خزانات مياه الأمطار تحمل مخاطر خفية.. بكتيريا مرتبطة بالتسمم الغذائي في المنازل
تحذير من مياه الأمطار المخزنة.. بكتيريا «السالمونيلا» و«كامبيلوباكتر» في خزانات منزلية
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود مؤشرات على مخاطر صحية محتملة في خزانات مياه الأمطار المنزلية، بعد العثور على الحمض النووي لبكتيريا مرتبطة بأمراض الجهاز الهضمي والتسمم الغذائي، إلى جانب مستويات مرتفعة من بعض المعادن في عدد من الخزانات.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة مع اعتماد كثير من الأسر على مياه الأمطار المخزنة للشرب والطهي، إذ أظهرت الدراسة أن 67% من الأسر التي شملها المسح كانت تستخدم مياه الخزانات للشرب والطهي.
لكن الباحثين شددوا على نقطة مهمة: الدراسة كشفت عن DNA بكتيري ولم تزرع البكتيريا الحية، ولذلك لا تثبت النتائج أن جميع البكتيريا المكتشفة كانت حية أو قادرة على التسبب في العدوى، كما لا تثبت أن أي شخص أصيب بالمرض نتيجة شرب هذه المياه.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Journal of Environmental Management.
100 خزان لمياه الأمطار تحت الفحص
قاد فريق البحث ميرا كوبر من كلية الفيزياء والكيمياء وعلوم الأرض بجامعة أديلايد، بالتعاون مع باحثين من جامعة فليندرز ووكالة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية الأسترالية «CSIRO» وجامعة نيو ساوث ويلز.

وجمع الباحثون عينات من 100 خزان منزلي في مدينة أديلايد ومناطق أديلايد هيلز، خلال الفترة بين مايو 2024 ويناير 2026.
كما أجرت 97 أسرة استبيانًا حول طبيعة استخدام مياه الخزانات داخل المنازل.
وقالت كوبر إن مياه الأمطار قد تبدو نظيفة للعين، لكنها تبدأ في التقاط ملوثات مختلفة بمجرد وصولها إلى سطح المنزل، ثم مرورها عبر الأسطح والمزاريب وأنابيب التصريف وصولًا إلى الخزان.
وتشمل هذه الملوثات البكتيريا والمعادن ومواد أخرى يمكن أن تؤثر في جودة المياه.
بكتيريا مرتبطة بالتسمم الغذائي داخل الخزانات
كشفت الاختبارات عن وجود أربع مجموعات من البكتيريا في عينات الخزانات، ثلاث منها مرتبطة بأمراض الجهاز الهضمي والتسمم الغذائي.
وجاءت النتائج على النحو التالي:
- كامبيلوباكتر (Campylobacter) ظهرت في 13 خزانًا من أصل 100
- السالمونيلا (Salmonella) ظهرت في 10 خزانات
- شيغيلا (Shigella) ظهرت في 3 خزانات
- الزائفة الزنجارية (Pseudomonas aeruginosa) ظهرت في 12 خزانًا
وتختلف الزائفة الزنجارية عن البكتيريا الثلاث الأخرى في مصدرها المحتمل، إذ لا ترتبط بصورة مباشرة بمخلفات الحيوانات التي قد تصل إلى الأسطح، وإنما يمكن أن تتكاثر في الأغشية اللزجة التي تتشكل داخل الأنابيب والخزانات الرطبة.
وتشكل هذه البكتيريا خطرًا بصورة أكبر على الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في جهاز المناعة.
كما احتوت 8 خزانات على أكثر من نوع واحد من البكتيريا.
وعند التركيز على الأسر التي تستخدم مياه الأمطار للشرب، والتي بلغ عددها 65 أسرة، ظهرت السالمونيلا في 9% من خزاناتها، والزائفة الزنجارية في 8%، وكامبيلوباكتر في 6%، وشيجيلا في 2%.
معادن ثقيلة داخل مياه الخزانات
لم تقتصر الدراسة على الملوثات البيولوجية، إذ قاس الباحثون أيضًا 27 عنصرًا من العناصر النزرة في المياه.
وأظهرت النتائج تجاوز بعض الخزانات الحدود الصحية المسموح بها بالنسبة لعدد من المعادن والعناصر، ومنها:
- الكادميوم في 4% من الخزانات
- الحديد في 3%
- المنغنيز في 2%
- الرصاص في 1%
- الزرنيخ في 1%
وكانت إحدى عينات الخزانات التي تجاوزت الحدود الخاصة بالرصاص تحتوي على تركيز يقارب ثلاثة أضعاف الحد الأسترالي المسموح به.
وأشارت النتائج إلى أن مادة تصنيع الخزان كانت مرتبطة بمستويات المعادن بدرجة أكبر من طبيعة المواد التي سقطت مع مياه الأمطار.
فقد كانت المنازل التي تستخدم خزانات معدنية أكثر عرضة بنحو 3.6 مرة لارتفاع مستويات المعادن مقارنة بالمنازل التي تستخدم خزانات بلاستيكية.
وترتبط هذه النتيجة، بحسب الباحثين، باستخدام خزانات مصنوعة عادة من الفولاذ المطلي بالزنك، إذ يمكن أن يتعرض الطلاء للتآكل بمرور الوقت، ما يسمح بتحرر الزنك وبعض المعادن النزرة الأخرى.

هل تزيد الألواح الشمسية تلوث مياه الأمطار؟
بحث الفريق أيضًا في احتمال ارتباط الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل بجودة مياه الخزانات.
وتنبع الفكرة من أن الألواح الشمسية قد توفر مساحات دافئة ومحمية يمكن للطيور أن تتجمع أو تعشش فيها، ما قد يؤدي إلى وصول مخلفاتها إلى الأسطح والمزاريب ثم إلى خزانات المياه.
وكانت الألواح الشمسية موجودة لدى 62% من الأسر التي شملتها الدراسة.
وأظهرت القراءة الأولية للبيانات وجود ارتباط بين الألواح الشمسية وارتفاع مستويات المعادن، لكن هذا الارتباط تغير بعد أخذ مادة تصنيع الخزان في الاعتبار.
وعند تحليل البيانات وفق هذا العامل، أصبحت المنازل التي لديها ألواح شمسية أقل عرضة بنحو 74% لارتفاع مستويات المعادن مقارنة بالمنازل التي لا تمتلك ألواحًا شمسية.
لكن الباحثين أكدوا أن هذه النتيجة لا تعني أن الألواح الشمسية تعمل على تنظيف مياه الأمطار، إذ لم تتمكن الدراسة من تفسير هذا الارتباط.
كما أن الدراسة لم تقس عوامل أخرى قد تؤثر في النتيجة، مثل عمر الأسطح، ونوع مواد تصنيع المزاريب، وعادات الصيانة.
تنظيف الخزانات يرتبط بجودة المياه
أظهرت الدراسة أن 56% من الأسر قالت إنها تجري صيانة دورية لنظام حصاد مياه الأمطار.
وكان تنظيف أنابيب التصريف هو أكثر إجراءات الصيانة شيوعًا، بينما كان تنظيف الأسطح والمزاريب أقل انتشارًا.
وارتبطت الخزانات التي لم تخضع للصيانة من قبل بارتفاع مستويات المعادن.
في المقابل، لم يظهر تفريغ الخزان في حد ذاته ارتباطًا بانخفاض مستويات المعادن.
كما احتوى نحو 40% من الخزانات على كمية من المواد العضوية تكفي لتوفير بيئة مناسبة لنمو البكتيريا، وكانت غالبية هذه المواد عبارة عن أوراق وأتربة ومخلفات حيوانات وصلت إلى الخزانات من الأسطح.
وقال كريج ويليامز، الباحث الرئيسي المشارك من كلية الصحة بجامعة أديلايد، إن الصيانة المنتظمة لأنظمة مياه الأمطار ضرورية، لأن الأوراق والأتربة ومخلفات الحيوانات وغيرها من المواد يمكن أن تتراكم وتؤثر في جودة المياه.
وجود DNA للبكتيريا لا يعني أنها حية
تمثل هذه النقطة أحد أهم حدود الدراسة، فالكشف عن المادة الوراثية للبكتيريا لا يميز بالضرورة بين الخلايا الحية والميتة، وبالتالي لا يمكن من خلال هذه النتائج وحدها تحديد كمية البكتيريا القادرة بالفعل على التسبب في العدوى.
وللتعامل مع هذا الاحتمال، أجرى الباحثون تقديرًا محافظًا للمخاطر، بافتراض أن جميع الخلايا المكتشفة كانت حية وقادرة على إحداث العدوى.
ووفق هذا السيناريو، فإن الشخص الذي يشرب ما يزيد قليلًا على لتر من هذه المياه يوميًا قد يتعرض لكمية من البكتيريا تتجاوز الجرعات التي يُعتقد أنها قد تبدأ الإصابة بالعدوى.
لكن هذا لا يعني أن الأشخاص الذين يشربون مياه الخزانات سيصابون بالمرض، وهو ما أكدته الباحثة ميرا كوبر، التي أشارت إلى أن النتائج تكشف عن مخاطر محتملة تستحق مزيدًا من الاهتمام والدراسة.
وجُمعت العينات مباشرة من الخزانات قبل مرور المياه عبر أي مرشح منزلي، وبعد تشغيل الصنبور لمدة 15 ثانية.
كما أخذت عينة واحدة فقط من كل خزان، ولم تُحدد عملية أخذ العينات وفق توقيت سقوط الأمطار.
الدراسة لم تبحث الفيروسات والطفيليات
هناك أيضًا مجموعة من المخاطر التي لم تختبرها الدراسة.
فالباحثون لم يبحثوا عن الفيروسات، كما لم يفحصوا الطفيليات مثل جيارديا (Giardia) وكريبتوسبوريديوم (Cryptosporidium)، وهي كائنات سبق العثور عليها في مياه الأمطار المجمعة.
كذلك لم تتم زراعة البكتيريا في المختبر، وهي الخطوة التي كان يمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كانت الكائنات التي جرى الكشف عن مادتها الوراثية لا تزال حية.
وتبقى مقاومة المضادات الحيوية سؤالًا آخر مفتوحًا أمام الأبحاث المستقبلية، إذ إن ارتفاع مستويات المعادن قد يفرض ضغوطًا طويلة الأمد على المجتمعات البكتيرية، بما قد يرتبط بالحفاظ على جينات مقاومة المضادات، لكن الدراسة الحالية لم تختبر ما إذا كانت خزانات مياه الأمطار تمثل مستودعًا لهذه الجينات.
تغير المناخ يزيد أهمية حصاد مياه الأمطار
تكتسب هذه النتائج أهمية إضافية مع تزايد الاعتماد على أنظمة حصاد مياه الأمطار باعتبارها أحد الحلول الممكنة لدعم إمدادات المياه، خصوصًا في المناطق التي تواجه ضغوطًا مائية متزايدة.
وأشار كريج ويليامز إلى أن أهمية أنظمة مياه الأمطار ستتزايد مع استمرار تغير المناخ، ما يجعل فهم المخاطر الصحية المرتبطة بها وطرق إدارتها أكثر أهمية بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد عليها للشرب.
ويرى الباحثون أن الخطوة التالية يجب أن تتضمن زراعة البكتيريا الحية الموجودة في الخزانات، إلى جانب أخذ عينات قبل وبعد سقوط الأمطار، بدلًا من الاعتماد على عينة واحدة من كل خزان.





