تأثيرات الإجهاد المائي والحراري إلى قلب المدن الأوروبية، حيث أدى ارتفاع درجات الحرارة ونقص الأمطار إلى جفاف التربة وتدهور المساحات الخضراء العامة.
الجفاف قد يستمر حتى سبتمبر
وتتوقع مراكز المراقبة الأوروبية استمرار الظروف الجافة حتى سبتمبر، ما يعني احتمال استمرار الضغوط على الأنهار والمياه الجوفية والزراعة والمساحات الخضراء.
وتقدم صور الأقمار الصناعية صورة واضحة عن حجم أزمة الجفاف في أوروبا، إذ لم يعد التغير مقتصرًا على انخفاض مستويات المياه في الأنهار، بل أصبح ظاهرًا في لون الأراضي الزراعية، وحيوية النباتات، وحالة الحدائق داخل المدن.
ومع استمرار الاحترار العالمي وتكرار موجات الحر، تكشف أنهار اللوار والراين والبو والدانوب عن جانب متزايد الخطورة من أزمة المناخ: قارة أوروبية تتراجع فيها المياه من مجاري الأنهار، بينما تجف التربة وتتحول مساحات خضراء إلى اللون البني تحت وطأة الحرارة والجفاف.





