تغير المناخ يقلب المعادلة.. لماذا قد تصبح الأراضي الجافة مصدرًا رئيسيًا لتلوث المياه؟
أمطار أشد تهدد الأراضي الجافة.. تغير المناخ يطلق «قنبلة نيتروجين» في شمال الصين
لطالما ارتبطت أسوأ مشكلات تلوث الأراضي الزراعية بالنيتروجين في الصين بالمناطق الرطبة في الجنوب، حيث تؤدي الأمطار الغزيرة وشبكات الأنهار الكثيفة إلى نقل كميات كبيرة من النيتروجين الناتج عن الأسمدة الزراعية إلى الأنهار والبحيرات والخزانات المائية.
لكن دراسة نمذجة علمية جديدة تشير إلى أن هذه الخريطة قد تتغير بصورة لافتة خلال العقود المقبلة.
فمع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد شدة الأمطار والعواصف، قد تنتقل بؤر تلوث النيتروجين تدريجيًا من جنوب الصين الرطب إلى المناطق الشمالية الجافة وشبه الجافة، حيث يمكن أن يتحول النيتروجين المتراكم في التربة على مدى سنوات إلى مصدر جديد لتلوث المياه.
وتقود الدراسة مجموعة بحثية برئاسة البروفيسور يونغتشيو شيا من معهد علوم التربة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم.
ونُشرت الدراسة في دورية National Science Review.
لماذا كان الجنوب الأكثر تلوثًا بالنيتروجين؟
لا تختفي كميات النيتروجين التي لا تمتصها المحاصيل بعد استخدامها في الأسمدة، بل يمكن أن تتراكم داخل التربة.
وعندما تهطل الأمطار، تحمل المياه جزءًا من هذا النيتروجين معها عبر الجريان السطحي إلى الأنهار والبحيرات والخزانات، ومنها إلى المصبات والمحيطات.
وقد جعلت الأمطار الغزيرة في جنوب الصين، إلى جانب كثافة شبكة الأنهار والمجاري المائية، المنطقة منذ فترة طويلة بؤرة رئيسية لهذا النوع من التلوث الزراعي.
أما شمال الصين، الذي يتميز في أجزاء واسعة منه بمناخ أكثر جفافًا، فقد كان أقل تعرضًا لهذه المشكلة؛ لأن قلة الأمطار تعني جريانًا سطحيًا أقل، وبالتالي كميات أقل من النيتروجين تصل إلى شبكات الأنهار.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذا الفارق بين الشمال والجنوب ليس قاعدة ثابتة، وإنما نتيجة لتوازن يمكن أن يتغير مع تغير المناخ.
ارتفاع الحرارة يغير حركة النيتروجين
مع ارتفاع درجات الحرارة، تتسارع بعض العمليات الكيميائية والميكروبية التي تحول النيتروجين المخزن في التربة إلى أشكال أكثر قابلية للانتقال مع المياه.
وفي الوقت نفسه، يؤدي تغير المناخ إلى زيادة احتمالية هطول أمطار غزيرة وحدوث عواصف أكثر شدة في بعض المناطق.
وعندما تهطل كميات كبيرة من المياه على الأراضي الجافة، يمكن أن تتحرك كميات من النيتروجين كانت قد تراكمت في التربة على مدى سنوات، وتنتقل فجأة إلى الأنهار والمجاري المائية.
وفي المقابل، تستطيع الأنهار والبحيرات والخزانات المائية إزالة جزء من النيتروجين أثناء انتقاله عبر الشبكة المائية.
وبالتالي، فإن مستوى التلوث النهائي في أي منطقة يعتمد على توازن معقد بين كمية النيتروجين التي تطلقها الأراضي الزراعية وكمية النيتروجين التي تستطيع الأنظمة المائية احتجازها أو إزالتها.
نموذج يتتبع رحلة النيتروجين
ولفهم هذا التوازن، جمع الباحثون بين نماذج تحاكي جريان النيتروجين من الأراضي الزراعية ونماذج أخرى تتبع حركة النيتروجين عبر شبكات الأنهار والبحيرات والخزانات المترابطة.
كما أخذت المحاكاة في الاعتبار قدرة هذه الأنظمة المائية على ترشيح النيتروجين وإزالته أثناء انتقاله downstream.
واعتمد الباحثون في تحليلهم على نموذج Zhiyuan لتلوث المصادر الزراعية غير النقطية، الذي يستند إلى 1485 ملاحظة ميدانية جُمعت من مناطق مختلفة في الصين.
ويرى الباحثون أن الاعتماد على بيانات ميدانية واسعة النطاق يساعد على تجنب أحد أوجه القصور في النماذج السابقة، التي اعتمد بعضها على بيانات محدودة ولم يأخذ الاختلافات الإقليمية في الاعتبار بصورة كافية.
وهذه الاختلافات مهمة للغاية، لأن الحوض النهري الذي يتمتع بقدرة عالية على إزالة النيتروجين قد يتعامل مع التلوث بطريقة مختلفة تمامًا عن حوض آخر لا يمتلك هذه القدرة.
شمال الصين قد يشهد قفزة كبيرة في التلوث
تكشف النتائج عن اختلاف واضح في مستويات تصدير النيتروجين حاليًا بين شمال الصين وجنوبها.
وتصدر المناطق الزراعية في جنوب الصين نحو 0.31 تيراجرام من النيتروجين الزراعي إلى المحيط سنويًا، مقارنة بنحو 0.16 تيراجرام في المناطق الشمالية الجافة.
لكن هذا الفارق يمكن أن يتقلص بصورة كبيرة بحلول عام 205، ووفقًا لسيناريو الاحترار المعتدل، قد ترتفع صادرات النيتروجين من شمال الصين بنسبة 18.8%، وفي سيناريو الانبعاثات المرتفعة، قد تصل الزيادة إلى 53.2%.
وفي المقابل، قد تظل صادرات النيتروجين من الجنوب مستقرة تقريبًا أو تنخفض بصورة طفيفة خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه النتائج إلى تحول محتمل في خريطة المشكلة، بحيث لا تظل المناطق التي تعاني حاليًا من أعلى مستويات التلوث هي بالضرورة المناطق التي ستشهد أكبر زيادة مستقبلية.
حوض نهر هاي أمام خطر متزايد
يظهر حوض نهر هاي في شمال الصين باعتباره إحدى أكثر المناطق عرضة لهذا التحول.
ففي سيناريو الانبعاثات المرتفعة، يمكن أن ترتفع صادرات النيتروجين من الحوض بنسبة تصل إلى 88.1%، وهي زيادة كبيرة مقارنة بمعدلات التغير المتوقعة في مناطق أخرى.
ويزيد من خطورة الوضع أن المنطقة لم تواجه تاريخيًا المستويات نفسها من جريان النيتروجين التي شهدتها مناطق الجنوب.
وبالتالي، قد تكون خبرتها المؤسسية في التعامل مع هذا النوع من التلوث أقل، ما يجعل التخطيط المبكر والتكيف مع التغيرات المناخية أكثر أهمية.
الأراضي الجافة تخفي «مخزونًا» من النيتروجين
تكمن المفاجأة الرئيسية في الدراسة في أن المناطق التي تبدو أقل تلوثًا اليوم قد تخفي خطرًا مستقبليًا متراكمًا.
ففي الأراضي الجافة وشبه الجافة بشمال الصين، يمكن أن يتراكم النيتروجين داخل التربة لسنوات بسبب محدودية المياه القادرة على نقله بعيدًا.
وعندما تصل الأمطار الغزيرة بعد فترات طويلة من الجفاف، يمكن أن تعيد فتح مسارات الجريان السطحي التي كانت شبه منفصلة عن شبكة المياه.
وتصبح المياه قادرة عندها على حمل النيتروجين المتراكم دفعة واحدة إلى الأنهار.
وهذا يعني أن سنوات من تراكم النيتروجين في التربة يمكن أن تتحول إلى موجة تلوث مفاجئة بعد عاصفة أو فترة من الأمطار الغزيرة.
تغير المناخ يعيد تشكيل العلاقة بين التربة والمياه
تكشف هذه الظاهرة عن جانب أقل وضوحًا من تأثير تغير المناخ على الزراعة.
فارتفاع درجات الحرارة لا يؤدي فقط إلى زيادة احتياجات المحاصيل من المياه أو تغيير مواسم الزراعة، وإنما يمكن أن يغير أيضًا الطريقة التي تتحرك بها العناصر الكيميائية داخل التربة والمياه.
وعندما تقترن درجات الحرارة المرتفعة بالأمطار الأكثر غزارة، قد تتحول التربة الجافة من مخزن مؤقت للنيتروجين إلى مصدر مفاجئ للتلوث.
وهذا يجعل إدارة الأسمدة أكثر تعقيدًا في المستقبل، إذ لن يكون الهدف فقط تحديد كمية السماد المناسبة للمحصول، وإنما توقيت استخدامها أيضًا بما يتناسب مع توقعات الطقس والأمطار.
حلول مختلفة للشمال والجنوب
لا تشير نتائج الدراسة إلى وجود حل واحد يمكن تطبيقه في جميع المناطق الزراعية.
ففي شمال الصين، حيث يتركز الخطر المستقبلي في إطلاق النيتروجين المتراكم بعد هطول الأمطار الغزيرة، يوصي الباحثون باستخدام جداول تسميد تستجيب للظروف الجوية.
وتشمل الحلول المقترحة أيضًا استخدام الأسمدة بطيئة أو متحكمًا في إطلاقها، وتقليل الكميات المستخدمة في كل مرة وتقسيم عمليات التسميد على فترات زمنية أطول.
وتهدف هذه الإجراءات إلى منع تراكم كميات كبيرة من النيتروجين في التربة قبل وصول موجات الأمطار الغزيرة.
أما في جنوب الصين، فإن المشكلة مختلفة نسبيًا، لأن المنطقة تواجه بالفعل معدلات مرتفعة من جريان النيتروجين.
ولذلك تتركز الأولويات على تقليل استخدام الأسمدة من المصدر، إلى جانب الحفاظ على قدرة شبكات المياه الطبيعية على احتجاز النيتروجين وإزالته.
الأراضي الرطبة يمكن أن تساعد في الحد من التلوث
يقترح الباحثون أيضًا استعادة الأراضي الرطبة الواقعة على ضفاف الأنهار، وإدارة النباتات المائية، وإنشاء أنظمة لا مركزية يمكنها التقاط النيتروجين قبل انتقاله لمسافات أطول في اتجاه مجرى النهر.
وتؤدي الأراضي الرطبة دورًا مهمًا في تنقية المياه، إذ يمكن للنباتات والكائنات الدقيقة الموجودة فيها أن تساهم في إزالة بعض المركبات النيتروجينية من المياه.
ومن خلال الجمع بين تقليل الأسمدة من المصدر وتحسين قدرة الأنظمة الطبيعية على احتجاز النيتروجين، يمكن الحد من كمية الملوثات التي تصل إلى الأنهار والبحيرات والمحيطات.
الخطر لا يقتصر على الصين
يحذر الباحثون من أن الظاهرة قد تكون ذات صلة بمناطق زراعية جافة أخرى حول العالم، بما في ذلك السهول الكبرى في أمريكا الشمالية وحزام زراعة القمح في أستراليا.
لكنهم يؤكدون أن نتائج الصين لا يمكن تطبيقها تلقائيًا على المناطق الأخرى.
فطبيعة التربة، وأنظمة الأنهار، وكميات الأمطار، وأنواع المحاصيل، وأنماط استخدام الأسمدة، والبنية التحتية المائية، كلها عوامل تختلف من منطقة إلى أخرى.
ولذلك فإن تقييم الخطر في المناطق الزراعية الأخرى يحتاج إلى دراسات ونماذج مخصصة لكل إقليم.
من مشكلة جنوبية إلى تهديد شمالي
تكشف الدراسة عن تحول محتمل في خريطة تلوث النيتروجين الزراعي في الصين.
ففي الوقت الذي ظل فيه جنوب البلاد تاريخيًا مركز المشكلة بسبب الأمطار الغزيرة وشبكات المياه الكثيفة، قد تتحول المناطق الشمالية الجافة وشبه الجافة إلى بؤر متزايدة للتلوث مع تغير المناخ.
والسبب ليس فقط زيادة الأمطار، وإنما التفاعل بين ارتفاع درجات الحرارة، وتراكم النيتروجين في التربة، وزيادة شدة العواصف، وتغير مسارات الجريان السطحي.
وقد تكون النتيجة إطلاق كميات كبيرة من النيتروجين المخزن في التربة إلى الأنهار خلال فترات قصيرة.
ومع استمرار تغير المناخ، تصبح إدارة الأسمدة أكثر ارتباطًا بالتنبؤات الجوية وإدارة المياه وحماية النظم البيئية، وليس بالإنتاج الزراعي وحده.
وتشير النتائج إلى أن مواجهة تلوث النيتروجين في المستقبل ستحتاج إلى الانتقال من التعامل مع المشكلة بعد وصولها إلى الأنهار إلى منع تراكمها في التربة والاستعداد المسبق للأمطار والعواصف الشديدة.





